2011 العام الذي غير وجه العالم العربي

حجم الخط
0

كانت الشرارة الأولى التي أطلــــقت موجة التغـــــيير في العالم العربي تونسية، فتسلم المصريون المشعل من التونســــيين في الخامس والعشـــــرين من يناير عام 2011، لتندلع الاحتجاجات الشعبية في القاهرة والإسكندرية والسويس، وتمــــتد إلى باقي المحافظات في مصر المحروسة. إذا كانت الثورتان التونسية والمصرية قد حُسمتا في وقت قصير نسبيا، فإن الأمر في ليبيا كان مختلفا، إذ احتاج الشعب الليبي، الذي خرج في احتجاجات سلمية في السابع عشر من فبراير سنة 2011، إلى تدخل قوات حلف الناتو لحمايته من كتائب نظام العقيد معمر القذافي، الذي لم يتوان في وصف المحتجين بالجرذان، واتهامهم بتناول حبوب الهلوسة، متوعدا إياهم بملاحقتهم ‘زنقة زنقة، دار دار’. العقيد نفذ وعده ودخل في حرب مفتوحة ضد شعبه، إذ قامت كتائبه باستخدام الأسلحة النارية الثقيلة والقصف الجوي لقمع المتظاهرين العزّل، لتتحول الاحتجاجات الشعبية إلى ثورة مسلحة أسقطت النظام ومعظم رموزه. فقد تم إلقاء القبض على معمر القذافي وقتله وابنه الساعدي في العشرين من أكتوبر2011، بتخوم مدينة مصراتة، بعد أن كان قد فر من العاصمة طرابلس على إثر دخول قوات الثوار إليها. ولاحقا تم إلقاء القبض على ابنه سيف الإسلام، الذي كان يوصف بكونه القائد الفعلي لكتائب أبيه.

في اليمن، البلد الذي يوجد فيه أكثر من 50 مليون قطعة سلاح، قدم الشعب نموذجا راقيا للتغيير السلمي في ظل نظام ليس له من صفات الدولة غير الاسم. فهو يفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، وبعيد كل البعد عن دولة المؤسسات والقانون، أما المجتمع فتركيبته قبلية بامتياز. مع كل هذا لم يستطع النظام جر الشارع اليمني المنتفض ضده منذ الثالث من فبراير 2011، إلى حرب أهلية، هو المحتشد في الساحات بأعداد ضخمة منذ الحادي عشر من الشهر نفسه، اليوم الذي أطلق عليه جمعة الغضب، والذي صادف سقوط نظام الرئيس محمد حسني مبارك في مصر. منذ ذلك الحين والرئيس اليمني يتملص من مبادرة إلى أخرى محاولا إطالة عمره السياسي، على الأقل حتى نهاية فترته الرئاسية. لكن ضغوطات الشارع والخلافات التي دبت داخل النظام نفسه، والتي كادت تودي بحياة الرئيس شخصيا في محاولة اغتيال نقل على إثرها لتلقي العلاج بالمملكة العربية السعودية، عجلت بتوقيعه على المبادرة الخليجية يوم الأربعاء 23 نونبر 2011، ليسلم صلاحياته إلى نائبه، على أن يبقى رئيسا شرفيا لمدة تسعين يوما، وتشكل حكومة وحدة وطنية برئاسة شخصية من المعارضة. مخرج أملته ظروف إقليمية ودولية، ورفض الشباب اليمني بنده المتعلق بحصانة الرئيس وأقربائه من الملاحقة القضائية صحيح أن لكل ثورة ظروفها التي إما تساعد على التعجيل بالحسم فيها أو تفاقم الأزمة ليتعقد الوضع أكثر، لكن بعض ما يقال عن الثورة اليمنية و الثورة الليبية كذلك، يمكن قول بعضه على الثورة السورية، التي انطلقت في منتصف شهر آذار مارس من العام 2011، ومازالت متأججة في معظم المدن والبلدات. لقد هب الشارع مطالبا بالإصلاح فقوبل بالحديد والنار، لينشق العديد من الضباط وينضموا إلى صفوف الثورة مؤسسين نواة ‘الجيش السوري الحر’ الذي جاء متزامنا مع استكمال الإعلان الميثاقي’ للمجلس الوطني السوري’، الواجهة السياسية للثورة السورية في المحافل الدولية. غير أن الدعم الذي يتلقاه النظام السوري من حليفه الاستراتيجي إيران، وكذا من الصين وروسيا، بالإضافة إلى تشابك المصالح بين نظام الأسد وحلفائه في لبنان وغياب البديل الآمن بالنسبة لإسرائيل في حالة سقوط النظام الحاكم في سورية، كل هذا زاد الأمور تعقيدا، رغم عقوبات وضغوطات الجامعة العربية والدول الغربية. لكن سورية ما بعد الثورة أبدا لن تكون هي سورية ما قبل الثورة. بلدان عربية كثيرة قامت فيها انتفاضات واحتجاجات، لكن دون أن تصل الأمور إلى مستوى المطالبة بإسقاط الأنظمة كما هو الحال في الدول سالفة الذكر. في البحرين، وبعد توالي الاشتباكات العنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، استدعيت قوات ‘درع الجزيرة’. وهي قوات أسست للدفاع المشترك عن دول الخليج، لكن البعد الشيعي الذي أخذته الانتفاضة في مملكة جل أهلها شيعة، في حين أن العائلة الحاكمة سنية، والمخاوف التي أثيرت حول تورط إيراني في احتجاجاتها، قاد إلى اتخاذ تلك الخطوة التي أثارت حفيظة وانتقادات الشارع البحريني. أما في المغرب فقد استبق النظام الأمور وأعلن عاهله عن تشكيل لجنة لتعديل الدستور. تعديلات أعطت هامشا أكبر من الحرية لعمل المؤسسة التشريعية والحكومة، وعبدت الطريق أمام انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، كان الفوز فيها للإسلاميين ممثلين في حزب ‘العدالة والتنمية’. فوز نتج عنه ارتياح في الشارع المغربي، وجدد الأمل في إمكانية تغيير سلمي ينأى بالبلد عن القلاقل التي عاشتها الأقطار الأخرى. وهو ما أضعف كثيرا حركة ’20 فبراير’، حاملة لواء الربيع العربي في المغرب.

على العموم، ففقد أظهرت الانتفاضات العربية أن الشعوب لم تعد قادرة على القبول بتمركز الثروة والسلطة بيد أقلية ضئيلة، يقوم نظامها على القمع والاضطهاد. فروح هذه الانتفاضات، والتي عبرت الحدود وغيرت العقليات، سوف تفتح الأفق لصراع لن ينتهي إلا بتحقيق مطالب الشعوب المستضعفة. المطلوب الآن هو التأسيس لديمقراطية حقيقية تعيد توزيع السلطات بين المؤسسات لا الأفراد، واقتصاد منتج يحل مشكلات البطالة والتعليم والصحة…. ديمقراطية بدأت ملامحها تتشكل في عام لا كالأعوام السابقة، فهل ستشهد السنة الجديدة 2012 اكتمال الولادة؟

يوسف شكري المملكة المغربية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية