أبوحفص بن شنوف لا مناص من جمع عناصر صياغة الجواب عن سؤال موضوعنا هذا من قراءة سريعة لصفحات تاريخ مسيرة النظام السياسي قبيل اندلاع حرب التحرير الوطني سنة 1954، وبعد ذلك يمكن أن نـتبين الخيط الأبيض من الأسود في شبكة خيوط النسيج السياسي المعقد لنـتتبع مسار ما حدث وما يحدث أو ما سيحدث في سنة 2012، فيكون المرء في حاجة إلى الاقتراب من أحداث كادت أن تغير التوجهات الكبرى للنظام الجزائري خلال مراحل بناء الدولة الجزائرية منذ سنة 1962 تحت مظلة الشرعية الثورية مرجعية النظام السياسي، ومن شرايين هذه الشرعية تغذى ونمى فكر سياسي شمولي فاعتنق مبادئ الاشتراكية ليزداد انغلاقا وبذلك أزاح عن مشاريعه توجهات بيان أول تشرين الثاني/نوفمبر 1954 لبناء مجتمع الحرية والاستقلال، فبدا وكأن شعاره، رأيي صواب لا يحتمل الخطأ ورأيك خطأ لا يحتمل الصواب، فكان آنذاك يرفض بصرامة الليبرالية والتعددية الحزبية وحرية التعبير فهدد من حمل أفكارها ونادى بها باعتباره العدو الرجعي والخائن للثورة.
تنظيم ثورة التحرير 1954 بعد حل الأحزاب:
علينا أن نتذكر، أن ثورة التحرير في الجزائر اندلعت بتنظيمين اثنين، الأول سياسي وهو جبهة التحرير الوطني التي انصهر فيها، باستثناء حزب الشعب، كل الأحزاب التي نشطت طيلة الاحتلال الفرنسي، فحلت نفسها وتخلت عن أيديولوجياتها وانضمت إلى جبهة موحدة تخوض معركة التحرير وضربت موعدا لإعادة بناء صرحها يوم طرد المحتل وتحرير البلاد وحينئذ يكون للأمر شأن آخر، أما التنظيم الثاني فهو جيش التحرير الوطني الجناح العسكري للجبهة، وقد رفض الجيش هذا الترتيب فغيره، فجعل من الجبهة الجناح السياسي لجيش التحرير.
يدرك من ساير سنوات النشاط السياسي في عهد الحرية أن هذه الجبهة قد غيرت مظلتها بعد أن تحول جيش التحرير إلى الجيش الوطني الشعبي، فأصبحت الأداة النشطة الفعالة المنفذة لسياسية قيادة الثورة، تتحدد مهمتها في حشد الجماهير حول مشاريع المجتمع الجديد الذي أقره مجلس الثورة، والقيام بحملات الشرح والتوعية، ساند الشعب آن ذاك بدون تحفظ وبأغلبية ساحقة القيادة الثورية فكان يثق بكل ما قدمت له من رؤى مستقبلية مبشّرة بالخروج من وحل التخلف بل من العالم الثالث والالتحاق بالركب الحضاري في آجال قريبة فرفضت أغلبية أفراد المجتمع أن تنساق وراء شخصيات معارضة لتلك الأفكار.
الشرعية الثورة:
الشرعية الثورية هي الديمقراطية المركزية التي سيرت البلاد والعباد بنصوص وقوانين لإقامة المجتمع التقدمي الاشتراكي الذي نص عليه الميثاق الوطني (باعتبار النظام الاشتراكي وفق التجربة الجزائرية هو المنهج الوحيد لتعميق المحتوى الديمقراطي الشعبي للدولة الجزائرية) فترى الديمقراطية محددة في تسيير الجماهير لشؤونها من خلال المجالس المنتخبة المكونة فقط من مناضلي جبهة التحرير الوطني، فكان إسناد المسؤوليات في البلديات والولايات وفي هرم جهاز الدولة مغلقا في دائرة أعضاء جبهة وجيش التحرير الوطني دون سواهم، وهذا يعني، على كل مرشح لمنصب مسؤول إداري أو انتخابي أن يقدم شهادة تثبت عضوية مشاركته في حرب التحرير تخضع بالضرورة لتزكية ثلاثة أشخاص من الثوار تصدق عليها وزارة المجاهدين فتصبح تلك الوثيقة بمثابة مفتاح لأبواب كثيرة بما في ذلك الباب المغري السخي، باب التزوير الواسع والثراء الفاحش، فدخل أناس ليس لهم علاقة بحرب التحرير للأسرة الثورية فارتفع عدد أفرادها بالآلاف إلى أن أصبحت الأغلبية الكاسحة من هؤلاء الدخلاء الثوار الجدد، مما سهل على مر السنوات عملية إقصاء المخلصين الأوفياء من دواليب الحكم.
لماذا ثلاثة شهود كشرط لتسليم وثيقة العضوية… ؟ في الوقت الذي توجد قوائم المناضلين والجنود وغيرهم ممن شاركوا في حرب التحرير انطلاقا من خلايا المدن والأرياف إلى أعلى هرم المناطق والولايات كما كان الحال خارج الحدود في تنظيم وتسيير القواعد الخلفية لجيش التحرير في تونس والمغرب وليبيا وغيرها حيث كانت إدارة عسكرية منضبطة ومنظمة تتولى شؤون الجيش وكانت داخل الحدود تقارير مفصلة بعدد الجنود والفدائيين والمسبلين والشهداء وغيرهم وكذلك العمليات العسكرية والتموين والتمويل، تقارير ترفع شهريا وفق السلم التصاعدي من ابسط خلية إلى القيادة العامة، بما في ذلك المقاومين في أوروبا، ما هي الغاية من حجب تلك الوثائق واستبدالها بشهادة ثلاثة أشخاص.. ؟ حملة جمع وثائق حرب التحرير:
من الصعب أن يجد المرء الجواب الصحيح عن استفسارات كثيرة لها علاقة بنزاهة طريقة الحصول على شهادة المشاركة في حرب التحرير وقد سبقتها حملة وطنية واسعة في أوائل الستينات لجمع وثائق الثورة، فطلب من كل مواطن بحوزته وثيقة مكتوبة أو مصورة لثورة التحرير أن يقدمها لجهة معينة بحجة إنقاذ وثائق الثورة من التلف ولا أحد يدري مصير تلك الأطنان من الوثائق في أيامنا هذه وما هو المقصود من تلك الحملة وما هي أهدافها.. ؟ ليس المقصود في موضوعنا هذا أبدا التـنكر لحقوق الذين شاركوا من بعيد أو قريب في حرب التحرير وحرمانهم من الاستفادة من خيرات الجزائر المستقلة كتحسين الحياة الاجتماعية من مرتب ومسكن وغير ذلك لكن الملفت للأنظار هو، ما تخفيه النوايا من دسائس وحسابات اعتمد أصحابها على مجاهدين مزورين كسند لاعتلاء سدة الحكم وغض الطرف عن الثراء الفاحش ونهب أموال الشعب.
التحولات الجذرية التي عرفها حزب جبهة التحرير الوطني:
مرت جبهة التحرير الوطني التي تحولت إلى حزب ما بعد الاستقلال على مراحل ثلاثة، أولها جبهة تضم الأحزاب السياسية، وثانيها جهاز الحزب ثم مؤسسة الحزب الأحادي التقدمي الاشتراكي وأخيرا حزب تعددي تولدت من رحمه أحزاب جل كوادرها من مناضليه، وحتى يتكيف الحزب مع الواقع الجديد الذي فرضته ثورة أكتوبر 1988، تخلى عن توجهاته التي نصت عليها مواثيقه ونصوصه الأساسية وخياراته وبذلك استبدل أيديولوجية التقدمية الاشتراكية التي كانت طيلة سنوات – خيارا لا رجعة فيه – بسياسة مرنة ديمقراطية تعددية، فساند بقوة سياسة اقتصاد السوق وبارك إصلاحات اقتصادية واجتماعية فرضها صندوق النقد الدولي وخاض هذا الحزب حملات تدعوا لليبرالية والديمقراطية وحرية التعبير والتعددية وفي نفس الوقت سكت عن التزوير في الانتخابات وفقد صوته للتنديد بالاختلاسات والتلاعب بمصير البلاد والعباد فغادرته كفاءات سياسية تتميز بالنزاهة والوفاء لعهد الشهداء، وانـقاد الحزب بيد خفية خارج مبادئه في مغامرة أفقدته مصداقيته وقاعدته في أوساط الجماهير، فالسلطة تريد حزبا ضعيفا بهيكل هزيل، لأن جبهة التحرير بإطاراتها النزيهة ومبادئها الوفية لبيان ثورة التحرير تمثل تهديدا لمصالح أصحاب القرار الأثرياء اشد خطورة من جبهة الإنقاذ.
تنفس الصعداء المندسون وراء كواليس السلطة لانهيار هيكل جبهة التحرير فتساوى مع الأحزاب الصغيرة فأصبح مهددا بالزوال وحتى لا يرحل عن المسرح السياسي فيعود برفاته إلى متحف التاريخ شأنه شأن جيش التحرير الوطني، أعدت تلك الأيادي خطة لنجدته فهم في حاجة لخدماته، فأنجب من هيكله حزبا ولد كما يقال ـ بشـنباته ـ استطاع هذا المولود الجديد في أيام معدودات من بسط قاعدته العريضة من الإداريين والعمال فمد يده للحزب الغـريق والعريق وتقاسم معه نسبة مأوية من أصوات الناخبين وفق ـ الكوتا ـ المحددة من أصحاب القرار. محاولة تغيير المسار السياسي من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدينية: عوامل كثيرة أدت إلى فشل محاولة تغيير المسار السياسي الجزائري كتلك التي أطاحت بجدية ونزاهة الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي أقرها الرئيس الشاذلي بن جديد بعد الأحداث الدامية في ربيع الشباب الجزائري المبكر في نظر البعض والسابق لأوانه حسب البعض الآخر في تشرين الأول/أكتوبر 1988، حيث عرفت شوارع المدن ما قبل توقيف المسار الانتخابي تظاهرات وأعراس تبارك وتهلل للتعددية الحزبية والانتصارات في الانتخابات النزيهة على المستويين المحلي بالنسبة للبلديات والوطني للبرلمان وقد ألغتها القيادة العسكرية خوفا من جبهة الإنقاذ التي حصدت الأغلبية الساحقة فحدث ما حدث للمرة الثانية في تاريخ التجربة السياسية الجزائرية، اهتز عرش الشرعية الثورية بزلزال عنيف وأصاب السلطة الحاكمة ذعر أفقد التدبير والتفكير وتأكد أصحاب القرار، أن الشارع أخذ زمام المبادرة وأن مخططات ساستهم قد أسقطتها صــــناديق الاقتراع رغم حبك تقطيع دوائر الانتخابات وفق المقاس وتجنيد المنظمات الجماهيرية والحملات الصحافية بكل أشكالها وأثقالها، وأجمع الكثير من المراقبين السياسيين على أن الشرعية الثورية باتت مهتزة مهددة بالزوال، فكان واضحا في منظورهم لمجريات الأحداث أن السلطة تواجه خطرا أشد حدة من تلك التهديدات التي واجهتها قيادة جيش التحرير في أول أيام الاستقلال الوطني حين أقدمـت الحكومة المؤقتة على حل القيادة العامة لأركان جيش التحرير واستبدال هذا الجيش بجنود – القوات المحلية – للشباب الجزائري المجند في الخدمة العسكرية الفرنسية بعد أن تضعه القيادة الفرنسية تحت سلطة الحكومة المؤقتة مباشرة الأمر الذي يفتح المجال واسعا أمام تلك الحكــومة لإقامة مجتمع أقرب ما تكون سياسته وتوجهاته الاقتصادية من مبادئ بيان ثورة التحرير، فتدخل الجيش آن ذاك بقوة وشطب بصفة نهاية كل آثار الحكومة المؤقتة ومنع مجرد التفكير بصوت عال خارج الشرعية الثورية إذن، خسرت الحكومة المؤقتة مشروعها كما خسرت جبهة الإنقاذ مشروع بناء مجتمع كان ومازال في نظر السلطة ومن يدور في فلكها مغامرة كبرى تهدف إلى – إزالة الشرعية الثورية واستبدالها بالشرعية الدينية – . نظرة في أفق سنة 2012: سنة 2012 هي بداية نهاية الشرعية الثورية وقد عرفت انتكاسة استراتيجيتها في كل مراحلها، فقد خسرت الرهان في بناء مجتمع تقدمي اشتراكي وأدخلت البلاد في متاهة الديمقراطية الصورية و أخيرا قررت إصلاحات سياسية، نستشف من خلال قراءتنا لتعاليق المعنيين بها واستماع تصريحاتهم تذبذبا يفضي إلى عدم الثقة في فعالية هذا الإصلاحات يوم الحسم وقد أثرت الثورات التي عرفتها البلدان المجاورة على مجريات سياسة السلطة في الجزائر فبدا من الصعب تزوير الانتخابات، وما عادت الإصلاحات والنصوص والتصريحات تضمن الاطمئنان النفسي لاستقرار النظام السياسي وتضمن بقاء أصحاب القرار وحاشيتهم في كراسي الحكم مدى الحياة، وقد اقتربت نهاية هذه الحياة بالنسبة لثوار حرب التحرير، فقد بلغوا أرذل العمر دون إعداد الخلف للسلف.
هل أعدت الأسرة الثورية خليفة للتوريث.. ؟ من المؤكد أن الشرعية الثورية ستنتهي بعد رحيل الأسرة الثورية ولا أحد يدري من الخلف للسلف… ؟ هل الوارث هو المجتمع المدني المتقوقع في دوائر خدمة مصالحه والجري وراء المناصب فأفقد توازنه في المحيط السياسي والاجتماعي.. ؟ هل الخلف هو نقابات العمال التي استبدلت مهامها الاجتماعية بالنشاط السياسي.. ؟ هل الخلف هو تنظيمات الرباعية الامازيغية، القبائل والشاوية وبني مزاب والتوارق التي تشهد صراعات فيما بينها تدور رحاها حول الانتماء الحضاري.. ؟ أو هم أحفاد الأسرة الثورية أبناء الشهداء وأبناء المجاهدين.. ؟ وأخيرا هل الوريث هو مصالح الإدارة المتحزبة في نضال سياسي مكشوف للعيان أدخل على التسيير الإداري مهام سياسية.. ؟ الذين يراهنون على الطبقات والفيئات الشعبية البسيطة الفقيرة لتنهض وتفرض التغيير، عليهم أن يأخذوا في توقعاتهم للأحداث العامل النفسي والتخلف المتفشي في تفكير البعض من أفراد المجتمع الجزائري والعربي، فإذا كانت جذور النظام السياسي الجزائرية ضاربة في تاريخ الثورة المسلحة، فإن عقليات الأقلية المؤثرة وخاصة مها بعض المثقفين ضاربة بجذورها في فكر العالم الثالث في الخمسينيات، والدليل عن ذلك تقديس الزعيم إلى درجة ساد فيها الاعتقاد لدى هؤلاء أن رحيله عن الحكم يؤدي إلى خراب البلاد وضياع العباد، بينما نجد المرء في البلدان التي تنعم بديمقراطية عريقة يرى رحيل رئيس الدولة بالرسوب في الانتخابات أو بنهاية عهدته المنصوص عليها دستوريا أمرا عاديا باعتباره رجل سياسي اختارته الأغلبية فرحيله لا يعني الخسارة التي لا تعوض ولا انهيار البلاد.
ففي أوطاننا العربية لا توجد ليبرالية الفقراء ولا ديمقراطية الفقراء فهم مطالبون فقط بالتصويت لصالح مرشح الأحزاب أو مرشح رجال الأعمال وأرباب المصالح فهم وحدهم من يدير خيوط الليبرالية والديمقراطية، ويتساءل المرء والحالة هذه، هل أثرياء الرشوة واختلاس أموال الشعب والأحزاب المورطة في تدهور الأوضاع السياسية والثقافية والصناعية هم الخلف… ؟ لمن تقرع طبول التغيير إذن.. ؟ فلم تجد إلى حد الآن آذانا صاغية، تتجاوب مع رسائلها السياسية، ربما يحول دون ذلك خصوصيات وعوامل كثيرة يتميز بها المجتمع الجزائري ومنها، الاقليات النشطة والشرائح المؤثرة في أوساط المجتمع المدني الذي يعاني من سلبيات الانتماءات العرقية والدسائس السياسية الاستئصالية، فالحال إذن كما هو في جزائر اليوم ليس كما هو في المجتمع التونسي أو الليبي أو المصري بل أكثر من ذلك فهو ليس كما كان عليه مجتمع جزائر ما قبل التسعينيات.. ؟’ كاتب صحفي جزائري