استمرار فقدان الاتحاد الأوروبي لنفوذه الدولي بعدما كان يعلن رغبته في منافسة الصين وروسيا والولايات المتحدة، ويبقى الأخطر هو فقدان القيم الإنسانية في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين.
لندن ـ «القدس العربي»: خلال سنة 2022 راهن الاتحاد الأوروبي على ضرورة جعل سنة 2023 منعطفا تاريخيا في مسار القارة الأوروبية وهذا التكتل من خلال التحول إلى قوة تنافس الصين والولايات المتحدة. وبعد انتهاء السنة، يحصد الاتحاد نتائج سلبية ومنها المزيد من العنصرية والتراجع في النفوذ الدولي ثم السقوط الأخلاقي التام في سلم القيم بسبب انخراط غالبية أعضاء الاتحاد في حرب الإبادة ضد فلسطين، وتبقى إسبانيا هي الاستثناء بامتياز في هذا الشأن.
أنهى الاتحاد الأوروبي سنة 2022 على إيقاع الحرب الروسية-الأوكرانية التي جعلت قادة الدول الأعضاء يفكرون في مشروع يتضمن ثلاثة مستويات: الأول وهو التخلي عن استيراد النفط والغاز من روسيا كعقاب لها على الحرب والتخلص من تأثير موسكو في مجال الطاقة، ثم الانتقال إلى تطبيق مشروع «البوابة العالمية» لمنافسة طريق الحرير الصيني الذي تريد بكين من وراءه هيكلة التجارة الدولية، وأخيرا الاستثمار في المجال العسكري لتحقيق دفاع مشترك موحد والتقليل من الاعتماد على الولايات المتحدة.
الاتحاد يفقد النفوذ الدولي
وعلاقة بالموضوع الأول، لم يستغن الاتحاد الأوروبي عن الغاز والنفط الأوروبي بصفة نهائية بل قلل من الاعتماد عليه. في المقابل رفع الاستيراد من عدد من الدول ومنها الولايات المتحدة وبأسعار مرتفعة جدا. ولم يحقق الاتحاد الأوروبي الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة ولكن الفاتورة أصبحت عالية جدا، والرابح هو الشريك في الحلف الأطلسي والغرب، الولايات المتحدة.
وأعلن الاتحاد الأوروبي نهاية 2021 وبداية 2022 عن مشروع «البوابة العالمية» في محاولة منه لمنافسة مشروع «طريق الحرير الصيني» وشدد على أن 2023 سنة الانطلاقة وتنفيذ المشاريع. وهكذا تنتهي السنة وقد فقد الاتحاد الأوروبي نفوذه في عدد من المناطق الحيوية مثل شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. إذ تعيد دول مثل الجزائر النظر في اتفاقية التبادل التجاري مع هذا التكتل، ويبحث المغرب عن شركاء جدد، وولت ليبيا وجهها إلى الصين وتركيا، بينما طردت دول الساحل الأوروبيين وعلى رأسهم فرنسا من هذه المنطقة. ويبقى المثير هو تراجع مشروع «البوابة العالمية» لصالح المشروع الأمريكي «الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا» الذي جرى الاتفاق عليه في قمة العشرين خلال ايلول/سبتمبر الماضي في العاصمة نيودلهي.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي لم يخض أي حرب مباشرة سنة 2023 إلا أنها تعتبر سنة انتكاسة حقيقية للأوروبيين. قدم الأوروبيون السلاح والعتاد والدعم المالي لكي تنجح أوكرانيا في هجومها المضاد ضد روسيا، وتنتهي السنة ولم تحقق أوكرانيا أي تقدم نحو شرق هذا البلد الأوروبي الذي استحوذت عليه موسكو، كما تراجع مخزون السلاح الأوروبي لاسيما على مستوى القذائف بشكل لافت. في الوقت ذاته، صمم الاتحاد الأوروبي على جعل 2023 سنة تطوير الصناعة العسكرية الأوروبية. وتنتهي هذه السنة، وتبقى فرنسا وحيدة في حلم مشاريع الصناعة الحربية لوحدها، بينما فضلت معظم دول الاتحاد وعلى رأسها ألمانيا الرهان على السلاح الأمريكي خاصة في اقتناء المقاتلات إف 35.
وهكذا، يتبخر حلم القادة الأوروبيين بجعل 2023 سنة المنعطف التاريخي في بناء دبلوماسية موحدة، وقدرات عسكرية في مواجهة روسيا والحصول على موارد الطاقة بدون بأسعار غير مرتفعة. يتراجع دور الاتحاد الأوروبي ليتحول تدريجيا إلى ما يشبه اليابان كقوة اقتصادية بدون تأثير دبلوماسي وعسكري حقيقي في الساحة الدولية. ويبقى ما ينقذ الاتحاد ويعطيه قوة هو حق الفيتو الذي تتمتع به فرنسا في مجلس الأمن.
انهيار القيم الإنسانية
يجري الحديث عن انتكاسة الغرب وتراجع نفوذه، ولا يتعلق الأمر فقط بتراجع النفوذ المادي في مجال الاقتصاد والصناعة الحربية بل يمتد إلى القيم الإنسانية. وهكذا، شهد الربع الأخير من سنة 2023 انفجار طوفان الأقصى في فلسطين الذي جاء بعد هجمات حماس ضمن إطار تحرير الأراضي الفلسطينية من الاحتلال الإسرائيلي. قامت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دي لير بإعلان تأييد مطلق للكيان الصهيوني، وتبعتها حكومات مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا، وبدرجة أقل حكومات أوروبية أخرى.
ويعد تأييد كل من ألمانيا القوة الاقتصادية الأولى للاتحاد ثم فرنسا القائدة السياسية ورئيسة المفوضية الأوروبية ضربة لكل القيم التي يحاول الأوروبيون الترويج لها وسط المجتمعات العربية والأفريقية بل وحتى أمريكا اللاتينية. لم يسبق منذ اندلاع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الانحياز الأعمى للحكومات الأوروبية إلى الكيان كما جرى خلال طوفان الأقصى إلى مستوى إرسال أسلحة وقوات عسكرية بشكل غير معلن، ثم منع التظاهرات المؤيدة لفلسطين وأخيرا محاولة إجبار الجمعيات المكونة من المسلمين بضرورة الاعتراف بإسرائيل وشجب حركة حماس، والخطير هو معارضة الهدنة الإنسانية في مجلس الأمن لكي تستمر إسرائيل في نهج حرب الجبناء التي تعني قتل المدنيين ومنهم الأطفال.
وفي ملف آخر انهارت فيه القيم الأخلاقية للاتحاد الأوروبي، هو رهان عدد من الأحزاب السياسية المعتدلة مثلما هو الشأن في فرنسا مع حزب «الجمهورية إلى الأمام» وفي ألمانيا مع الحزب الاجتماعي المسيحي على تبني خطابات الأحزاب العنصرية في مواجهة الهجرة والمهاجرين. ولم يعد الفارق كبيرا بين حزب الحرية المتطرف في هولندا الذي فاز في الانتخابات التشريعية خلال تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وحزب فوكس الإسباني الذي يحتل المركز الثالث والأحزاب الكلاسيكية.
إسبانيا تشكل الاستثناء
وسط هذه التطورات السياسية السلبية التي تشهدها الدول الأوروبية، تشكل بعض الدول مثل بلجيكا وخاصة إسبانيا الاستثناء. وارتباطا بهذا، شهدت إسبانيا انتخابات تشريعية خلال تموز/يوليو الماضي قادت إلى فوز الأحزاب التقدمية والقومية على حساب الأحزاب المحافظة والمتطرفة مثل فوكس. ويشكل الائتلاف اليساري بزعامة الحزب الاشتراكي وأمينه العام بيدرو سانشيز منارة ضوء سياسية وسط الاتحاد الأوروبي الرازح تحت سيطرة اليمين المحافظ والمتطرف. لم تتراجع الحكومة الإسبانية عن خطابها الإنساني في مجال الهجرة رغم أنها بوابة الهجرة الأفريقية غير المنتظمة نحو أوروبا.
وأنقذ رئيس حكومة مدريد سانشيز ماء وجه الأوروبيين بتصريحاته حول فلسطين، وجعل الأمل في سياسيين لهم ارتباط بالحقوق أكثر من آخرين مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المرتبط بالشركات الأمريكية أو المستشار الألماني أولف شولتز رهين ما تعرض له اليهود على أيدي النازية في الحرب العالمية الثانية. ومن أبرز تصريحات سانشيز نهاية كانون الأول/ديسمبر قوله «أدعو الأوروبيين للتحدث بوضوح وبصوت واحد عن الهجمات الوحشية الإسرائيلية على غزة، ليس لأن العالم يراقبنا أو لأن التاريخ سيحكم علينا، ولكن لأن البشر يعانون…أطفال غزة الصغار يعانون ويفقدون حياتهم ومدريد لن تجلس دون أن تفعل شيئا بهذا الخصوص».
إن سنة 2023 هي سنة استمرار فقدان الاتحاد الأوروبي لنفوذه الدولي بعدما كان يعلن رغبته في منافسة الصين وروسيا والولايات المتحدة، ويبقى الأخطر هو فقدان القيم الإنسانية في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين.