إسرائيل وتكتيك «المفاوضات العنيفة» مع حماس!

حجم الخط
0

أحد التساؤلات حول المواجهة المتواصلة بين إسرائيل وحماس هو: نحن نتقاتل أم نتفاوض؟ يعجب الكثيرون كيف يمكن خوض مفاوضات إلى جانب استخدام القوة بين طرفين ليس بينهما أي قاسم مشترك. ألا يوجد تناقض بين استخدام العنف والمفاوضات السياسية، وكذلك بين استخدام القوة العسكرية والدبلوماسية؟
الحقائق واضحة. طرفا المواجهة لا يعترف الواحد بحق الآخر في الوجود، ولهذا فظاهراً لا يجريان مفاوضات. اليوم تجري مفاوضات عبر وساطة مصرية، وفي الماضي نقلت الرسائل من خلال مبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ملدنوف. وإلى جانب ذلك تطلق الصواريخ من غزة نحو بلدات غلاف غزة بل وأبعد منها، والجيش الإسرائيلي يرد بغارات جوية على منشآت حماس والجهاد الإسلامي. فما المنطق من خوض مفاوضات إلى جانب استخدام القوة، وما منطق استعمال العنف وإيقاع الضرر وفرض الحصار، إلى جانب ضخ الأموال والبضائع؟ سنستعين بمفاهيم من مجال الحكمة الاستراتيجية: التمييز الكلاسيكي بين الحرب والدبلوماسية، والذي كان مقبولاً منذ الحروب بين الدول في القرن الـ 19، اهتز في عصرنا. فقد أتاحت المفاوضات الحالية الوصف كـ «دبلوماسية العنف»، وهو التعبير الذي وضعه توماس شلينغ (الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في العام 2005 بالشراكة مع إسرائيل اومان)، مثابة تطوير التشخيص المعروف لفون كلاوفتس بين المفاوضات الدبلوماسية والحرب التي هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى. وقصد شلينغ الحروب المحدودة للولايات المتحدة في كوريا أو في فيتنام، ولكن تعريفه ينطبق أيضاً على مواجهات محدودة مثل تلك التي تجري في غلاف غزة.

لإخلاء مسؤوليتها ولكبح فكرة «فتح» بدولة… «مع» غزة

في الفهم الإسرائيلي، فإن إلحاق الهزيمة بحماس ليس هدفاً سياسياً. فالقضاء على حماس أو طردها من غزة سيؤديان بالضرورة إلى نقل الحكم إلى أبو مازن أو إلى أخذ المسؤولية عن إدارة القطاع في يد إسرائيل. الخيار الأول معناه تعزيز فتح، وفي أعقابه زيادة الضغط الدولي لدولة فلسطينية من على جانبي إسرائيل. أما الإمكانية الثانية فهي إدارة حياة مليونين ونصف فلسطيني من جانب الجيش الإسرائيلي. والنتيجتان تتعارضان والمصلحة الإسرائيلية: حماس على وعي بذلك، ولهذا فهي تتجرأ بقوة أكبر على تحدي القدس. ولما كان جوهرها الأساس هو استمرار الصراع ضد الدولة الصهيونية، فهي لا يمنها أن تتخلى عن المواجهة العنيفة. وعندما تفقد الشرعية في غزة وفي الدول العربية مثل مصر والسعودية، وبالمقابل تضغط عليها المقاطعة في رام الله التي لا تضخ إليها المقدرات، فإن حماس تحاول أن تبقى بفضل المواجهة. عندما لا يكون القضاء على حماس هدفاً سياسياً، تضطر إسرائيل أيضاً لأن تقيم معها مواجهة محدودة.
في هذه المواجهة المحدودة يجري حوار دبلوماسي في ظل استخدام العنف، وهذا الحوار العنيف ليس عديم القواعد. رغم نفي الحكومة فقد رأينا، عملياً، ناراً صاروخية نحو المركز ـ تل أبيب والشارون ـ يجري ردود فعل أكثر كثافة بكثير من الرد على النار على بلدات الغلاف. تفهم حماس قواعد اللعب: فهي لم توسع النار إلى مركز البلاد كي لا تجبر إسرائيل على الرد بشكل أكثر كثافة. وبالفعل، في قصف سلاح الجو منشآت عسكرية ومدنية في غزة، وعمل الجيش الإسرائيلي بشكل موضعي وامتنع عن إصابات عديدة في الأرواح من خلال آلية «نقر السطح»، التي تحذر مسبقاً المواطنين من الضربة الجوية للمبنى. كما أن التوافقات على وقف النار هي جزء لا يتجزأ من ذاك التكتيك المتعلق بـ «المفاوضات العنيفة».
هل يمكن إجراء مفاوضات عنيفة على مدى الزمن؟ في نظرة إلى الوراء يمكن القول إن هذه الآلية تتواصل عملياً منذ أكثر من عقد، على سيطرة حماس على قطاع غزة في 2007 وحتى اليوم جرت ثلاث حملات واسعة للجيش الإسرائيلي تبنت تعبير «الحرب التي بين الحروب» كي تصف نمط العنف هذا، أو «تكتيك قص العشب». عندما لا يكون ريق للتنمية في المفاوضات السياسية أو الخروج إلى حرب حاسمة فإن البديل الوحيد هو إدارة مفاوضات عنيفة.

شموئيل سندلر
٭ بروفيسور رئيس كلية أمونا ـ افراتا وباحث في مركز بيغن السادات في جامعة بار ايلان
إسرائيل اليوم 11/4/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية