نظام السيسي يريد حوارا وطنيا في بلد لا يستشار فيه المواطن حتى بمصير بيته العائم أو القائم قرب شبكة الطرق المعقدة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

تشترك الأنظمة العربية الحالية بشيء واحد وهو دعوتها المستمرة للحوار والاستفتاءات والمصالحة الوطنية، مع أن شروط الحوار والمصالحة ليست جاهزة، نظرا للقمع الذي تمارسه الأنظمة على المعارضين لها، فمن السودان إلى مصر وتونس والجزائر لا تني الأنظمة والصحافية الموالية لها في الحديث عن مبادرات حوار ومصالحة وطنية يعرف الجميع أنها مصممة لتقوية ساعد الأنظمة التي تتحكم بكل شيء ولا تستشير إلا من ترى أنه في صالحها.
ففي الدستور التونسي الجديد الذي أعدته لجنة مختارة من قيس سعيد، في عشرين يوما وفصل على مقاس الرئيس، نظام رئاسي بدون ضوابط أو مساءلة قضائية أو برلمانية، تجاهل النظام عمدا الجماعات السياسية والنقابية في كتابة مسودة ستترك أثرها على النظام الديمقراطي في البلد. وتظل مصر حالة خاصة بين الدول العربية من أن أي دعوة للإصلاح، الحوار أو المصالحة تأتي من فوق، وتكون بمثابة فقاعة إعلامية تهدف لتهدئة الخارج وإشغال الجماعات الموالية للنظام، بحيث يكون لديها شيء تتحدث عنه. ففي العام الماضي مثلا أعلن نظام عبد الفتاح السيسي عن استراتيجية حقوق الإنسان التي لم يتحقق منها شيء، فالقمع السياسي لا يزال حاضرا وسجون النظام مزدحمة بالمعتقلين من كل الألوان السياسية.

حوار شامل بدون تفاصيل

وفي نيسان/إبريل أعلن السيسي عن حوار وطني شامل بدون أن يقدم التفاصيل حول أهداف الحوار وما الداعي له بعد ثمانية أعوام من السيطرة على المشهد السياسي المصري. وفي يوم الأحد قال السيسي إن الحوار سيشمل الجميع باستثناء “فصيل واحد” لم يسمه، أي الإخوان المسلمين الذين انقلب عليهم عام 2013 ولاحقهم وسجن قادتهم. مع أن بعض الفصائل السياسية تزعم أن لها حضور في الساحة المصرية لم تدع إلى الحوار، حسبما قالت “بي بي سي” في تقرير لها عن ماهية الحوار. ونقل التقرير عن جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان قوله “إن الحوار هو أجراء شكلي مثل الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي لم تحقق شيئا على أرض الواقع”. وتتزامن الدعوة للحوار مع مرور الذكرى التاسعة لأحداث 30 حزيران/يونيو التي تولى من خلالها السيسي السلطة. وتنتشر في هذه الأيام لافتات عملاقة على الطرق الرئيسية في القاهرة الكبرى تحمل شعارات مثل “8 سنوات من الإنجازات”. مع أن السنوات هذه شهدت ترويض المعارضة حتى تلك التي شاركت في الاحتجاج ضد نظام الإخوان المسلمين. وغابت الوجوه المعارضة عن الساحة السياسية والإعلامية، وأصبح الموالون للسلطة يمثلون غالبية من يسيطرون على البرلمان ويشغلون المناصب العامة. ويحلو للبعض تبرير غياب المشاركة السياسية للمعارضة بانشغال النظام بالتحديات الأمنية التي لم تنته، وبخاصة في سيناء والمشاكل الاقتصادية التي تفاقمت أكثر بعد الحرب الروسية ضد أوكرانيا.
وتظل دعوة الحوار التي أطلقها السيسي قبل عدة أسابيع غامضة، وبدون تفاصيل، تماما كأي حديث يطلقه الرئيس المصري ويكون وليد اللحظة من انتقاده لطريقة أكل المصريين وحياتهم وزيادة النسل ونقده برامج الطبخ على التلفزيون وتعنيفه المسؤولين في حكومته أمام زملائهم والرأي العام المصري، فالحوار ضروري ومهم لو توفرت فيه النية لطي صفحة الماضي وفتح الباب أمام كل الجماعات للتشاور في قضايا سياسية واقتصادية. ويرى حسن نافعة، استاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة في تصريح لبي بي سي أنه يجب التركيز في الحوار على القضايا السياسية بما في ذلك الحبس الاحتياطي والقضاء والدستور والانتخابات المقبلة وترك الأمور الفنية لاهل الاختصاص. وأن يشمل الحوار كل شيء من التعليم إلى سد النهضة والرعاية الصحية هي محاولة لإفساده، فالسياسة هي الأصل كما يقول.

جهل

وفي ظل الأزمة المعيشية التي نجمت عن أوكرانيا وزيادة كلفة الحياة وغياب المواد الأساسية، فالناس “الغلابة” لا يهمهم الحوار إن كانوا سمعوا به أصلا، فهم يعيشون أزمة يومية طاحنة عنوانها صراع البقاء، وهي نفس المشاعر لدى أبناء الشارع التونسي الذين لا يهمهم دستور سعيد أو إصلاحاته السياسية المستبدة. ويظل الحوار المصري مرتهنا ومرتبطا بالرئيس، فدعوة كهذه تعتبر منحة من السلطة وليست تعبيرا عن تحول في العقلية نحو فتح حرية التعبير والإفراج عن المعتقلين. وأي معنى للحوار ولا يزال النظام يمنع حرية التعبير ويعتقل أي شخص لمجرد منشور على منصات التواصل الاجتماعي والتهمة جاهزة وهي نشر أخبار كاذبة، وأجواء كهذه دفعت الكثير من الناشطين ومنظمات حقوق الإنسان للتعبير عن قلقها من وضع المحتجين ضد قمة مناخية في شرم الشيخ. فقد أوردت صحيفة “الغارديان” (29/6/2022) أن أحد أبرز السجناء السياسيين في مصر لا يزال خلف القضبان، قبل خمسة أشهر من قمة المناخ التي ستعقدها الأمم المتحدة في شرم الشيخ. مشيرة إلى أن علاء عبد الفتاح مضرب عن الطعام ويعيش على مئة سعرة حرارية فقط في اليوم، عادة على شكل حليب بلا دسم أو ملعقة من العسل في الشاي. وفي رسالة أرسلها إلى شقيقته خلال زيارة السجن الأسبوع الماضي، أشار عبد الفتاح إلى مفارقة قمة المناخ COP27 للأمم المتحدة المنعقدة في مصر. قال لها: “من بين جميع البلدان التي كان يمكن ان تستضيف المؤتمر، اختاروا دولة تمنع الاحتجاج وترسل الجميع إلى السجن، وهو ما يخبرني كيف يتعامل العالم مع هذه القضية.. إنهم غير مهتمين بإيجاد حل مشترك للمناخ”. ويرى نشطاء مدنيون وبيئيون أن قضية عبد الفتاح هي اختبار حقيقي لالتزام مصر بالسماح بالاحتجاج في COP27 وأن أصواتهم سيتم تجاهلها في وقت تحتاج فيه الحكومات بشدة إلى الاستماع من المجتمع المدني حول الآثار المتفاقمة لأزمة المناخ. وقالت الكاتبة والناشطة نعومي كلاين، التي كتبت مقدمة لكتاب جمع مقالات لعبد الفتاح نشر العام الماضي، وتم تهريب بعضها من السجن: “قبل عقد من الزمان، هتف العالم عندما احتل جيل جديد من النشطاء المصريين ميدان التحرير وأطاح بطاغية.. لكن سرعان ما عادت وحشية الديكتاتورية مرة أخرى، وتعرض العديد من الشباب الشجعان الذين قادوا تلك الانتفاضة للقتل أو التعذيب أو الاختفاء في زنازين السجون. ومن بينهم الكاتب اللامع والمنظر والملهم لجيله علاء عبد الفتاح”. وقالت كلاين: “من الواضح أن السيسي يرى رئاسة COP27 فرصة لمسح ذاكرتنا، وإعادة تصوير مصر كمكان آمن لقضاء عطلتك أو المؤتمر المقبل”. وأضافت: “يجب ألا تكون حركة المناخ الدولية طرفا في هذا الغسيل الأخضر والتستر. حان الوقت الآن للضغط على كل حكوماتنا لاستخدام نفوذها للمطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين، بدءا بعلاء عبد الفتاح. بدون ذلك، سيكون ضرر مؤتمر COP27 أكثر من نفعه”. وحظي عبد الفتاح وغيره من السجناء باهتمام لكونه بريطانيا، حيث طالبت منظمات حقوقية وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس فتح موضوع اعتقال عبد الفتاح مع وزير الخارجية المصري سامح شكري الذي زار لندن للإعلان عن شراكة بريطانية-مصرية جديدة في الأسبوع الماضي. وطالب 34 نائبا في البرلمان البريطاني شكري في رسالة بالإفراج عن عبد الفتاح ودعوا لوقف سياسة الحرمان من السفر كعقاب للمعارضين للنظام. وهو ما ورد في تقرير لمنظمة هيومان رايتس ركز على منع السفر والذي استخدم ضد الناشطين والمحامين وكرد على الشجب الدولي على عمليات الإعتقال. ولا يمكن للناشطين أو الممنوعين من السفر ممارسة حرية التعبير خشية اعتقالهم من جديد. كما ولا يستطيعون الخروج إلى المنفى ونقد النظام من موقع آمن.

الواقعية السياسية

ولا يحتاج النظام المصري المنشغل بتدمير المعالم التراثية للبلاد ويفتخر جيشه الموكل بإعادة تشكيل صورة البلد على الطريقة التي يريدها السيسي أو مسح ذاكرة الشعب المصري كما علقت كلاين، لحوار، فهو في النهاية سيتحاور مع نفسه. فلا ضغط خارجيا عليه، وأمريكا ليست في وارد طرح أو حتى الحديث عن ملفات حقوق الإنسان والديمقراطية، وهو ما بدا في تحولات الرئيس جوي بايدن الجذرية من المبالغة في تغليب حقوق الإنسان كعنصر في السياسة الخارجية وتهديد دول في المنطقة بأنها ستدفع ثمن انتهاكاتها إلى تبني السياسة الواقعية التي تعني حماية مصالح أمريكا. ومصلحتها الآن لا تكمن في الدفاع عن حقوق الإنسان بل وبناء تحالف دولي ضد روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين وإقناع دول الخليج لزيادة معدلات إنتاج النفط لكي تستقر أسعاره العالمية. وفي مقال بدورية “فورين أفيرز” ناقش الأكاديمي الأمريكي غريغوس غوس الثالث، واستاذ العلاقات الدولية بجامعة تكساس إي أند ام، الواقعية الأمريكية الجديدة في الشرق الاوسط. ورأى أن رحلة بايدن للمنطقة في الأسبوع المقبل تمثل تراجعا كبيرا عما تعهد به. وأن زيارة بايدن إلى الرياض هي خطوة باتجاه النظام والاستقرار في الشرق الأوسط، ففي ظل التعطل لسوق الطاقة الذي تسبب به الغزو الروسي لأوكرانيا، فإن دور الرياض كأكبر مصدر للنفط سيكتسب أهمية خاصة. ومن هنا فإن انتظام سوق النفط يعني قيام السعوديين باستخدام قدراتهم النفطية غير المفعلة للتعويض عن النفط الروسي الذي فقد بسبب العقوبات الدولية. ويعلق غوس أن عدم تأكيد إدارة بايدن على انتهاكات حقوق الإنسان ومحاولة تخفيف التوتر في العلاقات الأمريكية-السعودية مبرر طالما تم تأمين المصالح الأمريكية القوية. وسياسة الإدارة الحالية تقوم على التعامل مع الشرق الأوسط كما هو واعتراف بأن العمل على تحقيق قدر من النظام في شرق أوسط فوضوي يعني التعامل مع حكام أيديهم ملوثة بالدماء ويقودون دولا مستقرة نسبيا ويتمتعون بقدر من التأثير خارج حدودهم. وحكام كهؤلاء يمكن العثور عليهم في مصر وإيران وتركيا وحتى في سوريا وبالتأكيد في السعودية.

حب القائد القوي

وبالعكس فهناك جماعات تسعى اليوم للحديث من خلال لغة الاستطلاعات وإظهار أن العالم العربي لم يعد يثق بالديمقراطية. وفي تقرير لموقع “ميدل إيست آي”(7/7/2022) علق فيه على نتائج دراسة مسحية لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” مع شبكة الباروميتر العربي بجامعة برنستون، حيث شارك في فيها 23.000 شخص من العراق والأردن وليبيا وموريتانيا والمغرب والسودان وتونس وفلسطين، نشرت نتائجها يوم الأربعاء وأن الأداء الاقتصادي في ظل النظام الديمقراطي كان ضعيفا. ووجدت أن معظم المستطلعين وافقوا على سؤال وهو أن “الأنظمة الديمقراطية لم تكن حاسمة وتعاني من مشاكل كثيرة” وأن “البلد بحاجة إلى قائد يمكنه لي القواعد من أجل إنجاز الأمور”. ولم يجب المستطلعون في مصر على أسئلة حول الديمقراطية وفيما إن صلى الناس الفجر في الجامع أم لا وإن كانوا يقرأون القرآن يوميا. ولم يجب المشاركون المصريون على سؤال حول قادتهم المفضلين في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط لأن السلطات لا تسمح بسؤال كهذا. وتثير الدراسة الشكوك من ناحية تجاهلها بعض الدول وتأطيرها للأسئلة من أجل الحصول على أجوبة تناسب هدف الدراسة.

في حب الخرسانة

في الوقت الحالي لا يهم أجري الحوار أم لا، فمصر السيسي منشغلة بإعادة تشكيل الذاكرة عبر مشاريع أدمنت على استخدام الإسمنت، ولم لا فالجيش لديه مصانع إسمنت وصلب، لاستبدال المشاهد التاريخية والتخلص من البيوت العائمة لأنها لم تعد جميلة أو آمنة وغير مرخصة مع أن السلطات هي التي رفضت ترخيصها منذ عامين. وفي تقرير لمجلة “ايكونوميست” (7/7/2022) قالت فيه إن البيوت العائمة الملونة التي ترسو على طول نهر النيل كانت تعتبر جزءا مهما من القاهرة منذ القرن التاسع عشر. وتقول إن المسؤولين غير واضحين بشأن خططهم لضفة النهر. وإذا كان الماضي دليلا، فسيتم استبدال القوارب بمطاعم ومقاهي، وستدفن حدائقها المورقة تحت الخرسانة. وقالت إن السيسي، الرئيس المستبد، مدمن على هذه الأشياء، ووزراؤه يتفاخرون بحوالي 5500 كيلومتر من الطرق الجديدة. وقد نال بعض هذا البناء المحموم ثناء المواطنين. البنية التحتية المتداعية في مصر بحاجة إلى التجديد. كما أن هذا يرضي الحلفاء في الجيش، حيث قضى السيسي معظم حياته المهنية، والذي أصبح المقاول الرئيسي في الأعمال الكبيرة. ولكن تم هدم أحياء عمرها قرون وطرد آلاف الأشخاص. يتلقى الكثير منهم إشعارا قصيرا، ولا تمر إلا بضعة أيام فقط بين العلامات الحمراء التي توضع على أبوابهم وقدوم الجرافات تهدر في شوارعهم. لا مكان للعاطفة أو الحفاظ على التاريخ. قد يتم هدم مقبرة من القرن السابع في شرق القاهرة. ونادرا ما يستشير المسؤولون الجمهور في المشاريع. إذا فعلوا ذلك، فربما أثار أحدهم أسئلة حول الطريق السريع الجديد على الساحل الشمالي. ذلك الطريق الذي أصبح مصيدة موت، ومخارجه ليست منظمة ولكنه يسرع الرحلة إلى المساحات المتزايدة للفيلات التي يمتلكها الأثرياء على طول البحر الأبيض المتوسط. ولا غرو حديث النظام المستمر عن الإنجازات وتأليف الكتب عن المشاريع الضخمة التي قام بها الجيش، عفوا النظام، فأي حوار وطني هذا الذي يدعو إليه السيسي؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية