35 عاما علي الحلم الاماراتي وأسياد الدوحة: خيل واسطرلاب وتاريخ

حجم الخط
0

أنور القاسم

تتغني تلفزيونات الامارات منذ ثلاثة ايام وعلي مدار الساعة بوحي حلم صحراوي صُير رواية من الف ليلة وليال، عبر لوحة من خمسة وثلاثين عاما من الاستقلال غدا بها الحلم السراب واقعا بهيا، وأي واقع. ومن امتع وأجمل ما قدمته شاشات الامارات العربية فيلم بالابيض والاسود صور نشوء وارتقاء الصحراء عرضته محطة ابوظبي حكي رحلة كثبان الرمال الراحلة ابدا في الصحراء العربية، كيف استوطنت في الامارات واحيلت الي جبال تشع منها حرارة الذهب الاسود، فصارت تشرق كوجه مؤسسها زايد شمسا وقمرا. وتحدو بالغناء الشجي مع القبائل الرحل لتقيم بعد وعثاء سفر طويل، يمتد الي ما قبل أربعة آلاف سنة هي تاريخ هذه المنطقة حضاريا.

الامارات التي صورها الفيلم بعناية توثيقية ملفتة ـ تحولت عبر ابو ظبي العاصمة بداية ـ من خيام تعصف بها رياح الصحراء وتعيش حياة البداوة الاولي، حيث السماء هي السقف والصحراء المشاع بساط متنقل بالعرب الرحل الذين يكابدون شظف الحياة، ولا يتواصلون مع العالم الا من خلال الصيادين الذين يمخرون عباب البحر المالح بسخونته يغدون اليه ويجيئون محملين بأمواج التجارة البسيطة مع اسيا وافريقيا، تحولت هذه الدولة خلال خمسة وثلاثين عاما فقط في حساب السنين الي أهم نموذج للصحراء في العالم تتقاطر اليها التجارة من كافة البلدان وتقصدها قوافل السفن التجارية، وتهفو اليها قلوب الشعوب، تسحبها رغبة الاكتشاف والانبهار، وتتهادي في سمائها الطائرات الحديثة كفراشات الليل تحيل غسق الرمال ضوءا.

قصة الحلم الاماراتي الذي اخضوضر عبر خمسة وثلاثين ربيعا، هي عمر دولة السواعد السمراء والذقون المشذبة كقمح حقول الشام، توجت تاريخا من الصراع تراكم مع قدوم الاسكندر المقدوني لحماية امبراطوريته من الفرس والحيلولة دون سيطرتهم علي شواطئ الخليج والوصول الي شبه الجزيرة العربية واحتلالها والسيطرة علي ثرواتها.

ثم توالت بعده صولات اليونان وجولات الرومان للسيطرة علي الخليج وشبه الجزيرة العربية، ولكنها كانت تضيع وتتلاشي دائما بين رمال الصحراء العربية وكثبانها المتحركة، التي لم يدركها ويعايشها، كما يعايش الراعي قطعانه الثاغية الا عرب الامارات والخليج.

وحتي منتصف الخمسينات من هذا القرن يخبرنا الفيلم الوثائقي ان البريطانيين لم يولوا أي اهتمام بالتنمية الاقتصادية للبلاد بعد السيطرة عليها اثر صراع مع البرتغاليين والهولنديين وباقي المستعمرين الاوروبيين، وكان علي عاتق الحكام وعقيدهم زايد ان يشقوا الطريق الوعر نحو ارساء بدايات البنية الاساسية الحديثة لدولة لم تعرف من التوحد الا ما كان الرواة يروونه عن قصص خرافية عن غابر الازمان، ففي بداية عام 1968 أعلن البريطانيون نيتهم انهاء احتلال الامارات بحلول نهاية عام 1971 . وهنا تبدأ ايادي نساجي سعف النخيل المهرة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والمرحوم الشيخ راشد بن سعيد المكتوم في رفي خيوط الخيمة العربية الممزقة، فكان اول اجتماع وحدوي علي طريق تحقيق الامل الحلم، الذي طالما راود شعب المنطقه، والشعوب العربية قاطبة. وتم في هذا الاجتماع الاتفاق علي قيام اتحاد الامارات العربيه المتحده، فانطلقت خيولها العربية الراشدية الاصيلة تكر وتقبل في الارض شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، فيما حلقت صقور وعقبان وشواهين زايد تجوب فضاءات العالم وجباله، وصار الحلم حياة، وانبعثت منه احلام هاجسها الابدي ان تبقي الرؤي مفتوحة علي فضاءات لا يحدها حد، ولا يصدها صد.

سابقة قطرية ما كنا لنتخيل أبهي من هكذا افتتاح لاسياد آسيا، ولم نحلم بطريقة عربية اكثر جمالا واناقة، مما تناقلته محطات التلفزة العالمية وقناة قطر الوطنية وترائبها في الجزيرة العربية و الرياضية، اثناء ايقاد الشعلة الاسيوية، حينما خلب مشهد صعود الفارس محمد بن حمد آل ثاني علي صهوة جواده العربي الاصيل واعتلائه مدرجا حادا من اربعين مترا ـ حبس المشاهدون خلالها انفاسهم ـ بعد ان أرهق الجواد من حدة الصعود في منصة النهاية، ليتوج الفارس وفرسه ايقاد الشعلة في منظر يذّكر بيوميات العرب ووقائعهم ويدفع الصينيين لوصفه بأجمل الهام في الاولمبياد.

ولم يكن ذلك الادهاش الوحيد، في الاسياد، فقد كان مزج الاسطرلاب العربي الدائرـ والذي قلّب نار الشعلة بأحدث التكنولوجيا العلمية ـ وطعّمها بمعالم الثقافات الاسيوية فائقة الثراء ما عكس التمازج الاروع في تاريخ الاسياد الاسيوية.

ومجرد اجتماع خمس واربعين دولة في الدوحة، التي ارتدت حللا بيضاء قشيبة كنوارسها ومهاها، في اكبر حشد اسيوي يتلاقي للمرة الاولي في دولة عربية، هو بحد ذاته سابقة، فكيف اذا كانت في قطر، التي غدت سفارة رياضية للدول العربية والعالم تتلاقي فيها الثقافات والشعوب، وترسل رسائل التسامح والتصالح والمحبة، وتؤسس لتاريخ غير مسبوق في الفروسية والالعاب والمنافسات الاسيوية.

اسرارهم في اصواتهم لطالما شغل المشاهدين والمستمعين سؤال لحوح عن مكنون وسر تأثير مقدمي ومذيعي الراديو والتلفزيون علي المشاهد واستئثارهم او تنفيرهم للمشاهدين، فقد بينت دراسة لـ بي بي سي ان نبرة صوتك تكشف خبايا مزاجك وأن الإنسان يستطيع معرفة إذا ما كان المذيع الاذاعي مثلا يبتسم حين يتكلم أو كان عابس الوجه أو بمزاج سييء. وبينت الدراسة أن الناس يثقون بالصوت الباسم أكثر من الصوت العابس أو الحيادي في التلفزيون. وهذا ما يفسر قربنا او نفورنا مما يعرض علي فضائياتنا، سواء السياسي منها او الفني.

كما هو متوقع فإن لدراسة كهذه أثرا كبيرا علي آلية التوظيف في الاعلام العربي المستهلك ابدا، بحيث غدت الاناث قليلات الشحم كثيرات الغنج، يستأثرن حتي بنشرات الاخبار، وهذا ما يفسر للمتعاملـــــــين مع الشركات كي تتعامل مع زبائنها عبر الهاتف، كشركات التسويق والمصارف وغيرها بقـصد استغلال الصوت لاقصي مداه في التأثير علي الزبائن. خصوصـاً وأن الذين شـملتهم الدراسـة تمكنوا من معرفة مزاج مذيعي الاذاعة والتلفزيون من خلال نبرات اصواتهم حتي لو لم يتغير أداؤهم في القراءة. وليس غريبا ما حصل حينما أبكي مذيع اذاعة دمشق اثناء العدوان الثلاثي علي مصر كل عربي سمعه، حينما أعلن من اذاعتها قائلا هنا القاهرة، ولا حينما وحدت اصوات مذيعي الجزيرة الرأي العام العربي في حربي العراق ولبنان الاخيرة، لذا فان ملكة الصوت قد يكون لها في قوادم الايام شأو طاغ. استحمار غنائي ان نستمع لاغنية تشيد بمناقب الحصان، او بعطاء البقرة، او بصلابة الجاموسة، او بوداعة القطة، فهذا امر درجنا عليه، وله مسبباته، أما ان نستمع للمطرب سعد الصغير، وهو يتغني بحسنات الحمار، ويصوره بشكل متكلف في فيديو كليب تعرضه معظم المحطات الغنائية، فهذا لعمري فيه شيء من الحمورية!

ومع احترامنا للحمار وما يمثله من شرائح عريضة في مجتمعاتنا العربية، وحيث انه الرمز الوطني للحزب الديمقراطي الامريكي، كناية عن تحمله لاثقال ومخلفات السياسة المنضبة وغير المنضبة، فان هذا الاحتفاء المبالغ فيه يسيء للحمار ولا ينصفه باعتبار ان الدعاية الفاشلة تضر بالمنتج المعلن عنه. وكان يكفي ان نُقلب الكثير من أقنية الاغاني الحالية لندرك كم يكرم هذا المخلوق عبر استعارة صوته في الكثير الكثير مما يغني ويؤدي بمناسبة وغير مناسبة.

كاتب من أسرة “القدس العربي” [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية