الجزائر ـ “القدس العربي” ـ من مولود مرشدي:
رغم مرور 45 سنة علي استقلال الجزائر، ما يزال الجزائريون يتحدثون عن المجاهدين المزيفين، اي مقاتلي حرب الاستقلال الذين انتحلوا صفة مجاهدين وأصبحوا يتمتعون بمزايا هذه الفئة من الذين شاركوا في حرب الاستقلال بين سنتي 1954 و1962. وتهدأ هذه الزوبعة لبعض الوقت ولكنها لا تفتأ أن تنفجر ثانية لتشغل الرأي العام وخاصة ما يعرف بـ الأسرة الثورية التي تضم المجاهدين وأبناءهم وأبناء شهداء الثورة.
اخر فصول هذا المسلسل ورد علي لسان العقيد احمد بن الشريف القائد السابق للدرك وعضو مجلس الثورة في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين (1965 ـ 1978) الذي طالب بكشف المستور وعدم مواصلة التكتم علي المندسين الذين يعبثون بمكاسب الثورة وتشويه أبنائها الحقيقيين.
وطالب بن الشريف في بيان وقعه رفقة عقيد الثورة موسي عبدي باسم الهيئة الوطنية لتحرير الأسرة الثورية بـ تطهير هذه الأسرة من الفيروسات الهادفة الي اغتيال ذاكرتنا.
وقال البيان ان الهيئة (لم تحصل علي الاعتماد الرسمي) هدفها الرئيسي جمع الشهادات حول المزيفين المندسين في صفوف الأسرة الثورية والعمل علي تخليصها منهم.
وكان احد موظفي الدولة، وهو القاضي ملوك، أول من فجّر قنبلة المجاهدين المزيفين سنة 1992 عندما تحدث عن وجود قضاة ومجاهدين مزيفين انتحلوا هذه الصفة مستغلين معارفهم وتوغلهم في السلطة رغم ان الكثير منهم تعاملوا مع فرنسا الاستعمارية وعملوا في صفوف جيشها وإدارتها. وبعد القاضي ملوك جاء المجاهد مصطفي بوقبة رئيس فرع منظمة المجاهدين بولاية تيبازة (غرب) الذي يصمت حينا ويجهر أحيانا أخري بوجود هؤلاء المجاهدين ويقول انهم يتولون مسؤوليات عليا في السلطة بل في منظمة المجاهدين ذاتها.
ورغم تكرار الحديث عن وجود مجاهدين مزيفين او مجاهدي 19 اذار (مارس) 1962 نسبة إلي الذين التحقوا بالثورة في يوم وقف القتال، الا ان الامين العام لمنظمة المجاهدين سعيد عبادو نفي وجود هؤلاء وأكد مؤخرا ان القول بوجود هؤلاء المزيفين مجرد اتهامات لا تستند الي أي دليل. وقال ان منظمته لم تتلق أي ملف في هذا الشأن.
ولكن بوقبة عاد واكد ان الأمر موثق لديه وانه مستعد لكشف أسماء المزيفين في جلسة علنية وبحضور الصحافة.
وتحصي العديد من الجهات التي تؤكد هذه الاتهامات اكثر من عشرة آلاف مجاهد مزيف تمكنوا من الاندساس في صفوف الأسرة الثورية علي حساب المجاهدين الحقيقيين وخلايا الدعم السرية المعروفة بـ المسبلين الذين ما زالوا الي حد الآن يبحثون عن اعتراف رسمي بمشاركتهم في الثورة المسلحة.
ومنذ الاستقلال استفاد المجاهدون الجزائريون (المعروفون) من كثير من المزايا والتسهيلات المادية التي تسيل لعاب بقية افراد وفئات المجتمع. وتتمتع المنظمة الوطنية للمجاهدين بنفوذ سياسي ومعنوي قوي جعلها تشارك في اتخاذ القرارات الكبري بالبلاد ومنها اختيار وتنحية الرؤساء. كما استفاد ابناء شهداء وضحايا الثورة من نفس المزايا، مما جعل الطمع يتسرب الي نفوس غير المستفيدين فوقعت مضاربات وتزوير في شهادات ووثائق الانتساب الي الثورة فأفرزت المجاهدين الحقيقيين و المجاهدين المزيفين وافرزت فئة اسمها الأسرة الثورية.
وفي التسعينات انشأ ابناء بعض المجاهدين هيئة اسموها المنظمة الوطنية لابناء المجاهدين بغرض الحفاظ علي ارث الآباء. كما توجد اكثر من جهة تقول انها تمثل ابناء وعائلات الشهداء.
وكان وزير المجاهدين محمد الشريف عباس تحدث قبل أسابيع عن وجود ما بين ثمانية وعشرة آلاف مجاهد مزيف، وهو ما حرك الجدل ودفع بالعقيد بن الشريف الي المطالبة بكشف ملفات هؤلاء ومحاكمة الذين زيفوا وثائق انتسابهم للثورة.
ويحلو للجزائريين الذين يشككون في صفة شخص لم يشارك في الثورة وصفه بـ مجاهد 19 مارس في إشارة الي انه انتحل الصفة يوم وقف القتال في التاريخ المذكور، بينما يفضل آخرون نعت المزيفين بـ أبناء فرنسا في إشارة الي أعوان الإدارة الفرنسية من الجزائريين الذين تولوا شؤون البلاد بعد خروج الاستعمار بحكم تحكمهم في اللغة الفرنسية.
وقال بن الشـــــريف ان عدد المجاهدين الذين حملوا السلاح خلال الثورة كان 70 ألفا بينما تفيد إحصائيات وزارة المجـــــاهدين ان عددهم يتجاوز اليوم 100 الف، وتساءل عن لغز وجود اكثــــر من 30 الف مجاهد اضافي.