أنطاكيا – «القدس العربي» : في تعبير واضح عن مدى التدهور الاقتصادي في سوريا، كشفت مصادر اقتصادية موالية للنظام السوري عن أن 70 في المئة من السوريين يعيشون على الحوالات، مقدرة حجم المبالغ التي تصل سوريا من المغتربين يومياً بـ5 ملايين دولار.
والشيء نفسه يوجد بالقرب من سوريا في لبنان، ففي حين كانت التحويلات المالية سابقاً مصدر رفاهية اللبنانيين حيث مولت استهلاكهم الداخلي، مع بلوغ الأزمة الاقتصادية ذروتها منذ منتصف 2019، شكلت تلك الأموال نوعاً من الحصانة لعشرات آلاف الأسر التي انقلبت حياتها رأساً على عقب مع تضخم الأسعار، وشح المواد الأساسية من محروقات ودواء وغذاء، بعد أن أضحى أكثر من نصف سكان لبنان فقراء، من بينهم 25% دون خط الفقر المدقع، وفقا لتقديرات البنك الدولي، الذي صنف الأزمة اللبنانية ضمن أسوأ 3 أزمات عرفها العالم.
وذكرت وكالة «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن باحث اقتصادي عمار يوسف موال للنظام السوري، تأكيده أن «نسبة السوريين الذين يعتاشون من الحوالات الخارجية وصلت إلى 70 في المئة».
وأضاف يوسف أن «هذه الحوالات ليست بمبالغ ضخمة إذ أن متوسط قيمة الحوالة الواحدة لا يتجاوز 200 يورو بالحد الأقصى، وغالبية الحوالات تصل بطرق غير نظامية عن طريق المعارف» مرجعاً ذلك «إلى أن الفرق بين سعر صرف الدولار الحكومي وسعره بالسوق السوداء يصل إلى حوالي 20 في المئة، وهذه النسبة يعتبرها المواطن أنها من حقه».
واعتبر أن تدني الحد الأدنى للرواتب الذي لا يتجاوز 70 ألف ليرة ( نحو 20 دولار أمريكي )يعد سبباً أساسياً لاحتياج المواطن السوري إلى هذه المساعدات الخارجية.
ووفق المراقب الاقتصادي، والمفتش المالي المنشق عن النظام، منذر محمد، تعتمد الحياة الاقتصادية في مناطق سيطرة النظام على الحوالات الخارجية، بشكل كبير، بحيث يستحيل على السوريين تدبر معيشتهم دون مساعدة أقاربهم، وسط الغلاء الجنوني الذي يسود الأسواق.
ويضيف محمد لـ«القدس العربي» أن تقديرات اقتصادية تقدر تكاليف معيشة أسرة مكونة من خمسة أشخاص، بمليون ليرة سورية شهرياً، في حين أن معدل الرواتب الحكومية والخاصة لا يتجاوز الـ»80» ألف ليرة. ويعني ذلك، وفق المراقب الاقتصادي أن الحياة الاقتصادية في سوريا مرهونة بتدفق الحوالات الخارجية من المغتربين، الذي أكد أن «النظام يعتاش كذلك على الحوالات الخارجية، من خلال سرقة نسبة منها، عبر لعبة سعر الدولار الرسمي».
وكان النظام السوري قد حصر حركة الصرافة في السوق السوري بالبنك المركزي، مجرماً كل من يتعامل بالدولار أو ينشر عن سعره عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بالسجن والغرامات المالية الباهظة. وعمد بعد ذلك إلى إغلاق عدد من شركات الصرافة، ومن ثم سمح لها بمزاولة عملها مقابل دفع مبالغ مالية متفق عليها شهرياً، لخزينة الدولة.
وحسب الباحثة الاقتصادية رشا سيروب، فإن الحوالات الخارجية الواردة بالقطع الأجنبي تمثل «طوق النجاة» لتعزيز القطع الأجنبي محلياً، وتمكين الحكومة من اتخاذ قرارات تدعم النشاط الاقتصادي، وخاصة لجهة تمويل المستوردات.
ودعت سيروب، في وقت سابق، النظام السوري إلى الاهتمام أكثر بالحوالات الخارجية، لأنها تسهم في تحسين دخول الكثير من العائلات السورية وترفع معدلات الاستهلاك والطلب على السلع والمواد في السوق.
وقبل أسابيع، أظهرت دراسة صادرة عن «مركز السياسات وبحوث العمليات» أن عدداً كبيراً من العائلات في دمشق تعتمد على حوالات الأصدقاء والأقارب خارج سوريا كأحد المصادر الرئيسية للدخل، موصية الدول المُستضيفة للسوريين بتخفيف القيود على الحوالات المالية الفردية، خاصة بالنسبة للمبالغ الصغيرة والتي تعتبر مصدراً لدَخل الكثير من العائلات في البلاد.
وفي تعليقه، قال الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي، في حديث خاص لـ«القدس العربي» إن النظام السوري يعتمد بشكل كبير على الحوالات التي تقدر يومياً بعشرات الملايين من الدولارات. وأضاف قضيماتي، أن الحالة الاقتصادية عند النظام لا تسمح بزيادة الرواتب للموظفين، وبذلك تشكل الحوالات الملاذ الوحيد للسوريين في سبيل تأمين أدنى متطلبات المعيشة.
وحسب الباحث، فإن الأرقام الاقتصادية تقدر المبالغ السنوية التي تصل سوريا من المغتربين بمليارات الدولارات، وهو رقم يعادل أرقام اقتصاديات بعض الدول، ما يعني أن اقتصاد النظام السوري في الوقت الحالي يقوم على الحوالات.