79 قتيلا و 2200 جريح سقطوا خلال قمع الاحتجاجات كيف تتعامل قوات الانقلاب مع المتظاهرين السلميين في السودان؟

ميعاد مبارك
حجم الخط
1

الخرطرم ـ «القدس العربي»: «لكل شخص الحق في التجمع السلمي وحرية التنظيم مع آخرين» تقول المادة رقم (58-1) من وثيقة الحقوق والحريات المضمنة في الوثيقة الدستورية للحكم الانتقالي في السودان، التي نصت أيضا على حق الحياة والكرامة وحرية التعبير.

ووقع العسكريون والمدنيون في 17 آب/اغسطس 2019 على الوثيقة الدستورية، باعتبارها الدستور الحاكم للبلاد خلال الفترة الانتقالية المحددة بـ39 شهرا، أضيف لها عام آخر بعد توقيع اتفاق السلام في 15 تشرين الأول/اكتوبر 2020.
إلا أن قائد الجيش نفذ في الخامس والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر الأول الماضي، انقلابا عسكريا، أطاح عبره بالشراكة بين المدنيين والعسكريين.
ووضع رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك في الإقامة الجبرية، بينما اعتقل عددا من أعضاء مجلس السيادة والوزراء المدنيين والناشطين السياسيين، قبل أن يفرج عن بعضهم لاحقا.
وفي الأثناء، اندلعت احتجاجات واسعة في جميع أنحاء السودان طالبت بإسقاط الانقلاب العسكري وتسليم السلطة للمدنيين.
ورغم تأكيد قائد الجيش الالتزام بالوثيقة الدستورية، قتل 79 شخصا بينهم 8 أطفال وامرأة وشيخ سبعيني، خلال قمع الأجهزة الأمنية للتظاهرات منذ بداية الانقلاب.
وحسب إحصاءات لجنة أطباء السودان المركزية، قتل 73 متظاهرا برصاص مباشر في الرأس والعنق والصدر فضلا عن البطن والحوض والفخذ، وقتل 3 آخرين نتيجة الإصابة المباشرة بعبوات الغاز المسيل للدموع في الرأس والعنق والصدر، و2 بالضرب المبرح على الرأس، بالإضافة لقتيل نتيجة إصابة في الصدر لم يتم تحديد طبيعتها بعد.
بينما أصيب اكثر من 2200 شخص خلال التظاهرات بينهم 25 فقدوا أحد الأطراف أو الأعضاء الحيوية و7 حالات إصابة بالشلل وحالتي اغتصاب بالإضافة إلى حالة واحدة أصيبت بتدني في الوعي، وفق تقارير منظمة «حاضرين» لعلاج مصابي الثورة السودانية.
ورغم توقيع السودان على اتفاقية مناهضة التعذيب والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، يعاني عشرات المواطنين والناشطين السياسيين وأعضاء لجان المقاومة، من الاعتقال والاختفاء القسري، بسبب مشاركتهم في التظاهرات أو خلال إجراءات السلطات للحد من التظاهرات، التي تشمل أحيانا الاعتقال العشوائي والحبس غير المشروع.
ويستخدم العسكريون، حالة الطوارئ، التي أعلنها قائد الانقلاب، كغطاء لقمع التظاهرات والاستخدام المفرط للقوة وسلطات الاعتقال، إلا أن الخبراء القانونيين أكدوا أن قائد الجيش لا يملك حق إعلان حالة الطوارئ وفق الوثيقة الدستورية السودانية.
وفي السياق، أكد عضو الهيئة القانونية للدفاع عن المتأثرين بالقتل الجزافي والاحتجاز غير المشروع، الصادق علي حسن لـ«القدس العربي» عدم وجود أساس دستوري لإعلان قائد الجيش حالة الطوارئ في البلاد.
وأضاف: الوثيقة الدستورية سارية المفعول حددت إعلان حالة الطوارئ بحدوث كوارث بيئية أو طبيعية أو اقتصادية، ليس من بينها مبررات قائد الجيش المتعلقة بحل المؤسسات الدستورية أو الانقلاب على الحكومة الشرعية.
وأوضح حسن أن إعلان الطوارئ لا يتم إلا بتوصية من مجلس الوزراء لمجلس السيادة وموافقة ثلثي المجلس التشريعي وليس بقرار يصدره القائد العام للقوات المسلحة مثلما فعل البرهان.
من جانبه، أكد الخبير الحقوقي المعز حضرة، لـ«القدس العربي» أن إعلان حالة الطوارئ في البلاد، لا يبيح قتل المتظاهرين السلميين، مؤكدا أن ما يحدث في السودان انتهاك وتدهور واضح لحقوق الإنسان.
ولفت حضرة إلى أن الحق في التظاهر السلمي مكفول وفق الوثيقة الدستورية السودانية، وكل المواثيق والاتفاقيات الدولية التي وقع وصادق عليها السودان.
وأكد أن الطريقة التي تواجه بها الأجهزة الأمنية المتظاهرين تعتبر انتهاكات وجرائم ضد الإنسانية، لافتا إلى أن القانون السوداني واضح في الصدد ويمنع استخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق التظاهرات إلا بحضور وكيل نيابة ووفقا لأوامره وتعليماته.
وأشار حضرة إلى تعيين مجلس حقوق الإنسان مندوبا لمراقبة حالة حقوق الإنسان في السودان عقب الانقلاب وأن السلطات رفضت منحه إذن الدخول البلاد.

تدهور حال حقوق الإنسان

وكان من المقرر أن يزور خبير الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في السودان آداما دينغ الخرطوم الشهر الماضي، إلا أن السلطات السودانية، طالبته بتأجيل الزيارة.
وقال دينغ، في تعميم صحافي وقتها: أتابع بقلق عميق تدهور حالة حقوق الإنسان في السودان منذ تعييني في تشرين الأول/نوفمبر الماضي.
ودعت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية مولي فيي السلطات في السودان بالسماح لخبير حقوق الإنسان بالقيام بمهامه، في وقت اعتبر وزير حقوق الإنسان في المملكة المتحدة لورد أحمد تأجيل زيارة الخبير الأممي أمر مثير للقلق في ظل التدهور السريع لأوضاع حقوق الإنسان في السودان.
واعتبرت، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت استيلاء العسكريين على السلطة، خيانة للثورة السودانية الشجاعة والملهمة مؤكدة أنه يتعارض مع كل قوانين حقوق الإنسان الدولية، والوثيقة الدستورية والوثائق التأسيسية الأخرى للمرحلة الانتقالية.
ووصفت خلال مخاطبتها مجلس حقوق الإنسان في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، استيلاء العسكريين على السلطة في السودان بالأمر المقلق للغاية، مشيرة إلى رصد مكتب الأمم المتحدة المشترك لحقوق الإنسان في السودان عدة حالات للاستخدام المفرط للقوة، بما في ذلك استخدام الذخيرة الحية، في مواجهة الاحتجاجات الضخمة في الشوارع منذ بداية الانقلاب العسكري.
وأكدت باشيليت على ضرورة إنهاء الاستخدام غير المتناسب للقوة والمميت، من قبل القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع، وقوات الأمن الأخرى، بما في ذلك عناصر الشرطة العسكرية والاستخبارات على الفور ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان بشكل كامل عن أفعالهم.

الطوارئ ذريعة لقمع التظاهرات

ويشدد الناشط الحقوقي عبد الباسط الحاج الذي تحدث لـ«القدس العربي» على أن التدهور الذي حدث في أوضاع حقوق الإنسان منذ انقلاب قائد الجيش، يستدعي تدخل المؤسسات الدولية المعنية.
وأشار إلى أن استيلاء الجيش على السلطة ادى إلى تعقيد أوضاع حقوق الإنسان في السودان وزيادة حالات القتل خارج القانون والاعتقالات التعسفية والقمع المفرط للتظاهرات السلمية والتي تعتبر انتهاكا لحق التجمع وحرية التعبير.
ويرى الحاج أن العسكريين غير مستعدين لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في البلاد والالتزام بمعايير حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن قائد الجيش يستخدم حالة الطوارئ كدرع واق للانقلاب وذريعة لقمع التظاهرات.
وشدد الحاج على أن المواثيق الدولية أكدت أن حالة الطوارئ يجب أن لا تنتهك حقوق الإنسان الأساسية مثل الحق في الحياة وحرية التعبير السلمي والصحافة الحرة وغيرها.
وبين أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يمنع منعاً باتاً استخدام القوة والسلاح الناري ضد المتظاهرين مهما كان حجم التظاهرات، إلا إذا كان يخدم غرضاً مشروعاً.
وأشار إلى المادة الثالثة من مدونة قواعد السلوك للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون والمعتمدة لدى الأمم المتحدة التي تقول: «لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم».
وأوضح الحاج أن المبادئ العامة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وضعت ضوابط معيارية يجب الإلتزام بها في حالة تعامل قوات الشرطة مع المتظاهرين، وحددتها بوجود خطر وشيك الوقوع يهدد حياة الناس.
وبين أن استخدام القوة في مواجهة التظاهرات، في الحالات العادية محظور دولياً لقوات الشرطة بما يشمل، عدم استخدام الرصاص الحي والمطاطي والقنابل الصوتية ضد المتظاهرين، لافتا إلى أنها تستخدم جميعها في مواجهة التظاهرات السلمية في السودان.
«التعامل مع التظاهرات يجب أن يتم وفق القانون وتحت إشراف النيابة العامة التي لها سلطة إصدار الأوامر للشرطة في حال تجاوز المظاهرات حدود سلميتها وتعديها على حياة الاخرين أو الأملاك العامة والخاصة» يقول الحاج مؤكدا أن ذلك لا يتم إلا وفق تقديرات قانونية مضبوطة لا تصل لحالة استخدام العنف المميت أو القوة التي تسبب الأذى الجسيم.
وبين أن تعامل الأجهزة الأمنية مع التظاهرات طوال فترة ما بعد الانقلاب كانت خارج نصوص وضوابط القانون السوداني وأن حالات القتل التي تمت خلالها ترتقي لدرجة القتل العمد، مشيرا إلى وضوح تعمد الأجهزة الأمنية تسبب الأذى الجسيم للمتظاهرين من الذين تبينه أماكن الضرب وإطلاق النار.

إعادة إنتاج النظام السابق

يشار إلى أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، أعاد لجهاز الأمن والمخابرات السوداني، في كانون الأول/ديسمبر الماضي، سلطات الاعتقال والتفتيش والتحقيق، التي كانت قد ألغتها الوثيقة الدستورية للحكم الانتقالي وحددتها بجمع وتحليل البيانات.
وحسب القرار الذي أصدره البرهان، منح جهاز الأمن سلطة اعتقال الأشخاص، التفتيش، الرقابة على الممتلكات والمنشآت وحظر أو تنظيم حركة الأشخاص.
وقالت تقارير إعلامية، أن قرار قائد الجيش، يشمل عدم اتخاذ أي إجراءات في مواجهة أفراد القوات النظامية التي تتولى تنفيذ قانون الطوارئ وحماية السلامة العامة للعام 1997م.
وتمنح المادة رقم (5) في قانون الطوارئ السوداني السلطة المختصة، سلطات دخول المباني وتفتيشها وتفتيش الأشخاص وفرض الرقابة على أي ممتلكات أو منشآت فضلا عن سلطات النزع والاستيلاء وفق حاجة الطوارئ على الأرض والعقار أو المحال والسلع والأموال.
وأيضا تشمل سلطات، حظر أو تنظيم حركة الأشخاص أو نشاطهم أو حركة الأشياء أو وسائل النقل والاتصالات في أي منطقة أو زمان، بالإضافة إلى صلاحيات تنظيم إنتاج السلع أو أداء الخدمات أو نقل السلع وتخزينها وتحديد الأسعار ونظم التعامل. ويمنح القانون المعنيين سلطة اعتقال الأشخاص الذين يشتبه بهم في جرائم تتصل بإعلان حالة الطوارئ بالإضافة إلى سلطة تكليف الأشخاص بأي خدمة تقتضيها حاجات الطوارئ، وأي صلاحيات أخرى يراها الرئيس ضرورية.
ورغم أن قانون الطوارئ لا يجيز انتهاك الحق في الحياة، إلا أنه حسب الحاج قانون منتهك لحقوق الإنسان الأساسية، ويتضمن نصوصا كارثية يجب أن تلغى كلياً، مشيرا إلى أنه من صنيعة النظام السابق الذي استخدمه لقمع معارضيه والتحركات المناهضة له.
وشدد على أنه لا يتوافق مع مطلوبات الانتقال الديمقراطي والحكم المدني التي دعت لها الثورة السودانية التي أسقطت نظام البشير في العام 2019 بعد قرابة 30 عاما من الحكم الشمولي.
ولفت إلى أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، يسعى لإعادة إنتاج النظام السابق، بكل أساليبه القمعية وانتهاكه لحقوق الإنسان والحريات الأساسية بما فيها حق الحياة والتظاهر السلمي وحرية التعبير والاتصال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية