الخرطوم ـ «القدس العربي»: أكد المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين في دارفور، آدم رجال، لـ«القدس العربي» سقوط حوالى 90 قتيل، وعشرات الجرحى في دارفور خلال الأسبوعين الماضيين، فيما اتهم حاكم الإقليم، مني أركو مناوي، جهات لم يسمها، بـ«العمل على عدم استقرار الإقليم». وحسب رجال، فإن آخر الضحايا سقطوا، مساء الإثنين، بالقرب من معسكر «زمزم» القريب من مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، حيث قتل خمسة أشخاص وجرح آخرون، بعد اعتداء مجموعة مسلحة عليهم.
وقلل المصدر من «قيمة الإجراءات التي تقوم بها الحكومة» مشددا على أن مواطني الإقليم «لا يؤمنون بوجود حكومة في السودان في ظل انتشار الميليشيات والمجموعات المسلحة».
وإضافة إلى الفاشر أصيب ستة غرب محلية طويلة في ولاية شمال دارفور في نزاع مسلح، كما يواصل المئات اعتصامهم لليوم السابع في منطقة منواشي في ولاية جنوب دارفور بعد قتل 4 مزارعين بإطلاق الرصاص المباشر على الرأس.
ويطالب المعتصمون، حسب رجال بـ«الأمن وبنزع السلاح من الميليشيات والقبض على الجناة وتقديمهم للعدالة».
وحسب تقرير للجنة أطباء السودان المركزية، صدر الإثنين، فقد قتل 48 شخصا بالرصاص الحي، بالإضافة إلى عدد كبير من الإصابات بعضها حرج في الصراع القبلي في محلية كرينك في ولاية غرب دارفور، في وقت أكدت فيه حكومة شمال دارفور، تسلمها اثنتي عشرة جثة خلال أسبوعين، بسبب التفلتات الأمنية.
المجلس السيادي أبدى أسفه للأحداث التي تحدث في دارفور ومناطق أخرى في البلاد. ووجه بـ«فرض مزيد من الضوابط والسيطرة على الأوضاع في تلك المناطق فرضا لهيبة الدولة وسيادة حكم القانون والحد من تدفق السلاح من دول الجوار المأزومة ووقف أنشطة التجارة غير المشروعة».
انتشار السلاح
وقال الأمين العام لحكومة ولاية شمال دارفور، حافظ بخيت، إن «شرطة محلية الفاشر تسلمت اثنتي عشرة جثة خلال أسبوعين» مشيرا إلى «تجدد التفلتات الأمنية في مدينة الفاشر، والتي نتج عنها عدد من حوادث القتل والأذى والنهب».
وعزا حسب ما نقلت عنه وكالة السودان للأنباء، عودة التفلتات الأمنية إلى «وجود السلاح في أيدي المواطنين، بجانب عدم تنفيذ الترتيبات الأمنية التي نصت عليها اتفاقية جوبا للسلام» مؤكدا عزم الحكومة على «المحافظة على الأمن والاستقرار في الولاية»
وفي السياق أكد رئيس لجنة أمن محلية الفاشر، محمداي عبد الله، أن اللجنة ظلت تتابع الوضع وتتخذ إجراءاتها وترفع التوصيات بصورة دورية لحكومة الولاية، معلناً أن الأيام المقبلة ستشهد تنفيذ عدد من القرارات التي من شأنها المساهمة في تحقيق الاستتباب الأمني.
ودعا الحكومة الانتقالية إلى الإسراع في تنفيذ الترتيبات الأمنية وتسليم قوات حماية المدنيين مهامها فوراً حتى تتكامل وتتضافر الجهود لحسم التفلتات الأمنية للوصول إلى الاستقرار الأمني المنشود.
«الاعتداء الآثم»
هذه الأحداث دفعت حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، إلى التصويب على «جهات لا تريد لإقليم دارفور أن يستقر وينهض لتضارب ذلك مع مصالحهم» حسب قوله.
وطالب مواطني الاقليم بـ«تفويت الفرصة على أعداء السلام والاستقرار الذين لا يعيشون إلا في الأجواء المكفهرة والدامية».
وأكد «سقوط قتلى وجرحى في معسكر زمزم القريب من مدينة الفاشر، بعد تعرضهم لإطلاق وابل من الرصاص» من جهة لم يسمها، ووصف ما حدث بـ«الاعتداء الآثم على المواطنين الأبرياء».
وأكد «إجراء عدد من الاتصالات الهاتفية مع عدد من المسؤولين من بينهم قيادة الفرقة السادسة مشاة، وقوات الدعم السريع للتدخل والتصدي لأي محاولة هجوم على المواطنين وضرورة الرد عليها بشكل حاسم».
السلطات تتعهد بفرض «هيبة الدولة» ومحلل يعتبر إجراءاتها «ضعيفة»
وأضاف: «اتصلت بوالي ولاية شمال دارفور والقادة الأمنيين لمنع وقوع أي ردة فعل تجاه المواطنين الأبرياء العزل في معسكر زمزم أو أي منطقة من المناطق داخل الولاية» مؤكدا أنه «وجد التجاوب الكامل من قبلهم، والتحرك الفوري». وأكد أن «حكومة الإقليم تدين كل ما يحدث في دارفور من أحداث عنف» مطالبا المواطنين بـ«التحلي بالصبر والحكمة وضبط النفس حتى لا تتفاقم القضية ويسقط العشرات من القتلى والجرحى» على حد قوله.
ورغم أن الحكومة السودانية وقعت اتفاق سلام مع عدد من التنظيمات والحركات المسلحة في أكتوبر/ تشرين الأول 2020 انهت بموجبه حربا دامت لقرابة العشرين عاما في اقليم دارفور، وحدد اتفاق السلام، 39 شهرا لتنفيذ بند الترتيبات الأمنية في الاتفاق الخاص بعمليات دمج وتسريح قوات الحركات المسلحة في الجيش السوداني، تبدأ من تاريخ توقيع اتفاق السلام، إلا أن بند الترتيبات الأمنية يراوح مكانه في ظل خلافات بين الحركات والجيش بخصوص الجوانب الفنية والمالية لتنفيذ الاتفاق.
أسباب النزاع
ويعد الانتشار الكثيف للسلاح ووجود مجموعات مسلحة متعددة في دارفور في ظل عدم فعالية الإجراءات الحكومية، من الأسباب الرئيسية لتجدد النزاع في دارفور، حسب الصحافي والمحلل السياسي حافظ كبير.
وأشار كبير لـ«القدس العربي»: إلى «تأخر تنفيذ بند الترتيبات الأمنية في اتفاق السلام والانتشار الكثيف للسلاح، بالإضافة إلى وجود قوات مختلفة للحركات المسلحة والميليشيات الأخرى غير النظامية، فضلا عن تسليح وتسييس القبائل التي تخول لنفسها القيام بمهام الدولة خاصة عند محاولتها الثأر أو استرداد ممتلكات منهوبة». كما لفت إلى «انشغال قادة الحكومة بمن فيهم قادة دارفور بالصراع في المركز عن ما يحدث هناك» معتبرا ذلك «مؤشرا خطيرا لاستمرار العنف في ظل التعقيدات الراهنة في البلاد».
ورأى أن «الوضع في الإقليم لم يتغير بشكل إيجابي بعد توقيع اتفاق السلام لجهة زيادة السلاح، ومن يحملونه في الإقليم بعد توقيعه، فبالإضافة إلى الميليشيات والقوات الموجودة هناك، دخلت قوات الحركات المسلحة إلى المدن، وقامت بتجنيد عدد كبير من النازحين في المعسكرات فضلا عن المسلحين غير المنظمين في القبائل، بينما لم يتم تنفيذ اتفاق الترتيبات الأمنية الذي بموجبه سيتم دمج وتسريح هذه القوات».
وزاد: «الحركات تتحدث عن جيوش قوامها أكثر من 20 ألفا لكل منها، وهذا عدد ضخم جدا، ويجعل تنفيذ بند الترتيبات الأمنية في مواجهة تحديات مالية وفنية صعبة للغاية، في وقت لم يتم تحديد عدد قوات الحركات في الاتفاق والذي زاد من وتيرة التجنيد داخلها».
وأوضح أن «اتفاق السلام لم يحدد عدد قوات الحركات، وفي ظل تعطل بند الترتيبات الأمنية لم يتم الشروع في جمع تلك القوات في نقاط تجميع بعيدة عن المدن، ولم تبدأ خطوات عملية لحصرها وتجريدها من السلاح».
اتفاق «فوقي»
وتبعا له فإن «تلك القوات الآن تتحرك في الشوارع والأسواق، وتملك السلطة والسلاح معا، وتتدخل في الصراعات والنزاعات القبلية» موضحا أن «ما يحدث ليس عراكا عاديا بل يشبه معركة بين حركات نظامية وغير نظامية».
وأشار إلى أن «البنود التي تم تنفيذها في اتفاق السلام أغلبها يتعلق باقتسام السلطة وتولي قادة الحركات لمناصب دستورية في الحكومة» معتبرا اتفاق السلام «اتفاقا فوقيا وعاجزا عن النزول على الأرض، وملامسة قضايا المواطنين».
وبيّن أن ملف العدالة الانتقالية «لم يحدث فيه أي جديد، خاصة وأن الإقليم خرج من حرب طويلة، وذاكرة القبائل هناك إن كانوا مزارعين أو رعاة، تختزن الكثير من الضغائن ومرارات القتل والنهب والتشريد» مشددا على أن هذه المرحلة «لا يمكن تخطيها إلا بقيام محاكمات عادلة».
وتوقع أن «تزيد السيولة الأمنية، وتنفجر الأوضاع في دارفور، بسبب تقاطع المصالح وصعوبة التحكم بالفاعلين هناك، الذين ارتبطت مصالحهم لسنين طويلة بتجارة الحرب، فضلا عن الحدود المفتوحة وهشاشة الأوضاع الأمنية والصراعات والنهب العابر للحدود، خاصة على الحدود مع دولة تشاد».
ولفت إلى «ضعف الاجراءات التي تقوم بها الحكومة بخصوص دارفور» مشيرا إلى أنها قد «تفاقم الأزمة».