الأخلاق ودورها في الربيع العربي

حجم الخط
0

(كان أحسن الأزمنة وكان أيضا أسوأها. كان عصر الحكمة وعصر الجهالة. عصر اليقين وعصر الإيمان وعصر الحيرة والشكوك. كان أوان النور وأوان الظلام. كان ربيع الرجاء وزمهرير القنوط. كان كل شيء بين أيدينا ولم يكن في أيدينا أي شيء) تشالز ديكنز ‘قصة مدينتين’.
كان الفيلسوف سبينوزا يقول: ‘لا يتعلق الأمر بأن نضحك أو نبكي، بل بأن نفهم’. وكان الفيلسوف هيغل يقول ‘كل ما هو واقعي عقلاني’. وعليه يمكن القول إن حدثا كبيرا كالربيع العربي لا يمكن أن يكون اعتباطا أو عبثا، ولابد أن هناك عوامل موضوعية تقف وراءه. فلنحاول أن نستجليها. فماهي الأسباب التي هيأت الأرضية لإطلاق الربيع العربي وحتمت حدوثه؟
ثمة أسباب كثيرة ومتداخلة تقف خلف انفجار ثورات الربيع العربي، أسباب تراكمت منذ سنوات، ولم تلق معالجة أو حلا، وأفضى التراكم إلى تركة ثقيلة جسدها: الفساد، من أبرز العوامل التي كانت وراء الثورات العربية، مأسسة النظم العربية للفساد. فلنأخذ مؤشر ‘ترانسبرانسي أنترناشيونال’ لسنة 2010، لكي نقف على مستويات الفساد الموجود في الإدارات العامة وعند النخبة السياسية في الدول العربية، فالبلدان التي تعرف انخفاضا في الفساد هي قطر والإمارات، السعودية، الأردن، وتونس. وفي أسفل الترتيب نجد المغرب، الجزائر، ليبيا، مصر، سورية، الكويت. وأيضا.. هناك سبب اخر أدى إلى انفجار الشعوب العربية، هو: الاستبداد، ويتمثل في الاستبداد المخابراتي للحزب الواحد أو العائلة الواحدة، وتكميم الأفواه المعارضة، والقمع والكبت والظلم، وانتفاء امكانية الوصول إلى فضاء الحريات والتعددية السياسية الحقيقية والتداول السلمي للسلطة.
في هذه البيئة السياسية المنغلقة والفاسدة، ينضاف العامل الديمغرافي، فالوضعيات الديمغرافية في البلدان العربية غير متجانسة ولكنها بلدان شابة، حيث تمثل الفئة أقل من 15 سنة أكثر من ربع السكان. وإذا اضفنا الفئة ما بين 15 و25 سنة تصبح نسبة الشباب أكثر. شباب ذو مستوى تعليمي رفيع، لكن هذا الشباب يجد نفسه عاطلا عن العمل في سوق عمل جد منغلق.

هل ثورات الربيع العربي صنيعة الفيسبوك؟
ليس الفيسبوك ووسائل المعلوماتية الأخرى هي التي أدت إلى اندلاع الثورات العربية، لا ريب أنها سهلت عملية التواصل بين الثوار، لكنها ليست الأساس في اندلاع الربيع العربي. فالفيسبوك وحده لا يكفي لصنع ثورة. إنه مجرد أداة. ويبقى صانع الثورة الحقيقي هو الإنسان: أي ذلك الإنسان الذي قرر النزول إلى الشارع والمغامرة بنفسه وتقديم التضحية. ونتعمق في المزيد.. فنجد أن الربيع العربي ولد من رحم الأفكار التحررية.. كيف ذلك؟ يقول كارل ماركس ‘الفقر لا يصنع ثورة، إنما وعي الفقر هو الذي يصنع الثورة’. صحيح أن الفقر والبطالة من أهم أسباب الثورات، لكن الفقر والبطالة لا يشكلان دافعا للثورة، إلا إذا أحس الناس بأنهم فقراء وأن هناك أغنياء يستغلونهم، وهنا يأتي دور الثقافة السياسية والوعي السياسي.
وبهذا الصدد يمكن القول إن ‘مقولات الثقافة العقلانية والتغيير الشامل التي صاغها المتنورون العرب، لعبت دورا مهما في تعرية البيئة السائدة وطبيعة النظم السياسية والدول القمعية التي بنيت عليها. كما حلل دعاة التغيير السياسات الاقتصادية الفاشلة التي جعلت التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة عصية في جميع الدول العربية. ولقد أنتج المتنورون العرب مقولات ثقافية مهمة للتغيير الجذري، فدعوا إلى ممارسة الديمقراطية السلمية. وعالج اخرون السياسات التعليمية في العالم العربي، التي أدت إلى ضرب التعليم الرسمي ومنع تطوره لصالح التعليم الخاص’.
وهكذا.. لم تولد ثورات الربيع العربي من فراغ ثقافي، بل ولدت من رحم الافكار التحررية العربية والعالمية، فقد كانت مسبوقة بأفكار عميقة كتبت خلال النصف الثاني من القرن العشرين وتفاعلت معها حركات شعبية في أماكن مختلفة من العالم. ولما نضجت الظروف الموضوعية في العالم العربي خرجت الأفكار على شكل ربيع عربي.
في البدء كانت الانتفاضة.. الانتفاضة الفلسطينية وقود الثورات العربية. إذا كانت ثورة تونس قد أعطت الشرارة الأخيرة للثورة، فإن الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، ثم حصار غزة هي الأحداث التي أسهمت إسهاما حاسما في صناعة وقود ثورات الربيع العربي على مدار السنوات الماضية القليلة. وفي هذا السياق اعتبر دكتور العلاقات الدولية المغربي المهدي المنجرة في كتابه الشيق ‘انتفاضات في زمن الذلقراطية’ أن الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت في 28 ايلول/سبتمبر2000 هي نواة لانتفاضة كبيرة تتهيأ لتشب في كل أرجاء العالم العربي. ‘انتفاضة الحجارة لأطفال فلسطين ليست إلا مجرد الانتفاضة الصغيرة التي ستتبعها لا محالة الانتفاضة الكبرى ضد الحكومات والأنظمة التي تواطأت على حساب شعوبها وعلى حساب قضيتها الأولى’، يقول د. المنجرة.
ولنستمع إليه في مزيد من التوضيح:’هي انتفاضة سنعيشها بمثل ما نتكلم عن الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر. وهذه الانتفاضة ستأتي منها انتفاضات بنفس الروح لمحاربة انعدام العدل الاجتماعي والظلم والفقر… وسنرى تدريجيا انتفاضات أخرى في بقية العالم العربي والإسلامي. ولهذا السبب أطلقت عنوان ‘انتفاضات’ على هذا الكتاب’.
باختصار ما أراد د. المنجرة قوله هو أن الانتفاضة الفلسطينية كانت هي بداية نهاية لنسق بأكمله، وأن الظلم الذي فجر هذه الانتفاضة هو السبب نفسه الذي سيفجر انتفاضات اخرى.

الاخلاق ودورها في الثورات العربية
كتب كثيرون عن أسباب الثورات العربية، لكن في حدود علمي لم يتوقف أحد عند العامل الاخلاقي ودوره في تفجير الربيع العربي. أيضا كتب عالم المستقبليات المغربي الدكتور المهدي المنجرة في مقدمة كتابه ‘الإهانة في عهد الميغاإمبريالية’: ‘إن القوى العالمية الكبرى تمارس الإذلال على بلدان العالم الثالث، التي تنصاع لذلك من غير اعتراضات، قبل أن تمارس الإذلال بدورها على شعوبها ذاتها. ولهذا فان هذه الاخيرة تعاني من ذل مزدوج ينضاف إليه ذل ثالث هو الذل الذاتي، ويتمثل في الامتناع عن الفعل’.
إن القضية الأساسية التي يمكن أن نستشفها من كلام د. المنجرة هي أن الجانب الاخلاقي لعب دورا اساسيا في اندلاع الثورات العربية. فالشعوب العربية عانت مدة طويلة من سلسلة لامتناهية من المهانات والمذلة من الداخل والخارج، إلى جانب ذلك فقد غابت الأخلاق وانتشر الكذب، الذي أصبح يستعمل من طرف الحكام وسيلة للحكم، وغدا الخوف طريقة في الفعل وآلية سياسية جديدة. وحين بلغت هذه العوامل الحد الخطر، ويتعلق الأمر بشرخ في الكرامة، أدت إلى انفجار أنظمة عربية.
وثورات الربيع العربي أبانت أن الشعوب العربية لا تقبل بالإهانة وضد الذل، وهذا ما جسده شعار ‘حرية، كرامة،عدالة اجتماعية’، وأنها (الشعوب) بحاجة إلى أن يعترف بكرامتها وبحقها في المواطنة والعيش الكريم.
وهذا الدكتور مصطفى حجازي في دراسته النفسية التحليلية ‘سيكولوجية الإنسان المهدور’ يضع كشرط مؤسس وملزم لإطلاق أي تنمية انسانية فعلية وديمقراطية حقيقية: ‘الاعتراف بإنسانية الإنسان وقيمته وطاقاته وفكره ووعيه وكرامته ومواطنته’.
وهكذا…. لم يكن أمام الشعوب العربية لاسترداد حقها في انسانيتها وكرامتها ومكانتها سوى الثورة على أنظمة أهدرت فكرها وقيمتها ووعيها، بل استباحت دمها.

‘ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية