‘إلى هؤلاء الذين أناروا لي عبقرية لسان العرب’

حجم الخط
0

العلاقة بين السياسي والمثقف علاقة جدلية وسجالية قديمة جابت الأزمان وظهرت تضاريسها في كل الثقافات. وهي علاقة حرباوية متلونة، لاتثبت على حال، فيها التنافس وشراسة الحيل، وفيها هدوء التوافق وقرقعات الصدام، وفيها لطافة تقارب الجناب وآلام التنائي ولوعة البعاد، وفيها الاستقطاب والتراشق بالأسنة والحراب بحسب مقتضيات أحوال الائتلاف وظروف الاختلاف.
ونجد في صفحات تراثنا القديم مثالا حيّا بناه الشاعر أبو الطيب المتنبي وحاكم مصر كافور الإخشيدي اللذين تصادقا ثم تفرقا بمجرد أن أخلف كافور الإخشيدي وعده مع الشاعر المتنبي الذي كانت تحركه نزعة الطمع لتوليته مقاليد الرياسة أو كرسي الإمارة. ولما تلبدت سماؤهما بالغيوم، لم يجد المتنبي مخرجا سوى الفرار مستغلا انشغال الجواسيس الذين كانوا يتابعونه بفرحة عيد الأضحى. ولما اطمأن من إفلاته من قبضة كافور بعد مغادرته مدينة الفسطاط في التاسع من شهر ذي الحجة، أرسل له قصيدة شعرية لاذعة الهجاء، وهي القصيدة المعروفة التي تجاوز فيها الكثير من القيم الإنسانية والنبل والشهامة العربية، ووصل به الحد إلى التهجم حتى على مصر أرض التاريخ والبطولات، والتي يقول في مطلعها:
عيدٌ بِأَيَّةِ حــــالٍ عُدتَ يا عيدُ بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديد
أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَـــــهُمُ فَلَيتَ دونَــــكَ بيدًا دونَها بيدُ
وإلى أن يقول في وسطها:
صارَ الخَصِيُّ إِمامَ الآبِقينَ بِهــا فَـــألحُرُّ مُستَعبَدٌ وَالعَبدُ مَعبودُ
نامَت نَواطيرُ مِصرٍ عَن ثَعالِبِها فَقَد بَشِمنَ وَما تَفنى العَنـــاقيدُ
تتمظهر هذه العلاقة المتقلبة والخاضعة للمد والجزر، في أحيان قليلة جدا، في صورة من الخصوصية لها فرادتها واشتثاؤها، وهي الحالة التي يكون فيها السياسي مثقفا عن أصل وفضيلة. وحينئذ، تستقيم على وجهها السليم؛ لأن صراع الازدواجية التي تؤلف ركنيها يستحيل إلى معاشرة وتعايش يكون فيها المزاج متوازنا، والفكر مشحوذا، والبصر سديدا. وتثقيف السياسة هو كأخلقتها، ففيه تقليم لأنانيتها وقطع لتبجحها. والسياسي المثقف هو الشخص الوحيد الذي يجلي التناقض والتنافر بين الأمرين. وهو من يدرك أن كلا من السياسة والثقافة تسهمان في إسعاد الناس وازدهار الحياة وتطورها. وأكاد أجزم، أن أسعد شعوب الأرض هي تلك التي تولى سدة الحكم في أوطانها رجال مثقفون. وأنا أمنح لمفهوم الثقافة معناها الفصيح والقويم الذي يستبعد ألوان الثقافات الموسمية أو النزوية أو الاستعراضية أو الزائفة.
لمعت في سماء حزب جبهة التحرير الوطني أسماء اشتهرت بسعة ورسوخ ثقافتها في عهد الانفتاح الديمقراطي في الجزائر. فلما تبوأ الأستاذ المفكر عبد الحميد مهري ـ طيب الله ثراه ـ قيادة حزب جبهة التحرير، استطاع بفضل ثقافته أن يخلصه من معاناته لبعض الوقت، وأن ينقيه من التهم والأباطيل التي أعجزته، وأن يصنع من الليمونة المالحة شرابا مغذيا وحلوا ومستساغا جدد به آمال المناضلين. وقاد مقاومة شرسة ضد كل من أراد أن يبقي الحزب كغطاء تتدثر به مختلف السياسات المتعاقبة. وكذلك حاول الأستاذ علي بن فليس أن يعيد الكرة لما ترأس الحزب وفق رؤى تحديثية ناصعة، وخطابات متجددة لم تنكر تراثه، ولم تتنكر لماضيه. وتعد المحاولتان، وإن اختلفتا في الأسلوب، منعطفين معتبرين في مسيرة الحزب الذي أعادته الأيام إلى لعب الأدوار التي لم يكتب له أن يفطم عنها بعد.
من يطلع على كتابات الأستاذ المفكر عبد الحميد مهري وعلى مؤلفات الأستاذ علي بن فليس وزير العدل ورئيس الحكومة الأسبق في الجزائر يجد أن الرجلين تتجاذبهما السياسة والثقافة معا، ولكنهما استطاعا أن يؤلفا بين الأمرين في وئام على نحو مثير للإعجاب. ففي الوقت الذي ظن فيه بعض الناس أن الأستاذ علي بن فليس توارى عن الأعين، وانزوى معتزلا في خلوته، راح هو يقوي رصيده البحثي والتنقيبي والتأليفي، ويكدس عصارات جهوده مقتنصا أحسن الأدوات لترصيع مشوار حياته، وهو الإنتاج الفكري.
إن تشبث الأستاذ علي بن فليس بمخزون أصالته الفكري وبالمناهل الأولى التي شكلت وصقلت شخصيته روحيا وفكريا هو الذي أوحى له بالتعلق في حميمية، لن يرضى عنها بديلا أو معوّضا، بمن كانوا سببا في وضع هذه الموارد بين يديه. فقد خص كتابه الأول للحديث عن والده الشيخ الشهيد التهامي المدعو بأبي القاسم بن فليس وعن شبكة صداقاته من منظور جمعي يعلو عن ابتزازات وحقارات التصنيف ومقدما المعرفة والتعارف والاعتراف. أما إصداره الثاني، فقد أراد أن يحيي به عهدا وطيدا لبعض ممن حببوا إليه اللسان العربي، وأهلوه للشرب من معينه الصافي، وانتقى له عنوانا مطولا ينبض بالامتنان، وهو: . والقصد عنده، فيما أرى، من تفضيله استعمال كلمة ‘لسان العرب’ هو توسيعه للمقاصد؛ ذلك لأن المتفق عليه عند اللغويين العرب هو أن ‘اللسان’ أوسع حقلا من ‘اللغة’، وأن ‘اللغة’، بدورها، أرحب من ‘اللهجة’. ومن قبله دعا ابن منظور الإفريقي، وعن دراية، كتابه الفخم بـ ‘لسان العرب’، ولم يسمه: ‘لغة العرب’.
لقد احترم الأستاذ على بن فليس في إنتاجاته الفكرية المتعاقبة التسلسل الزمني التاريخي في توثيق ذكريات أحبائه القريبين إلى قلبه. ولذلك منح المقام الثاني في اهتماماته الكتابية إلى أساتذته الذين تربى على أيديهم بعد والده. هذا ما يمكن قراءته من جانب الشخصيات، أما من جانب البعد الامتدادي، فإننا نستشف من أعماله مقدار احترامه ووفائه للمحاضن التي هذبت شخصيته. فبعد المدرسة الأولى، وهي الأسرة وما وفرته له من أصول تربوية قاعدية، تأتي المدرسة التي شكلت رصيده المعرفي والفكري، وفتقت استعداداته وشحذت مواهبه. وإن من يحتفظ بهذه الرؤية الاعتبارية، فلا شك أنه يملك تصوّرا صحيحا عن سبل رقي ونهضة المجتمعات والأمم وتخليصها من الإعاقات.
إن المرء هو ابن بيئته، كما يقولون. وضمن كل البيئات الكبرى توجد بيئات صغرى. ولهذا ظل الأستاذ علي بن فليس مخلصا لبيئته المهنية، وهي المحاماة التي قضى فيها شطرا من عمره حتى أصبح علما من أعلامها. ومن هذه البيئة اقتبس أجواء محاكمة أطلق فيها العنان لخياله، وعلا فيها صرير قلمه بدل صوته في كتابة مرافعة ذاد فيها عن حياض أساتذته، وحيكت كشهادة يلمس فيها القارئ أن هؤلاء الأساتذة الأجلاء لم ينيروا طريق عبقرية لسان العرب لتلميذهم النجيب، فحسب، بل سقوه من صافي لبانها، وأطعموه من لذيذ موائدها، وهي المرافعة ـ الشهادة التي يقول فيها: ( أشهد أنكم خلال كل فترة دراستنا الثانوية، طبقتم معنا أسلوبا بيداغوجيا صارما، لكنه لم يمنعنا يوما من احترامكم أو الإعجاب بكم، بل وزاد إعجابنا بكم، وأنتم تقضون غالب وقتكم في فتح أعيننا على ثقافتنا وتراثنا، وعلى إرث حضارة أراد النظام الاستعماري غمها وإتلافها والقضاء عليها.
كما أنكم خالفتم كل التعليمات والبرامج الرسمية الاستعمارية. فكافحتم بكل ما أوتيتم من قوة الفكري العنصري الكذوب، الذي رمى حضارتنا بالتخلف وبالسير القهقرى أمام ما انبهر به أهله من تقدم مادي. ثم إنكم عملتم على تنوير عقولنا إلى ما أراد الفكر الاستعماري أخذنا إليه).
ويواصل قائلا في لغة جميلة كمن يبسط سجادا من أزهى الألوان لهؤلاء الأساتذة الذين تأثر بهم أيما تأثر: (كما أني أشهد أنكم لم تقعوا يوما في مطب معلمي اليوم، إذ أنهم وبدعوى ضغط الحياة الصعبة، آثروا بعضا من سيء الطباع لضمان عيشهم. وهذه الحجة غير مقبولة وغير معقولة؛ لأنها حقيرة، ولا تتفق بالمرة مع روح ومهام المعلم التربوية.. وأنتم أساتذتي، لا يمكن لأحد أن يدعي أنكم وقعتم في سوءة من سوءات اليوم على الإطلاق. فلم تعرف عندكم المحاباة، ولا الرشوة، ولا المساومة لتنقيط هذا أو ذاك. ولا حتى دروسا خصوصية تفتح الطريق لانحرافات تظهر نتائجها يوم منح الرتب. ولا شك عندي أن مساركم سادتي الأساتذة خال من أية شائبة.
وإلى أن يقول مستحضرا أجواء المحاكم وهي تتهيأ بالنطق بأحكامها، يقول:(بعد هذا العرض، وبسبب الإجراءات التي اتبعت في هذه المحاكمة، قررت المحكمة رفع الجلسة والانسحاب للمداومة سريا بعيدا عن الحضور الكريم كي يصدر الحكم دون أي تأثير من أي كان، وباستقلالية وعدالة تقتضيها قضيتنا اليوم.
وبطبيعة الحال، لم يطل مجلس مداولات القضاء، وخرج على الحضور للنطق بحكمه وقراره، كأن القضية منطوق حكمها مسبقا بالنظر إلى تطابق تصريحات الشهود فيما قالوه. وعندما أخذ رئيس المحكمة الأول مكانه وجلس للنطق بالحكم، وجم الطلاب المنتمين إلى كل الدفعات التي تعلمت على يد هؤلاء الأساتذة الأفاضل.
وأنت ترى المحكمة بهيبتها التي تشد النفوس، صدر الحكم التالي منطوقه وجو المحكمة مفعم بالفخر والرضا، وصرح بلسان عربي فصيح: نجتمع اليوم في هذه المحاكمة الاستثنائية وعملا بقواعد أدبيات وقيم مهنة المعلم والأستاذ، فإن محكمة الشرف والضمير تقرر:
أولا: بسبب إخلاصهم المثالي، وبسبب مهاراتهم وتفانيهم في التعليم، وبسبب حسهم الوطني الرفيع، ونضالهم المثالي أثناء أدائهم لمهنتهم، فقد تقرر رفع إلى مصاف الشرف الوطني كل من الأساتذة:
المرحوم مصطفاي موهوب المدعو سي عبد الرشيد،
المرحوم ابن محمد عبد القادر،
المرحوم العمراني محمد،
المرحوم صاري محمد،
المرحوم بوشارب مختار،
المرحوم تومي عبد القادر سياف المدعو الشيخ التومي.
ثانيا: اعترافا بما يستحقونه من تكريم، فإن المحكمة تعلن اقتراحها على السلطات المختصة أن تطلق أسماءهم على مؤسسات تربوية فتخلد أسماءهم تبعا لذلك في ذاكرات الناشئة، وترسخ مهمتهم في عقول أبنائنا).
لعل قارئ الكتاب تخامر ذهنه فكرة الزج بالأستاذ عبد القادر سياف مدرس التربية الموسيقية ضمن لائحة تضم أساتذة يدرسون اللغة العربية وقواعدها أو يدرسون باللغة العربية مواد أخرى كالعلوم الشرعية والقانون وغيرهما. ويرى في ما ارتضاه مؤلف الكتاب الأستاذ علي بن فليس شذوذا يصعب تسويغه. ونعتقد أن هذه النظرة مخالفة للصواب، فاللغة العربية التي تتجاوب مع أغلب لغات الأرض وتقبل توظيفها لتدريس شتى العلوم لا تتحرج من مد روابط الالتقاء والتقاطع مع الموسيقى. ولربما ننسى أن اللغة أسرع وأكثر اندماجا مع الموسيقى، وأن اللغة والموسيقى، كما يقولون الباحثون، تنتميان إلى عالم واحد. وقد قيل: (اللغة موسيقى والموسيقى لغة). والفصل بين اللغة والموسيقى صعب خاصة بين اللغة العربية والموسيقى العربية التي ترافقها. ولولا جمال اللغة العربية التي كثيرا ما توصف بأنها لغة غنائية لعجزت الموسيقى العربية على المحافظة على عذوبتها. وإن الشعر العربي الذي يهز وجدان من يفهمه ويتجاوب معه له طرف موسيقي ملتحم به. ولم يكن ذيوع الكثير من القصائد التي تصنف ضمن عيون الشعر العربي يحصل إلا بعد تلحينها وغنائها. والافتتان بالموسيقى والترنم بها يحمل في جوفه افتتانا بالنص الشعري وتجاوبا معه.
لم يكن إيثار المؤلف الأستاذ علي بن فليس ضم مدرس الموسيقى الأستاذ تومي عبد القادر سياف المدعو الشيخ التومي اعتباطيا أو مجاملة منه إلى طائفة أساتذته العباقرة في الثانوية الذين كشفوا له عن عبقرية اللغة العربية لو لم يكن موفقا في انتقاء روائع النصوص الشعرية التي يبدع في تلحينها، ولو لم تكن بصماته التكوينية قد سكنت شغاف قلب تلميذه، وملأته بالإعجاب والتبجيل.
تظهر صفحات الكتاب المكتوبة وملاحقها المملوءة بالصوّر مقدار الجهد الشاق الذي تكبده صاحبه في جمع معلوماته الثرية التي وصلت إلى حد النبش في بعض الخصوصيات الدقيقة مما سيجعله في مصاف الوثائق الغنية التي سيحتاج المهتمون بتاريخ الجزائر الثقافي للنظر فيها والأخذ منها. وإن من يبذل مثل هذا الجهد المضني يستحق بان يكون مثالا مالكا ل، وهي من الشمائل التي لا يزهر ربيعها إلا في حقول أولئك الذين لا ينكرون جميل من أناروا أمامهم دروب المعارف، ولا يجحدون أفضال الرجال.
وإن تمكن الأستاذ علي بن فليس أن يسرد في ذكاء وفطنة جزءً من سيرته الذاتية التي نقرأها في مرايا أساتذته الموقرين، فقد كان له ما أراد بعفوية مطلقة بعد أن حرر قلمه من مرض ‘التمركز حول الذات’ الذي غاصت في أوحاله أقدام الكثيرين.
من الملفت للانتباه إن هذا العمل المتين والمشكور قد صدر في نسختين عن ‘دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع’، نسخة أولى باللغة العربية ونسخة ثانية باللغة الفرنسية. ومن يقرأهما معا، يعرف أن جهد المؤلف مضاعف؛ لأن إخراجهما لم يتحقق بفعل الترجمة.
باحث من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية