القاهرة ـ ‘القدس العربي’: الاتجاه الملموس في صحف امس الأربعاء 20 تشرين الثاني/نوفمبر هو الثقة الشديدة في نجاح خطط الأمن في إفشال كل محاولات تحويل الاحتفالات بذكرى أحداث محمد محمود الى اشتباكات وفوضى ودماء، رغم بعض الاشتباكات في ميدان التحرير وغيره وسقوط قتيل وحوالي اربعين مصابا، لكن المسيرات والمظاهرات تم السماح بها للجميع، وأولهم الإخوان المسلمون، وكل من أراد النزول، وكانت الأعداد هزيلة. صحيح ان مباراة منتخب مصر مع غانا أدت الى بقاء الكثيرين في المنازل والمقاهي لمشاهدتها، ولكنها كانت مظهرا آخر من مظاهر ثقة الأمن في قدرته، لأنه سمح بحضور الجمهور، وفازت مصر بهدفين لهدف، لم يحرزهما أي لاعب إخواني.
وكان الأمن قد نفذ خطته بدهاء ونعومة، سواء من حيث اعتلاء عناصر منه جميع سطوح العمارات المطلة على ميدان التحرير لمنع أي عمليات قنص، والوجود في الميدان، بحيث القي القبض على الذين قاموا بحرق علم مصر، وهو المشهد الذي أحدث في نفس اللحظة موجات من الغضب الشعبي، وكذلك القبض على المجموعة التي هاجمت مبنى جامعة الدول العربية لإحراقه، كما حدثت اشتباكات بين عدة مجموعات كل منها تدعي انها صاحبة ثورة يناير، لدرجة ان زميلنا الرسام الكبير بـ’الأهرام’ فرج حسن كان له رسم معبر جداً عن الحروف الستة لكلمة الثورة وكل فريق استحوذ على حرف، وواصلت الشرطة تحقيقاتها للتوصل الى مرتكبي جريمة اغتيال مقدم الأمن الوطني محمد مبروك، وإعلان جمعة أنصار بيت المقدس مسؤوليتها عنه، كما استمرت التحقيقات في حادثة اصطدام القطار في دهشور بعدة سيارات ومقتل اكثر من عشرين ومشاركة الرئيس عدلي منصور في أعمال القمة العربية الأفريقية بالكويت، واختفاء أزمة أنابيب البوتاجاز الى حين، واستمرار لجنة إعداد الدستور في أعمالها للانتهاء منه قبل يوم الثلاثاء القادم.
وإلى بعض مما عندنا:
أهل الحق أصحاب رسالة ربانية
وإلى استمرار الظاهرة التي تعكس تسرب اليأس إلى نفوس الإخوان، وانقسام أفراد الأسرة الواحدة، وقد عبرت عن هذه الحالة يوم الأحد جريدة الإخوان ‘الحرية والعدالة’ في صفحة استشارات، التي يشرف عليها زميلنا فتحي عبدالستار، حيث وصلت رسالة من مواطنة إخوانية قالت فيها، انه بعد الانقلاب العسكري الدموي ـ حسب كلام السائلة ـ امتدت الخلافات اليومية الحادة بين الجيران والأصدقاء بالاضافة الى مضايقات صارخة ضد مؤيدي الشرعية ورافضي الانقلاب الدموي، فكيف نعيد تصحيح مسار العلاقة بين أبناء الوطن الواحد، وكيف يتعامل مؤيدو الشرعية مع المضايقات اليومية التي تصدر من الجيران والأقارب؟
وقد ردت على الرسالة زميلتنا الإخوانية الجميلة عزة مختار قائلة عما أصاب الجماعة وناصحة لمواجهة الحالة:
‘وقد يحسب البعض أن ذلك نوع من البلاء أو الغضب من الله عز وجل على الفئة المؤمنة، فيبتليهم بتسليط بعض الظالمين عليهم وهو لا يدرك أنها سنة باقية، وأن الجنة غال ثمنها، وأن شريعة الله التي ارتضاها للبشرية يجب أن يبذل دونها الرقاب والدماء، وفي خضم تلك الابتلاءات يجب ألا ينسى أهل الحق أنهم أولاً وأخيراً أصحاب رسالة ربانية، همهم الأول هو تبليغ كلمة الله عز وجل بكل الوسائل السلمية الممكنة التي لا تخرج عن نطاق كلام الله، وقد تكاثرت علينا فعلا الأمم كما تتكاثر الأكلة على قصعتها، حتى تلك الدول التي ادعت يوماً أنها رمز للحرية وحامية لها، من اتحاد أوروبي وأمريكا التي لا تحمي سوى مصالح الصهاينة في المنطقة، لأناس من جلدتنا يتحدثون لغتنا ويتسمون بأسمائنا، نتذكر جيداً أننا لسنا في حلبة صراع سياسي، وإنما نحن في حرب ضد الشيطان يجب فيها أن أنقذ أهلي جميعاً من النار وغضب الرحمن، ويمكن أن نختصر ذلك في خطوات للتعامل مع المختلفين من الجيران أو الأصدقاء في موقفهم من الانقلاب من خلال عشر خطوات:
فرقي في التعامل بين القاتل الفعلي المشارك بجريمة الانقلاب وبين المواطن البسيط المغرر به من الإعلام وغيره.
لا تخجلي من الإعلان عن رسالتك وفكرتك في أي مكان وبمنتهى القوة فأنت صاحبة حق وصاحب الحق قوي.
جاهدي الناس بالحب وبالوجه الطلق والكلمة الطيبة والبدء بالسلام.
انهي المناقشة فوراً لو شعرت أنها ستتطور إلى جدال فارغ وستؤثر في القلوب أو حتى حفاظاً على ماء وجه من تتحدثين إليه.
راعي أدب المناقشة مع الزوج أو الوالدين أو الأقارب أو كبار السن.
كوني سباقة بالسؤال عن جارك وتعلمي من حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم حين تفقد جاره اليهودي حين غاب’.
العناية بالاسرة لا تقل
اهمية عن المشاركة في الاعتصامات
كما أرسلت إخوانية أخرى وصفت نفسها بأنها تواقة للشهادة رسالة قالت فيها انها كانت تذهب إلى رابعة وتشارك في الاعتصام، ولكن عند فض الاعتصام ومشاهدتها مقتل الكثيرين، ومنهم صديق لزوجها وصديقة لها، رفضت النزول لأي مظاهرة، وأخذت تركز اهتمامها على ابنائها الأربعة خوفا من تعرضها لأي مكروه، ولكنها بدأت تحس بأنها جبانة ومشغولة بالدنيا، رغم انها تسير في طريق الدعوة من سنوات، وطلبت النصيحة، وقد ردت عليها المستشارة الاجتماعية هدى سيد قائلة:
‘القلق والخوف والتوتر وسوء الحالة النفسية عند المصائب والبلايا كلها مشاعر مظهرية لكل من له قلب ينبض بالإحساس، ولكن تتفاوت درجات الخوف الذي تعترينا من شخص لآخر، حسبما يقر في قلبه وتوقن به نفسه، أختي الكريمة، هوني على نفسك ولا تقللي من شأن ما تقومين به من العناية بزوجك وأولادك ورعاية شؤون أسرتك، ويكفي انك تعرفين طريق الحق ولم تسيري خلف من يهلل للظلم والظالمين’.
هل تصبح مصر مجالا
للمنافسة بين روسيا وأمريكا
وإلى العلاقات المصرية الروسية التي بدأت في استعادة روحها التاريخية، وتمثلت في زيارة أفراد روس الى ميناء الاسكندرية وزيارة كل من وزيري الخارجية والدفاع، والحديث عن صفقات أسلحة وتطوير التعاون الاقتصادي، وذلك في مناسبة مرور ستين سنة على إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين عام 1943 أثناء حكومة حزب الوفد بزعامة خالد الذكر مصطفى النحاس باشا، وكانت مصر وقتها محتلة من بريطانيا، وسمحت بإقامة العلاقة الكاملة مع الاتحاد السوفييتي الشيوعي، بعد أن دخل زعيمه جوزيف ستالين الحرب بجانب بريطانيا وأمريكا، الذين شكلوا ما سمي بالحلفاء ضد المانيا وايطاليا واليابان، التي شكلت ما سمي بدول المحور، أثناء الحرب العالمية الثانية، وذلك بعد ان تعرض الاتحاد السوفييتي للهجوم الألماني المفاجئ عام 1942، وارتبطت العلاقات مع الاتحاد السوفييتي بنضال الحركة الوطنية في عدد من البلاد العربية، من خلال توريد الأسلحة إليها في الوقت التي امتنعت أمريكا وبريطانيا عن إمدادها بها، وكذلك التعاون في مشروعات التنمية الاقتصادية، كما حدث في سورية والعراق والجزائر وليبيا ومصر. وبينما كان التسليح كاملا بالنسبة لمصر والجزائر وسورية والعراق، والى حد ما في ليبيا والعراق بدأ يحصل على أسلحة فرنسية، لكن العلاقة مع مصر بالذات اكتسبت معاني أقوى لأنها خاضت حروباً كان سلاح جيشها روسيا، ولأن أهم مشروع قومي في تاريخها، وهو السد العالي، وسلسلة مشروعات اقتصادية عملاقة مثل مصنع الحديد والصلب، الذي بدأته المانيا الغربية ووسعه الروس وما ألحق به من مصنع الدرفلة وغيره، وكذلك الترسانة البحرية في الإسكندرية، ذلك كله أوجد ارتباكا بين مقاومة السيطرة الاستعمارية الأمريكية وبناء جيش وصناعة وطنية، وبين التعاون مع روسيا، وهذا هو سبب الترحيب التلقائي الشعبي بأي حديث أو سياسة عن التعاون مع روسيا.
وقالت عنها زميلتنا الجميلة سناء السعيد يوم الأربعاء قبل الماضي في ‘العالم اليوم’:
‘لا شك أن أمريكا ينتابها اليوم قلق عارم من أن تتوثق علاقات مصر بروسيا، كرد فعل على ما أدت إليه العلاقات الأمريكية مع مصر في أعقاب قرار إدارة أوباما بتعليق جزء من المساعدات العسكرية الممنوحة لها، فهو أمر لو حدث سيؤثر بالقطع على موازين القوى في العالم والشرق الأوسط، فالتقارب بين موسكو والقاهرة سيعزز نفوذ روسيا في المنطقة، عبر البوابة مصر وعندئذ سيكون بإمكان روسيا استخدامها كورقة ضغط تواجه بها أمريكا في القضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكأن مصر قد أصبحت اليوم مجالا للمنافسة بين روسيا وأمريكا’.
الخوف الامريكي من الدب الروسي على مصر
ونقرأ في جريدة ‘الحرية والعدالة’ مقالا للإخواني خالد إبراهيم عن عودة العلاقات المصرية الروسية وخوف امريكا من ان تفقد مصر كحليف استراتيجي لها، يدلي فيه برأيه قائلا:
‘تلك المؤسسات الأمريكية العميقة أرادت الضغط على المؤسسات المناوئة، مدعية الحرية وحقوق الإنسان بإيهامها ان مصر ستخرج عن طوعهم الى أحضان الدب الروسي، وسيفقدون حليفاً استراتيجياً في المنطقة، مما يؤثر سلباً على مصالحهم السياسية والاقتصادية. والأخطر من ذلك انه قد يشكل خطراً على طفلهم المدلل، الكيان الصهيوني، ومن ثم تسارع تلك المؤسسات لغض الطرف وإطلاق يدهم ويد عملائهم الانقلابيين للبطش والتنكيل بالشعب المصري الحر، وفائدة هذا الفيلم للدولة الأمريكية العميقة تتمثل في اعطائها ضوءا أخضر أو تفويضاً لانقاذ العملاء الانقلابيين قبل فوات الأوان، وتقديم كل الدعم المفتوح لهم’.
اخوان سورية المسلمون
طالبوا في 1950 بالتحالف مع روسيا
والغريب ان الاخوان كانوا يتباهون وعلى لسان رئيسهم بأنه سيعيد علاقات مصر مع روسيا، كما كانت في عهد خالد الذكر، وتنويع علاقات مصر مع الخارج بحيث تمتد لتعميقها مع الصين والهند، فلماذا يعارضونها الآن؟
وللعلم فإنه وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، تجددت مطالب مصر بالاستقلال عن بريطانيا، وأيدها الاتحاد السوفييتي، بينما ظلت بريطانيا تراوغ، وكل ما فعلته هو سحب قواتها من القاهرة والاسكندرية، وتمركزت في مدن قناة السويس، بورسعيد والإسماعيلية، والسويس وعلى طول مجرى القناة، حيث توجد أكبر قاعدة عسكرية لها في الإسماعيلية، وكانت تضع شروطاً للجلاء، صعبة على أي سياسي قبولها، منها قبول مصر بعودة القوات البريطانية الى قواعدها في منطقة القناة، في حالة تعرض بريطانيا أو أي من حلفائها لأي خطر أو اعتداء، وبالتالي بقاء قوات وخبراء لصيانة القواعد وما فيها من أسلحة، وربط مصر بسلسلة اتفاقات تدخلها عملياً في شبكة الأحلاف العسكرية التي شكلتها أمريكا وبريطانيا لمحاصرة الاتحاد السوفييتي وخطر الشيوعية، وتشمل تركيا والعراق وباكستان، معتبرة ان الشيوعية أصبحت الخطر الذي يواجه العالم.
وكانت هناك مشكلة أخرى، خاصة بالسودان، وهي رفض مصر إجراء استفتاء يختار فيه السودانيون، إما الاتحاد معها أو الاستقلال، بالإضافة الى رفض بريطانيا وأمريكا تزويد مصر بأسلحة بعد حرب فلسطين عام 1948 وظهور إسرائيل كخطر عليها، ورفض الاعتراف بها كدولة، وأدى هذا الى موجة غضب شملت دولاً عربية عديدة خاصة سورية، التي كانت تطالب بشراء أسلحة من أمريكا وبريطانيا، وكانت تتعرض لضغوط للدخول في شبكة الأحلاف العسكرية، ولذلك ارتفعت المطالب، لا بشراء أسلحة من الاتحاد السوفييتي فقط، وانما عقد اتفاقيات اقتصادية ودفاعية، وأول من أطلق هذه الدعوة كان وزير الاقتصاد السوري معروف الدواليبي، أثناء وجوده في القاهرة في شهر نيسان/ابريل عام 1950 لحضور اجتماعات اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية الذي انعقد بطلب من الحكومة المصرية برئاسة خالد الذكر مصطفى النحاس باشا زعيم حزب الوفد، للنظر في الاقتراح الذي تقدمت به الحكومة المصرية لإسقاط عضوية الأردن كان وقتها إمارة شرق الأردن من الجامعة بعد نشر أنباء عن اجتماع الأمير عبدالله مع رئيس وزراء إسرائيل بن غوريون والتباحث حول عقد معاهدة صلح، المهم ان معروف الدواليبي صرح في التاسع من ابريل 1950 لصحيفة ‘المصري’ وفدية قائلا بالنص:
‘إذا ما استمر ضغط الحكومة الأمريكية على البلاد وعلى أبناء الشعوب العربية، فانه يرجو إجراء استفتاء في العالم العربي ليعرف الملأ ما إذا كان العرب يفضلون ألف مرة ان يصبحوا جمهورية سوفييتية من ان يكونوا طعمة لليهودية، لقد أبلغتنا الحكومة الأمريكية شفوياً بضرورة عقد معاهدة للصلح مع إسرائيل للدفاع عن السلام العالمي في الشرق الأوسط وقد أجبنا بأن هذا يعتبر تدخلا في شؤوننا، وأن مثل هذا الأمر يحملنا على التفكير جدياً في ما ترمي إليه السياسة الأمريكية من تهويد العرب وإقامة صرح استعماري عسكري واقتصادي جديد في قلب البلاد العربية. وانني لعلى يقين بأن الزيارات التي يقوم بها قواد أمريكا العسكريون للشرق الأوسط ترمي إلى جعل بلادنا قاعدة للعمليات العسكرية في المستقبل، من دون أن نحصل على أي مغنم منها ولن ينجو الشرق الأوسط من الحرب المقبلة إلا إذا كان عندنا ميثاق عدم اعتداء بين العالم العربي والاتحاد السوفييتي’.
ونشرت ‘الأهرام’ يوم 22 أبريل 1950 حديثاً مع عبدالرحمن عزام الأمين العام للجامعة العربية قال فيه:
‘تصريحات السيد معروف الدواليبي تعبر عن رأي كل عربي. ان التطلع الى الجهة الأخرى بات ضرورياً لإحداث التوازن في السياسة العربية’.
والأهم من ذلك أن الإخوان المسلمين في سورية طالبوا بواسطة المراقب العام للجماعة الدكتور مصطفى السباعي، عضو الجمعية التأسيسية في الثلاثين من ابريل عام 1950:
‘يجب على سورية ان تتطلع نحو روسيا لكي تضع حدا لهذه المضار التي تحدثها بريطانيا وأمريكا، وأن هذا ليس معناه اننا سنكون شيوعيين’.
أيضاً أرسلت جمعية الإخوان في سورية برقية بتاريخ 14 ايار/مايو 1950 الى اللجنة السياسية للجامعة العربية قالت فيها:
‘ان الشعب السوري يطلب من الجامعة مقاومة الضغط الأمريكي وإعلان تحول العرب إلى الكتلة الشرقية إذا استمر هذا الضغط’.
وفي مصر ارتفعت المطالب داخل مجلس النواب باستيراد الأسلحة من الاتحاد السوفييتي أو تشيكوسلوفاكيا الشيوعية، بعد ان أوقفت بريطانيا تنفيذ اتفاقها لتوريد طائرات نفاثة ودبابات ثقيلة من طراز سنتريون. وقال وزير الخارجية الوفدي المرحوم محمد صلاح الدين:
‘نحن لا ننظر الى التسليح إلا على أساس واحد، باعتباره صفقة تجارية نعقدها مع من نستطيع ان نعقدها معه من الشرق أو من الغرب، ولو أدى الأمر الى ان نعقد الصفقة مع الشيطان نفسه’.
وبتاريخ التاسع من تموز/يوليو 1951 وقعت الحكومة اتفاقا مع الاتحاد السوفييتي لاستيراد القمح’.
هل نتسامح مع جنرالات الموت؟
وإلى المعارك والردود، ونبدأها من يوم الاثنين من ‘المصريون’، الاسبوعية المستقلة المعبرة عن تيار إسلامي، وتتمتع بقدر كبير من فتح أبواب التعبير على الآراء المختلفة، وصاحبها ورئيس تحريرها زميلنا جمال سلطان، فقد بكى فيها صديقنا وابننا الوفدي السابق والميال للإخوان حالياً، والكاتب المهندس يحيى حسن عمر، بكى على ما حدث للمعتصمين في رابعة بقوله:
‘هل نتسامح مع جنرالات الموت سفاكي الدماء؟ لا والله، بل هم حتماً ذاهبون إلى العدالة يوماً، ومهما بعد هذا اليوم فهم حتماً واصلون إليه إن شاء الله، هذا في الدنيا، ولهم في الآخرة ما يستحقون، وبغض النظر عن تقديرنا الشخصي لمدى الصواب أو الخطأ السياسي في استمرار المعتصمين في رابعة بعد ان رأوا دموية النظام في مذبحتي الحرس الجمهوري والمنصة، وهو ما كان ينذر بوضوح بما حدث في رابعة فان اجتهاد كل منا الشخصي في تصويب أو تخطئة الفعل السياسي للمعتصمين هذا، ليس له علاقة على الإطلاق بإدانة وتجريم ما حدث من إبادة جماعية في حق المعتصمين، وكيف يطوي النسيان مذبحة مات فيها، كما هو موثق الى الآن ألف وسبعمائة مواطن مصري’.
وفي ‘الشروق’ في نفس اليوم أحس زميلنا عماد الغزالي بالاستفزاز فقال:
‘منذ البداية سعت منصة التحريض على العنف والكراهية، التي تم نصبها في ميدان رابعة، الى بث روح القبيلة بين المعتصمين بكل ما تنطوي عليه من تعصب وبداوة وإنكار واستكبار، قال لهم صفوت حجازي: ‘لا تصدقوا إلا ما تسمعوه هنا، فكل ما خارج حشدنا هذا باطل’ وقال لهم آخر: ‘اعتصامنا قطعة من الجنة’ وقال لهم ثالث: ‘حشدنا يصلي ويذكر الله وحشودهم غارقة في الفسق والمجون’، وقال لهم رابع: ‘قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار’. وفي أجواء القبيلة المنغلقة فإن الصوت الغالب هو الأكثر ديماغوجية وهوساً، فالقبيلة تواجه خطراً داهماً يهدد وجودها في الصميم وعلى جميع أفرادها أن يهبوا دفاعاً عنها’.
امريكا لن تسمح ببناء محطات
مراقبة فضائية روسية على اراضيها
ونبقى في نفس موضوع العلاقات المصرية السورية لننتقل الى جريدة ‘الوفد’ في عدد امس الاربعاء ونقرأ للكاتب حازم هاشم مقالا بعنوان ‘مصر المستقلة تلقي بالكرة في الملعب الأمريكي’ يقول فيه:
‘أثق في أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسكت على ما حاق بها مما أسميه ‘هزيمة’ للسياسة الأمريكية تجاه مصر، وأؤكد ان أمريكا لن تسكت على هذه ‘الهزيمة’ السياسية التي أنزلتها الإدارة الأمريكية ببلادها، نتيجة لإغراء الضغوط التي توالت على مصر منذ ثورتها في 25 يناير 2011 وحتى اليوم. لكن ثقتي في أن أمريكا لن تسكت على هذه ‘الهزيمة’ التي انتصرت فيها الإرادة المصرية المستقلة باتجاهها صوب ‘التعاون الحميم’ مع روسيا القطب العالمي القوي حالياً، وما تمثله روسيا من ثقل دولي جراء اتساق سياستها مع الحليف الصيني، والضغوط التي يمكن ممارستها من جانب روسيا والصين على سياسات أمريكا في المنطقة، خاصة في سورية وغيرها، ولكن ما أكد صدق حدسي في أن أمريكا لن تسكت، أن ما بدأت أمريكا في ممارسته لتدارك ما جرى لها مع مصر، هذا التقرير الذي حررته الزميلة فكرية أحمد فأشارت فيه اشارة واضحة إلى اهتداء الولايات المتحدة إلى ‘العقاب’ الذي تتصور امكانية إنزاله بروسيا جراء ما أقدمت عليه من استعادة علاقتها الحميمة مع مصر في شتي المجالات، وأخطرها- كما رأت الولايات المتحدة- هذا التعاون العسكري الذي قدم به رئيس المؤسسة الروسية لتصدير الأسلحة لمصر، من مروحيات قتالية وأنظمة دفاع جوي، وصيانة وتحديث المعدات العسكرية الروسية التي تم توريدها سابقاً على عهد الاتحاد السوفييتي- روسيا الاتحادية الآن- لكن ما أدركته أمريكا من خطر يستلزم سرعة احتوائه – بناء على توصيات للبنتاغون والمخابرات المركزية الأمريكية – بعدم السماح لوكالة الفضاء الروسية ببناء محطات مراقبة فضائية لمنظومة ‘غلوناس’ الروسية على الأراضي الأمريكية، وفيما رأت أمريكا ان روسيا يمكنها استغلال هذه المحطات في التجسس على أمريكا ونقل المعلومات إلى ‘أصدقائها الجدد’، في اشارة إلى مصر بالطبع، مما قد يمثل خطورة على الدول الصديقة لأمريكا، وتعني إسرائيل أولاً، وقد تساهم هذه المحطات في زيادة دقة الصواريخ الروسية الموجهة إلى دول أخرى، ورأى بعض أعضاء الكونغرس انه لا يجوز- رغم الموافقة الأمريكية السابقة على طلب الروس- وليس من مصلحة أمريكا في الوقت الحالي- يقصد علاقات روسيا الجديدة مع مصر- تمكين منافس للنظام الفضائي الأمريكي بالوجود على الأراضي الأمريكية’.
د. محمود السقا: ‘للمرة
المليون – إحنا رايحين فين؟’
وفي نفس العدد من جريدة’الوفد’ يستغيث الدكتور محمود السقا بصوت عال قائلا:’ مصركم تنادي النجدة.. النجدة يا اولادي’:
‘لم أجد تعبيراً يسجل وبصدق ما يدور على الساحة المصرية من تساؤلات حائرة، وأوضاع مملوءة بالشك دون اليقين، وعادت الحيرة في شدها ما يتردد على كل شفاه وفي كل الأوساط، عمالاً ومثقفين وأهل فكر وفي مقدمتهم القائمون على التخطيط في هذه الآونة من مسؤولين، ثم ما نقرأه ونجده في شتى وسائل الاعلان والاعلام من أمور وصلت الى ‘المجهول’ نعم كلما تقدمنا بالفكر مرة، وبحسن النيات مرات إذا بالغموض والابهام وعدم وضوح الرؤية يطل على السائلين: ‘إحنا للمرة المليون – إحنا رايحين فين؟’.
لندع المشاكل الحياتية والمادية، من زحمة غير مسبوقة في العالم أجمعين زحمة المواصلات، والغلاء المسعور في قوت الفقراء والمساكين، ومواد الحياة اليومية من ‘صاحبة العصمة.. أنبوبة البوتاجاز’ وغيرها وغيرها، وليس هذا هو المطلوب من وراء هذا الحديث: وإنما السؤال الجوهري الذي وجب أن يكون عنه الحل جاهزاً.. هو: الحكومة المؤقتة، هل هي فعلاً مؤقتة، وإلى متى، وهل هي بما نراه ونشعر به يمكن أن تكون مؤبدة.. ولماذا أطلق عليها الشعب الحنون ‘بالأيدي المرتشعة’.. ولماذا ولماذا لم نجد حلاً ايجابياً عما يدور في وجدان الجماهير عن الطمأنينة في المستقبل السعيدن الذي انتظرناه من وراء الغيب عقب الثورة الناجحة، ثورة 30 يونيو المجيدة، ومعها كنا نتصور أن ‘الفردوس الموعودة’ قد دانت لنا..
وماذا عن ‘الانتخابات البرلمانية القادمة متى وتحت أي مسمى؟ وعن الدستور وما استمعنا إلى أوجه الخلاف المتعددة في الوصول الى دستور يتفق وعظمة الثورة والثوار وهدية من الشعب الى دماء الشهداء’.
رتم الحياة يمشي بخطى غير ثابتة أو قوية، أو كما قيل عن كبريائها: ‘واثق الخطوة يمشي ملكاً.. ولا حديث عن هذه الجرائم التي جاءت غريبة عن ديارنا ولم تكن في أي حقبة من حقب الزمان بهذه الصورة البشعة التي نقرأ عنها صباح مساء.
المهم: على القائمين بالأمر في هذا البلد أن يسرعوا الخطوة لتصل الأمة الى أهلها.. أي إلى الشعب وهو صاحب السيادة والعصمة الأبدية في يمينه.. حتى ننقذ مصر الحبيبة التي تنادينا صباح مساء.. حتى يطل علينا الفجر الوليد، مع عهد سعيد، نرى فيه الخير والنماء ومعها تشرق الأرض بنور ربها وحتى تنتهي التساؤلات الحزينة: ما بال حكامنا المؤقتين لا يبتسمون؟
هل أتت حقا وصدقاً الثورتان الأولى ثورة يناير، والثانية ثورة يونيو أكلها وثمارها بعد حين؟ ومازالت الاجابة حائرة ومجهولة’.
الناس تهمهم كرامتهم
أكثر مما يهمهم رغد العيش
ومن ‘الوفد’ الى ‘الشروق’ ومع الكاتب فهمي هويدي و’شيء اسمه الكرامة’:’ في أحد اجتماعات مؤتمر دافوس الذي عقد عام 2005 بالبحر الميت (الأردن) لمناقشة سبل إنجاح السلام وتحقيق التعاون الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية، كان المشاركون مجموعة من رجال الأعمال والسياسيين العرب والإسرائيليين. وخلال الاجتماع تركزت المناقشة حول عملية الإعمار المقترح تنفيذها لإنعاش الضفة الغربية. وجرى الحديث عن مشروعات للإسكان وخطط للتنمية الصناعية والزراعية، وما يمكن أن يترتب على تنفيذها من عمالة وزيادة في الصادرات ورواج فى الأسواق. وفي ختام الجلسة التي أثير فيها الموضوع، طلب الكلمة افريام سنيه الذي كان آنذاك نائبا لوزير الدفاع الإسرائيلي. وشغل قبل ذلك منصب الحاكم العسكري للضفة أثناء الانتفاضة الأولى عام 1987. ومما قاله إن المناقشات التي جرت أثارت عديدا من الموضوعات المهمة، لكنها جرت فى الاتجاه الغلط. وشرح للجالسين أنه أثناء توليه منصبه في الضفة كانت الأوضاع الاقتصادية في أحسن أحوالها، وبلغ الانتعاش في المجتمع الفلسطيني ذروة لم يبلغها من قبل، حتى منذ العهد العثماني، الأمر الذي يعني أن الناس لم يكونوا يعانون من قسوة الضغوط الاقتصادية وأعباء المعيشة، ومع ذلك انفجر غضبهم بشكل عارم فاجأ السلطة الإسرائيلية.
(في 8 ديسمبر من ذلك العام دهست شاحنة يقودها إسرائيلي سيارة كان يستقلها عمال فلسطينيون من جباليا، فقتلت أربعة منهم وجرحت آخرين، وأثناء جنازتهم قام المشيعون بإلقاء الحجارة على موقع للجيش الإسرائيلي فى جباليا، وكانت تلك الشرارة التي أطلقت ما عرف بانتفاضة الحجارة التي فجرت بركان الغضب في الساحة الفلسطينية من الضفة إلى القطاع).
ختم الجنرال سنيه حديثه بقوله إن الاقتصاد مهم للغاية، لكن الكرامة أهم منه عند الناس. وينبغى ألا ينسى الاقتصاديون والسياسيون هذه الحقيقة التي تعلمها هو من انتفاضة عام 1987. إذ الأكيد أنه لم تكن هناك مشكلة اقتصادية حقيقية في الواقع الفلسطيني، ولكن المشكلة كانت في شعور الناس بأن الاحتلال الإسرائيلى أهانهم وأهدر كرامتهم. من ثم فالتحدي الحقيقي والاستقرار الحقيقي لن يتوافر فقط من خلال إنجاح مشروعات التنمية الاقتصادية، ولكن مفتاح الاستقرار الأكبر يكمن في إشعار الناس بأن كرامتهم محفوظة وأن كبرياءهم محل الاحترام.
حين سمعت القصة من بعض شهود الاجتماع لم يضايقني فيها سوى أنني وجدت نفسى متفقا في الرأي لأول ــ وربما آخرــ مرة مع كلام مسؤول إسرائيلي. حتى قلت إن الرجل كان صادقا وأمينا في ما قاله وأنه وضع يده على نقطة بالغة الأهمية، تتجاهلها حكومة إسرائيل ويتجاهلها كثيرون من أهل السياسة، الذين يحاولون تجنب غضب الجماهير وامتصاص نقمتهم عن طريق استرضائهم بإغداق الأموال والعطايا عليهم، وينسون أن الناس تهمهم كرامتهم بأكثر مما يهمهم رغد العيش الذي يراد لهم أن ينشغلوا به.
في التجربة الجزائرية درس من هذا القبيل. ذلك أن بعض الحكام الفرنسيين تصوروا أن ثورة الجزائريين يمكن أن تهدأ إذا ما قامت سلطة الاحتلال بتنفيذ مشروعات الإسكان والتنمية، وظلوا لسنوات طويلة يتحدثون عن الجهود التي يبذلونها لحل المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الجزائريون، إلا أن بصيرة الجنرال شارل ديغول جعلته يدرك أن مشكلة الجزائر تحل باستقلال البلاد ورحيل فرنسا، أي من خلال إعادة الكرامة للجزائريين. وهو ما تحقق في عام 1961.
ثمة لغط في أوساط بعض المثقفين الخليجيين حول هذه المسألة. وسمعت من بعضهم كلاما متواترا عن العطايا والمزايا التي تغدق عليهم بين الحين والآخر، وكيف أنها تلبي لهم أشواقا وطموحات كثيرة، ليس من بينها حقهم في الكرامة. الذي يرونه متمثلا في حظهم من المشاركة والمساءلة، وفي الاحتكام إلى قانون يخضع له الجميع بلا استثناء، وفي التعامل معهم كمواطنين لهم صوت وليس كرعايا ليس أمامهم سوى الامتثال والخضوع.
تحضرني قصة تجاهل مسألة الكرامة هذه كلما طالعت في الصحف المصرية أخبار الإغراءات والعطايا التي تعرض في المناسبات المختلفة على أهالي سيناء. وهي التي تتراوح بين هدايا الأغذية والخيام والبطاطين وبين وعود مشروعات التنمية التي يلوح بها المسؤولون في الحكومة المصرية بين الحين والآخر. ولا يشك أحد في أن ما يقدم إليهم أو ما يوعدون به يلبي احتياجات قطاعات عريضة من أبناء سيناء، لكن ذلك كله لا يعوض الكرامة التي يفتقدونها، في ظل عمليات القمع والسحق التي يتعرضون لها من جانب الأجهزة الأمنية التي تتعامل معهم بخشونة مفرطة لا تميز بين الأبرياء والمذنبين، وتعتمد سياسة ‘التمشيط’ والتجريف التي تطيح بكل ما تصادفه وتعرض كثيرين لخسائر فادحة وإهانات لا ينسونها. وهو يشعر الناس بالهوان والانكسار، ويخلف ثأرات عميقة بينهم وبين السلطة وممثليها.
إن إشباع البطون والغرائز يرضى الحيوان في الإنسان، ووحده الحفاظ على الكرامة هو الذى يشعر الإنسان بإنسانيته”.