أحد أبرز المواضيع التي يمكن أن تلفت انتباه الكثير من المتابعين للشأن العربي، هي مسألة السلوك القمعي المتبع من قبل الأجهزة العسكرية والأمنية الرسمية ضد المجتمع المدني. هذا السلوك ليس جديدا، فسجلها المتعلق بتعذيب، اضطهاد، اغتيال، قتل، سجن، اغتصاب، ملاحقة وانتهاك حقوق المواطن حافل ومديد. منذ أن تشكلت هذه الأجهزة بمفهومها الحديث، بما فيها أجهزة المخابرات، لم تمثل الحريات وحياة الإنسان وكرامته قيمة حقيقية بالنسبة لها، لذا منذ البداية أضحى هذا النوع من السلوك المزري المهنة المفضلة لكثير من التابعين لها، رغم ما يُصرح به من أهداف متعلقة بحماية الأمن والسلم العام، الحفاظ على الاستقرار ومواجهة كافة النوايا العدوانية الداخلية والخارجية. على أرض الواقع الأمر يختلف جذرياً، فما هو معروف عن هذه الأجهزة هو ندرة التزامها بأبسط الحقوق المدنية وعدم تسجيلها انتصارات فعلية تستحق عليها الثناء.
الأساليب القمعية للأجهزة العسكرية والأمنية أضحت أكثر شراسة ووضوحا بعد انطلاق شرارة الثورات في عدد من الدول العربية. من خلال هذه الاحداث أثبتت معظم الجيوش والأقسام الأمنية فعلاً لا قولاً بأنها خلقت لحماية أنظمة الحكم وقمع المجتمعات بكافة شرائحها، وليس من أجل الدفاع عن المواطن وحدود الوطن، كما يزعم. ولقد برعت بجدارة في تأدية وظيفتها المخزية والبشعة على أكمل وجــــه، في الوقـــت التي فشلت تماماً في أدائها الخارجي، الذي يمكن أن يوصف دائماً بالمتدني وغير المُشرف. فعلا، لا هي تمكنت من ردع أو صد العدوان، ولا احـــترمت أو فرضت احترام المواطن في الداخــــل والخارج، إضافة لكونها أجهزة ذات تكلفه باهظة لما تهدر من أموال تفوق بكثير المخصصة لمؤسسات رسمية ذات أهمية وطنية بالغة، مثل التعليمية، الاجتماعية والصحية. هذه الأموال تقطع من مدخرات الشعب، خاصة الطبقات الأكثر معاناة وبؤسا، والتي هي هدف قمعها الرئيسي.
حقاً يذهل الإنسان حين يرى كيف يتجرأ المنتمون لهذه الأجهزة بتصويب بنادقهم اتجاه شباب لا يحملون سوى يافطات، أفكار ومطالب شرعية. مع ذلك، لا يتأنى أحد منهم لحظة قبل اطلاق الرصاص عليهم وعلى آمالهم وأمانيهم.
تطلق الرصاصه الأولى لكي تقــــتل والــــتالية ليتم التأكد فعلاً أنهم قتلوا. عدم التوازن بين الفعل ورد الفعل والاستخدام المفرط للقوة شيء أكثر من معيب ومخجل، أو على الـــأقل هكذا يجب أن يكون لمن قسم يمين الولاء للوطن وللمواطن بشهامة وكبرياء.
ويبهر الجميع حال وصف ما تقوم به داخل ثكناتها وسجونها السرية من عمليات تنكيل، تصفية وأهانة لكل من شارك أو تضامن مع الشباب والشابات في ثورتهم. مثل هذه الافعال لا تدل على البطولة، النزاهة، رباطة الجأش أو الشهامة التي يجب أن يتحلى بها الجنود ورجال الأمن، بل تعبر عن درجة الانحطاط والوحشية التي وصل لها من يفعل أو يأمر بمثل هذه التصرفات النكرة. كذلك يظهر جليا غياب ثقافة الحقوق والواجبات والنهج الديمقراطي في علاقتهم مع المدنيين وفي ما بينهم.
بوسع البعض أن يتساءل هنا، لماذا يقتل ويعذب وينتهك العساكر ورجال الأمن حرمات وحقوق المدنيين، وبالتحديد من لم يرتكبوا أي جرم يجعلهم يستحقون الوقوع تحت طائلة القانون والعقاب. هل حقاً بحكم واجب إطاعة التعاليم، حماية النظام، الحفاظ على الاستقرار وهيبة الدولة، أم لاعتقادهم بانهم غير خاضعين للمساءلة القانونية، أم نتيجة جهل وبغض دفين على الوطن أو على قسم منه، أو لعدم شعورهم بالسعادة والرضا، وبالتحديد المالي، والرغبة في رؤيته مدمرا، كما هي نفوسهم مدمرة اضافة الى هشاشة تعاليم العقيدة العسكرية الملقنة؟ كل الاحتمالات واردة بما فيها عدم تقيمهم لحياتهم قبل حياة غيرهم، بل وكل واحدة منها يمكن أن تكون أكثر من كافية لكي تدفع البعض منهم الى القتل والتعذيب بدم بارد وبدون هاجس أو رادع. هذا بدون أن يُغفل دور ثقافة العنف السارية، التي تربوا عليها خلال مختلف مراحل الحياة المدنية والعسكرية، زيادة على عدم إيمانهم بالحريات وحق المواطن في الكرامة والعيش. وفي النهاية، لوقوعهم تحت تأثير علاقة المصالح التي تخلط وتربط بين القيادات السياسية والعسكرية، والتي من المفترض أن لا تتجاوز تلك الصلاحيات المحددة، لان حال حدوث ذلك من يدفع الثمن هو المجتمع بكافة أطيافه.
في كل الأحوال، من الافضل للجندي ورجل الأمن عدم الانصياع للأوامر لئلا يتحول لمجرم قاتل، جراء ذلك من غير المستبعد أن يعاني يوماً ما من مثل هذا السلوك وأن يتأثر بما شاهده من عمليات تنكيل، قتل وتعذيب همجي. علماً بأنه ليس هنالك مخلوق لا يملك ضميرا.
حتى المحترف مهـــنة القتل تراه يفكر ويتدبر قبل أخذ قرار سفك دم غريمة، بل ويمكن أن يتراجع عن فعلتــــه خوفاً من أن تدور عليه الدوائر. فكيف بالعسكر ورجــــال الأمن، الذين هم قبل كل شيء مدنيون مثل غيرهم، ومن المفترض أن يكونوا قد تدربوا على التحكم في سلوكهم والتصـــرف بأنجع السبل السلمية والحضارية، وأن يكونوا على يقــــين بأن المؤسسة التــي انتموا لها وجدت لتخلق نوعا من التوازن العام، تـــحافظ على السلم وتمنع كل ما يمكن أن يؤدي إلى زيادة وتيرة الصراعات. على اساس ذلك يفترض أن يكون قد انخرط كل من يعشق العمل في المؤسسات الرسمية وتمنى يوماً من خلالها خدمة شعبه بصدق وإخلاص.
كل ما يقع من تصرفات خارج نطاق ذلك وبسياق دولة القانون هي ممارسات مرفوضة ومنبوذة، غير مفهومة أو مقبولة ونتائجها غير محمودة. ممارسات تجعل من القائمين عليها حفنة من المليشيات المشكلة بهدف ترويع وإزهاق أرواح وأملاك البشر. حين يعتقد المواطن أن الأجهزة العسكرية والأمنية تحولت وأصبحت تلعب مثل هذا الدور، على حساب الأدوار المناط لها، تراه يتمنى، حال انطلقت الثورة، رؤيتها مدمرة ومشتعلة كافة المعالم التي ترمز لها، بنية تصفية الحسابات وإشباع رغبة الانتقام ممن اشاعوا الهلع والرعب يوماً في ربوع الوطن. حينها لا ينفع العسكر ورجال الأمن قوتهم، بل العكس تصبح هذه سلاحا فتاكا ضدهم، يحاول المواطن والشرفاء منهم الاستيلاء عليه وتصويبه نحو من تجاوزوا بظلمهم المدى.
أمام هذا الوضع، لا يبقى لهؤلاء سوى التشرذم، التفكك والاختفاء. يتلاشون ويبقى المجتمع قائما فوق اطلالهم. يندبون متأخراً ما فعلوا. هي هكذا جدلية العلاقة بين العسكر ورجال الأمن من جهة والمجتمع المدني من جهة أخرى. تدور فجأة ومن دون سابق انذار حين تتسلط الجهة التي تغتر بغباء بقوتها على من تعتقد خطاً بأنه الجهة الأضعف، فتنقلب الآية وتتضح الأمور ويعرف كل حقيقة قوته. حالياً هذا هو واقع الحال بعالمنا العربي، واقع قائم على مقولة ‘من السهل عسكره المدنيين ولكن من الصعب تمدين العسكريين’.
‘ كاتب فلسطيني- إسبانيا