تعمدتُ وضع هذا العنوان الغامض والمتناقض، لأنه أقرب ما يكون لحال تركيا اليوم.
كثير من المتابعين لما يجري في منطقة الشرق الأوسط خصوصا والعالم العربي عموما، أُخذوا بفكرة أن تركيا دولة استثنائية ولاعب محوري في المنطقة لا غنى عنه في التاريخ والجغرافيا والسياسة.
للوهلة الأولى يبدو الانطباع قويا وسليما لا يرقى إليه شك: فما أن تـُذكر سورية حتى تقفز لتنافسها في الذكر تركيا. وما أن تُـذكر غزة حتى يقفز للذهن ‘الدور’ التركي في محاولة خرق الحصار المضروب عليها. وما أن يـُذكر العراق حتى تبرز معه تركيا. وما أن تـُذكر إسرائيل حتى تترادف معها تركيا. وكذلك الحال، وإن بدرجة أقل، مع اليمن وليبيا والسعودية وغيرها من الدول.
لكن هل الواقع هو فعلا كما في الخيال أو في الصور النمطية الجاهزة إعلاميا وسياسيا؟
تركيا من الدول القلائل في العالم التي يصعب الفصل بين سياستيها الداخلية والخارجية. فالأولى تصنع الثانية والأخيرة تؤثر مباشرة في الأولى. لهذا صنع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان مجده السياسي على إنجازاته الخارجية، وأفاد بتلك الإنجازات مكانته الداخلية.
بنظرة سريعة على الخريطة تبدو الصورة مختلفة تماما.. إلى حد التناقض. لا إنجازات ولا قوة ولا نفوذ ولا هيمنة ولا تأثير، بل العكس هو الأقرب إلى الصحة.
تـركيا في وضع سياسي واستراتيجي لا تـُحسد عليه وربما لم تصله في الخمسين سنة الأخيرة. فأقل ما يقال عنها أنها دولة وحيدة معزولة مرتبكة محاطة بأعداء وخصوم، بعضهم لا يثقون فيها وآخرون يضمرون لها الشر، وعلاقاتها مع وسطها الطبيعي، اي الإقليم، هي، في أحسن الأحوال، فاترة. وفي أسوئها هي في حالة حرب.
تركيا تعيش حالة حرب غير معلنة مع سورية مرشحة للتطور الى قتال في أي لحظة. وهذه الحالة تستنزف الكثير من جهد أنقرة السياسي والأمني والاستخباراتي والمالي.. جهد كان يمكن أن تستفيد منه في مواضع أخرى.
تركيا غير آمنة على نفسها ومصالحها في لبنان، فهي على عداء مع شريحة واسعة من المجتمع السياسي والمدني اللبناني، بالخصوص الفئات المقربة من سورية. وتجربة خطف الطيارين التركيين الصيف الماضي ستظل درسا عليها تذكـّره باستمرار. كما أن الكثير من مصالحها التجارية والاقتصادية في لبنان معطلة أو تراجعت.
تركيا تعيش توترا مستمرا مع العراق كان سببه في البدء المشكلة الكردية ثم أُضيفت له قضية نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي اللاجئ في انقرة، وأخيرا الأزمة السورية ووقوف حكومتي بغداد وأنقرة على طرفي نقيض منها. كل ملف من هذه الملفات يكفي لإشعال حرب بين البلدين.
تركيا تعيش في حالة ريبة ـ متبادَلة ـ تجاه إقليم كردستان العراق وكل أكراد المنطقة، بسبب معاملتها الخشنة والقمعية لحزب العمال الكردستاني والأكراد الأتراك طيلة عقود خلت. احتقان سياسي وثقافي واجتماعي يتغذى من حقد دفين لن تمحوه قرون من الزمن.
من سخرية القدر أن تركيا هي الأكثر تضررا من إعلان أكراد شمال سورية في الاسابيع القليلة الماضية إنشاء مناطق إدارية خاصة بهم. آلمها ذلك أكثر مما آلم النظام السوري ذاته.
تركيا في حالة تنافس مع إيران من أجل الهيمنة على المنطقة. تنافس يجد عنوانه في الانقسام الذي يجتاح المنطقة بين سُنة وشيعة، لكن جذوره تمتد الى العداء التقليدي بين الدولتين الصفوية والعثمانية. وهو يتعزز اليوم مع ملامح تفوّق لطهران مع توصلها يوم الأحد إلى اتفاق نووي مع واشنطن. وبالنظر إلى صلة كل من أنقرة وطهران بالأزمة السورية، يسهل استخلاص أنهما على طرفي نقيض وأن سورية لم تترك للود مكانا بينهما.
علاقة تركيا مع مصر مأزومة بسبب دعمها الصريح للرئيس المعزول محمد مرسي واصطفافها الواضح مع جماعة الإخوان وما بات يسمى في مصر، منذ الثالث من يوليو، الشرعية. أكثر من ذلك، فهي علاقة متعدية إذ بسبب مصر ساءت علاقات تركيا مع دول الخليج فسحبت الإمارات استثمارات من تركيا بـ12 مليار دولار.
تركيا خسرت إسرائيل، فالدولتان في منزلة لم ترق إلى الحليفتين ولم تنزل إلى العداء. المعروف فقط أن الثقة مفقودة بين الدولتين والحكومتين رغم العلاقات الدبلوماسية المستمرة والاتفاقات الثنائية القديمة والحديثة. وهناك في كلا البلدين نداءات لا تتوقف بقطع العلاقات مع الآخر تتجلى بصراحة وجرأة أكثر في إسرائيل.
تركيا عجزت عن إقامة علاقات قوية مع الأردن. صحيح أن العلاقات غير متوترة، لكن لا أحد يجرؤ على وصفها بالجيدة. فالأردن الرسمي يعتبر أنقرة أقرب الى ‘إخوانه’ منه، وهذا شعور يكفي لتقليص حجم الثقة فيها. والقناعة الموجودة وإن لم يـُعبـّر عنها بعد في عمان، هي أن لا شيء سيمنع حكومة أردوغان من أن تنقلب على الأردن وتتحالف مع ‘إخوانه’ مثلما فعلت مع سورية ومصر وليبيا وغيرها.
تركيا عجزت عن إقناع الاتحاد الأوروبي بدفع ملف ترشيحها للعضوية فيه الى الأمام. وهذا العجز ولّد حالة من الاحتقان والشعور بالغبن بين الأتراك، وخصوصا المسؤولين الحكوميين الذين، لو تقدّم هذا الملف إيجابا، كان سيدخلهم التاريخ من أبوابه الواسعة. لكنهم لم ينالوا (بعد) هذه الفرصة والشرف.
الحكومة التركية تثير الارتياب الأمريكي بسبب الاشتباه في أنها تقيم علاقات من نوع ما مع المجموعات المتشددة المقربة من القاعدة في المناطق الحدودية مع سورية. ارتياب يجعل هذا الحليف القوي يتريث في التعاطي مع أنقرة خارج العناوين الكبرى مثل حلف شمال الأطلسي.
قبل ذلك، تركيا مثقلة بمشاكلها الداخلية التي أحد أسبابها المباشرة هذه الشبكة غير المريحة من العلاقات الدولية والإقليمية.
تركيا تواجه مشاكل تمويل دولي دفعتها إلى تأجيل مشروع إنجاز ما كان سيصبح أكبر مطار في العالم بمبلغ 22 مليار يورو وسعة 150 مليون مسافر في السنة. تأجيل وسط حديث في أنقرة عن ‘مؤامرة’ أوروبية بالضغط على البنوك. كما اضطرت الى تأجيل مشاريع بنى تحتية أخرى كان من المفروض أن تزيدها تقدما وافتخارا، ومنها تأخر تدشين أول محطة للطاقة النووية في البلاد.
تركيا اليوم هي أول بلد يسجن الصحافيين في العالم. وهي من أقل البلدان تسامحا مع الاختلاف والأقليات (الأكراد نموذجا. ولا يبدو أن ما اتخذته حكومة أردوغان من خطوات باتجاه التصالح مع حزب العمال الكردستاني قد شفع لها).
لكن هذه تبدو مشاكل ثانوية بالمقارنة مع شبكة العلاقات الإقليمية المعقدة، كما ورد آنفا.
النتيجة أن أردوغان، ومن ورائه حزب العدالة والتنمية، بدأ يفقد بريقه الشخصي والسياسي. النتيجة أيضا أن المجتمع التركي لم يعد منسجما مع حزب سياسي حاكم وفريق حكومي كما كان منسجما معهما طيلة العقد الماضي.
وقد تجلى ذلك في مظاهرات الصيف الماضي التي كان ظاهرها ‘ساحة تقسيم’، لكن باطنها أزمة ثقة ورفض للحكومة وسياساتها.
لقد التهمت الأزمة السورية الكثير من رصيد أردوغان الداخلي، بسبب القرب الجغرافي والانعكاسات السلبية المباشرة (انتشار ‘مجاهدي’ القاعدة، لاجئون، سيارات مفخخة، قصف حدودي، ضجر سكان المناطق الحدودية، تراجع التجارة البينية ونمو نوع آخر من التجارة والتهريب.. إلخ).
لو كانت سورية في قارة أخرى، ما كان أردوغان سيدفع هذا الثمن من شعبيته، بغض النظر عن حجم تدخله فيها وبغض النظر عن خطورتها ومأساويتها.
وقد التهمت الأزمة السورية من رصيد أردوغان أيضا بسبب اندفاعه الشديد في بدايتها، ثم الارتباك في سياسته تجاهها لاحقا، وعدم الوصول الى نتيجة تستحق الإشادة.
الأزمة السورية التي كان من المفروض أن تكون تاجا على رأس أردوغان لو أثمرت مثل ثورة 25 يناير في مصر ومثل ثورة تونس، تحوّلت إلى عبء يثقل كاهل الرجل في الحاضر ويلاحقه في المستقبل.
آخر ما بدأت تواجه الحكومة التركية، اتهامات من مواطنيها المنتمين للطائفة العلوية بأنها ‘طائفية’ في تعاطيها مع اللاجئين السوريين تفضل السُنة منهم على حساب العلويين الذين تتلصص عليهم وتشتبه في أن يكون لبعضهم صلة بنظام بشار الأسد.
وغنّي عن القول أن حكومة أردوغان لم تكن بحاجة الى ‘عدو’ داخلي جديد.. فمشكلة الأكراد وحدها تكفي وتفيض طالما بقيت معلقة بلا حل جذري شجاع.
تركيا لم تعد تخيف أحداً. وقد تحتاج إلى معجزة لحل مشاكلها المعقدة مع الإقليم، ما سينعكس بالتأكيد على وضعها الداخلي. ما لم تفعل، فإن أردوغان وحزبه على وشك ركوب قطار الخروج من التاريخ.
‘ كاتب صحافي من الجزائر