كان ذلك عام 1966، وكنت في صف البكالوريا. في تلك الأيام كان طلبة التعليم الثانوي في لبنان يخضعون للتدريب العسكري مرة في الأسبوع. وكان التدريب يجري في المدينة الرياضية، وهو كناية عن نظام مرصوص، مع بعض المعلومات الأولية التي تؤهل الطلبة للمشاركة في مخيم التدريب العسكري الصيفي الذي يستمر ثلاثة اسابيع، ويقام خلال سنتين متواليتين، الأولى عامة وتتم في ضهر البيدر، والثانية للاختصاص وتتم في ثكنات مختلفة.
لا ادري ماذا كانت فلسفة التدريب تلك، فلا نحن تعلمنا القتال، ولا تمتعنا بفضيلة الانصهار الوطني. بل ان اجواء التوتر الايديولوجي كانت تنعكس على المعسكر، فالوسط الطلابي اللبناني كان يموج بالتيارات السياسية الجديدة، مع نهوض كبير شهده اليسار بشقيه الشيوعي والجديد.
اذكر ان المعسكر انشق في السنة الثانية بشكل اخاف الضابط المسؤول عن معسكر التدريب على سلاح الاشارة، في ثكنة حمانا. فالمشاحنات بين الطلبة اليساريين وطلبة حزب الكتائب، وصلت الى ذروتها بحيث انشق المعسكر الى نصفين، وكادت تبدأ المصادمات. يومها فرحنا نحن اليساريين بأننا نشكل جسما كبيرا في المعسكر، ولم نتنبه الى ان سبب انتفاخ جسمنا كان المرض الطائفي اللبناني، اذ انحازت اكثرية الطلاب المسلمين الى صفنا، بسبب كراهيتهم للكتائب، وكانت هذه هي البداية الفعلية لتجربتي الشخصية مع الحرب الأهلية التي ستعصف بلبنان بعد تسع سنوات من ذلك التاريخ.
الحكاية التي سأرويها لا علاقة لها بالتوتر الذي جرى في المعسكر، بل بعلاقتنا نحن الطلبة بعنزة عيد الاستقلال.
في احد ايام اواخر تشرين الأول/اوكتوبر عام 1966، وبينما كنا نتدرب على المشية العسكرية، اوقفنا المدرب في طابور دائري، والقى علينا خطبة عصماء، عن ذكرى الاستقلال التي ستحل بعد أقل من شهر، وقال متفاخرا انه وقع الخيار عليه كي يقود طابورا من الطلبة في العرض العسكري الذي كان يقام في شارع فؤاد الأول القريب من المتحف الوطني. قال انه اختارنا كي نكون طليعة ذلك الطابور، وانه ستوزع علينا ثياب عسكرية نظيفة، وسوف نحمل البنادق الانكليزية، التي كانت عماد سلاح المشاة في الجيش اللبناني، ونمشي في الطابور. وبدأ يشرح لنا بجدية متناهية كيف يجب ان ندير رؤوسنا تحية لرئيس الجمهورية، عندما نصل الى مواجهة المنصة الرسمية.
فرح اكثرية الطلاب بفكرة انهم سيظهرون على شاشة التلفزيون، وبدأ التدريب الجدي، وارتفع صوت المدرب بالشتائم عند اقل هفوة.
وبعد ثلاث ساعات من التدريب المضني على ضبط المشية العسكرية، بدا الاعياء على وجه الرجل، وظهرت علامات الاستياء على عينيه، وقال ان لا امل فينا. ‘جيل لا ينفع’ صرخ، وهددنا بفرض العقوبات التي تبدأ بالزحف وتنتهي في السجن. لم نفهم سبب انزعاجه، لأننا بذلنا جهدا حقيقيا كي نبدو جنودا كالجنود.
اعلن المدرب استراحة قصيرة قبل ان يوقفنا في الطابور الدائري كي يشرح لنا من جديد المسؤولية الوطنية التي القيت على عاتقنا، قال انها وصية الأمير- اللواء، وكان يقصد رئيس الجمهورية السابق اللواء فؤاد شهاب، الذي اراد ان يرى ابناءه وقد صهرهم حب الوطن، ثم اخبرنا اننا سنكون في عداد لواء المشاة في العرض، بل انه اقترح ان نكون طليعة هذا اللواء، واشار الى ان التقليد العسكري اللبناني يقضي بأن تمشي طوابير المشاة خلف عنزة، لأن العنزة هي رمز وحدات المشاة في الجيش اللبناني. هنا سأله احد الطلبة اذا كانت العنزة تطيع الأوامر، وقال آخر انه لا يستغرب ان تخرج العنزة عن الطابور اذا رأت عشبا أخضر، وبدأ المزاح، وانفجر الضحك.
لماذا لا تمشي العنزة بيننا؟ قال احدهم. هل سنأكل العنزة بعد العرض العسكري؟ ام انها مخصصة للرئيس؟
فجأة انهارت الجدّية، وتحول طابورنا العسكري الى حلقات من النكات والضحك.
‘العنزة افضل منكم، لأنها تتحلى بروح انضباطية تفتقدونها’، صرخ المدرب، وامرنا بالزحف على الاسفلت. اذكر اننا زحفنا طويلا حتى تهرأت اكمامنا، ثم امرنا بالانصراف.
اغلب الظن ان قيادة الجيش صرفت النظر عن مشروع مشاركة الطلبة في العرض العسكري خوفا على هيبة المؤسسة العسكرية. كنا جيلا اكتشف الخيبة من نظام الطوائف المغطى بعظامية سعيد عقل الرمزية، ولم يكن من الممكن ضبطنا كي نمشي على ايقاع عنزة قيل ان مرقدها في جبل لبنان هو حلم الناس في كل العالم.
ارتبطت العنزة برؤيتنا للبنان الذي كان على وشك ان يبدأ رحلته الى احتضاره الطويل. لذا فوجئت في ذكرى الاستقلال السبعين الذي جرى منذ ايام في بيروت، باصرار اركان الدولة على الاحتفال واقامة عرض عسكري بعد كل هذا التفكك الذي يضرب مفاصل بنية الدولة اللبنانية.
قلت في نفسي هل يُعقل ان يتم ترميم هيبة الدولة بعرض عسكري؟
الحقيقة ان هذا الترميم يثير الأسى. السخرية التي واجهنا بها مدربنا عام 1966، كانت ابنة حلم بالتغيير، من اجل الانتهاء من نظام طائفي خانع وممل. اما الأسى اليوم فهو بسبب البديل الأكثر طائفية ووحشية الذي انتجه نظام الطائف، بحيث صار لبنان مِزَقا، وصارت الطوائف الرئيسية مجرد صدى لكلام اسيادها الاقليميين.
حتى خلال اكثر لحظات الحرب الاهلية سوادا، كنا قادرين على السخرية من انفسنا، اما اليوم، وبعدما تحول لبنان اداة مطلقة في ايدي القوى الاقليمية، وبعد نذر شؤم الحرب السنية – الشيعية التي لا ضوابط لها، حيث تُمتهن الكلمات وتُذل الأفكار، فاننا والله نشتاق لعنزة مدربنا التي سخرنا منها. فالعنزة اكثر رحمة من هذه الوجوه الكالحة التي تقتل بلا رحمة.
لم اتفرج على العرض العسكري لأنني خشيت من ان لا تأتي العنزة لتقود طابور هيبة الدولة.
لا عنزة ولا هيبة، ما هذا الوطن؟
وهل سيكون حصاد التجربة اللبنانية مع الحروب هو ان نتأقلم كي نعيش في ارض بلا وطن ولا عنزة؟