لا يعرف الأديب الفيلسوف محمود أبو الجدايل أن أسرة أبو الجدايل تنحدر في أصولها التاريخية إلى نسل قابيل بن آدم، وأن تعدادها يفوق الملايين، وأن أفرادها يتوزعون في كافة أرجاء الأرض، ولا تكاد تخلو دولة في العالم من أسرة لا تعود في جذورها لهذه العائلة، حتى نوح نفسه وأولاده سام وحام ويافث ينتمون في الغالب، لهذه العائلة المبجلة، التي جاءت منها البشرية بعد الطوفان العظيم الذي أغرق وأفنى الكائنات ولم ينج منها إلا اسرة نوح وما حملته السفينة العظيمة ! أبوالجدايل الأول الذي سبق نوح ببضعة أجداد ينتمي إلى الجيل الثالث والعشرين لأحفاد قابيل، وهو أول آدمي ضفر شعره في جدائل دون أن يعرف اسم الجدائل حينذاك كونه لا يعرف لغة، غير أنه وفيما كان جالسا في ظل صخرة على شاطيء الأردن ويعبث بشعره الطويل وجد نفسه يضفرخصلة من شعره في جديلة راقت له فراح يضفرشعره كله، وحين شاهدته أم الجدايل الأولى بشعره المضفور، لولوت (لأنها لم تكن تعرف الزغردة) ونزعت ورقة التين عن فرجها ودنت من أبي الجدايل حاثة إياه على مواقعتها لتكتمل البهجة. حناها أبوالجدايل في ظل الصخرة وواقعها وقوفا وهي تتفوه صارخة بأصوات عجيبة قاصدة أن ينكحها بعنف أشد ! تعلم أبناء القبيلة ضفر الشعر الذي انتشر في بلاد الشام كلها قبل أن ينتقل إلى آسيا وأوروبا وإفريقيا في أوقات متقاربه. غير أن الإكتشاف الأهم لأبو الجدايل الأول لم يكن ضفر الشعر بل اكتشاف النار ! فبينما كان يطارد ظبيا بالحجارة الصوانية في منحدرات هضاب البحر الميت، لمح دخانا ينبعث من كومة أعشاب جافة على أثر قذفه لحجر صوان أخطأ الظبي. توقف عن مطاردة الظبي واقترب من الدخان وراح يتأمله متفكرا. بدت له شعلة نار خفيفة راحت تنتشر في كومة العشب، شعر بحرارتها فمد يده نحوها ليحس بالحرارة أكثر. أخذ من جانبه قليلا من العشب الجاف وألقاه فوق النار. انتابه فرح لا يعرف كنهه. ‘كيف حدث هذا ؟’ رأى الحجر الذي قذفة إلى جانب حجر آخر. راح يفكر، لم يجد سببا إلا اصطدام الحجرين. وما لبث أن أخذ الحجر وضربه بالحجر الآخر. لم يحدث شيء، فالضربة لم تكن قوية بما يكفي لتحدث شررا. حمل الحجر المضروب بيسراه وحمل الآخر بيمناه وراح يضرب الآخر به. أحس بشرر خفيف ينبعث .وضع الحجر المضروب بين كومه من الأعشاب وراح يضربه بالآخر. رأى شررا خفيفا يصطدم بالعشب ويحدث شعلة دخانية صغيرة لا تلبث أن تنطفىء. أدرك أن طريقته في إحداث شرر من الحجرخطأ. راح يفكر في الطريقة التي قذف بها الحجر وكيفية اصطدامه بالحجر الآخر التي أحدثت شررا أشعل هذا الشيء. لم يكن ضوء النهار يساعده على مشاهدة الشرر. أخذ الحجر المضروب بيسراه وأخذ الآخر بيمناه وضرب به الآخر بطريقة قدحية وهو يقربه من كومة الأعشاب بحيث يخرج الشرر في اتجاهها. قدح مرة وثانية وثالثة وظل يقدح بكل ما اوتي من قوة إلى أن رأى النار تهب في كومة الأعشاب. تنفس للحظات جراء التعب الذي بذله في القدح وشرع في الضحك. ونهض وراح ينط ويقفز وهو يضحك بصوت مجلجل ويؤتي أصواتا عجيبة. سمعه أبناء القبيلة الذين كانو يتفرقون في الأخاديد والسفوح يطاردون الحيوانات. أدركوا أن في الأمر شيئا. وأقبلت أم الجدايل تركض منحدرة من سفح هضبة وضفائرها تلوح على كتفيها وظهرها، فقد راحت تضفر شعرها بعد أن علمها أبو الجدايل ضفر الشعر، فكانت أول امرأة في التاريخ تضفر شعرها .. وحين بلغت أبو الجدايل قبل أن يبلغه الآخرون انتابتها دهشة عجيبة وهي تنط وتتقافز حول النار، التي راح أبو الجدايل يغذيها ببعض الأغصان والجذوع الجافة. وحين وصل بعض أفراد القبيلة راحوا ينطون ويقفزون بدورهم سائلين بحركات انفعالية وأصوات جعجعية أبو الجدايل عن الطريقة التي أحدث بها هذا اللغز المحير. راح أبو الجدايل يزهو باكتشافه العظيم ويشير بيديه ويصوت من حنجرته طالبا إليهم أن يجمعوا أعشابا وحطبا، وما لبث أن جثا على ركبتيه وراح يقدح الحجرين ببعضهما في قدحات سريعة متتالية نحو كومة العشب والحطب. هبت النار في العشب وراحت تتأجج .. تعالت صرخات أبناء وبنات الجدائليين وراحو يتقافزون وينطون، وتمايلت أم الجدايل في قفزها وحركاتها لتحدث نوعا من الرقص. راح الجدائليون يقلدونها.فتمايلت نهود الجدائليات واهتزت على صدورهن وسقطت أوراق التين والتوت عمن كن يضعنها. وتلوى الرجال بأجسادهم وهم يبتكرون حركات جديدة في تقافزهم ليغدو رقصا. راح الجدائليون يبحثون عن حجارة تحدث شررا. ولم يكن الأمر سهلا، فلم تكن الحجارة كلها تحدث شررا يشعل نارا، لكنهم تمكنوا في النهاية من العثور على الحجارة المطلوبة بحيث أصبح الجميع يملكونها. أمضى أبو الجدايل الأيام الأولى لاكتشافه النار، في الطريقة التي سيفيد بها من هذا الإكتشاف الهائل، فكان هاجسه الأول أمنيا، فكر بإشعال النار ليلا أمام الكهوف التي يلجأون إليها حتى لا تجرؤ الوحوش على مهاجمتهم وهم نيام. تعب بعض الشيء وهو يحاول افهام الجدائليين بأصوات خرساء وحركات إيحائية تمثيلية لا تخلو من تقليد لأصوات الوحوش حتى يفهمهم ما المقصود! جمع الجدائليون أعشابا وأغصانا وحطبا وألقوها أمام كهوفهم وأشعلوها. ومارسوا الجنس فرادى وجماعات إلى جانب النار لأول مرة باطمئنان، وخلدو إلى النوم باطمئنان، غير أن أبو الجدايل الأول كان متكدرا بعض الشيء لأن أم الجدايل ضاجعت اثنين آخرين من أبناء القبيلة معه! ******************* أمضى أبو الجدايل الأول بضعة أسابيع يفكرفي كيفية استغلال النار في الصيد فاهتدى إلى فكرة رهيبة يقود بها عشرات وربما مئات الحيوانات إلى حتفها في النار. جمع القبيلة وقادها إلى مكان يضيق فيه واد كبير، وأشار ببناء جدارعال حول المضيق، بحيث ينفرج مع اتساع المضيق ويضيق إلى حد الإغلاق في نهايته بحيث لا تستطيع الحيوانات تجاوزه. وأشار بجمع الحطب والأعشاب والأغصان وروث الحيوانات ووضعها في المضيق ليتم اشعالها عندما تتجمع الحيوانات فيه، في حين يكون فيه أبناء القبيلة قد لاحقوا الحيوانات من كافة الإتجاهات ليحشروها في اتجاه الوادي فالمضيق لتقع في كمين النار. ولا تستطيع الخروج مهما حاولت، فتحترق. استغرق بناء الجدار بضعة أيام وشارك فيه قرابة خمسة آلاف من أبناء وبنات القبيلة. وفي اليوم الموعود جمعوا كمية هائلة من الحطب وكل ما هو جاف من الأغصان وروث الحيوانات والقوها في المضيق لتغطي مساحة كبيرة منه. وانتشر الالاف من أبناء القبيلة بعصيهم الطويلة والغليظة، ليحيطوا بمنطقة شاسعة وراحوا يقتربون من كل الإتجاهات طاردين الحيوانات على مختلف أنواعها أمامهم. وضع أبو الجدايل الأول بعض أبناء القبيلة في جوانب مختلفة من المضيق ليقوموا بإشعال النار من كل الإتجاهات حين تتوغل الحيوانات فيه. وشرعوا في اشعال نيران صغيرة خلف الجدران لتكون وقودا يشعل الأعشاب والحطب في المضيق. رأى أبو الجدايل مجموعات من الظباء والوعول والتيوس والمعز والأرانب وغيرها من الحيوانات تهرع من أعالي الوادي ومن سفوحه .. تركها تقدم وتتوغل في عمق أكوام الحطب والأعشاب، وهي تتقافزوتثب في محاولة لتجاوزها. جعر أبو الجدايل بأعلى صوته طالبا إلى رفاقه إلقاء أكوام من النارفوق الحطب، وشرع بدوره في غرف كمية من الجمر الملتهب أمامه بيديه وألقاها بسرعة فائقة فوق الحطب خلف الجدار. أحس بيديه تحترقان. نفخ عليهما بضع نفخات ونفضهما وفركهما في محاولة لطرد الحرارة منهما، وراح يكمل إلقاء النار في المضيق بأن أخذ حجرين مفلطحين كان قد حضرهما للغاية نفسها وراح يلقي بهما النار، غير أنه في ذروة حماسه نسيهما وأخذ النار بيديه. أحاطت النار بالحيوانات من كل الإتجاهات وراحت تتقدم نحوها فيما الحيوانات تتقوقع على نفسها وتنزوي في المنتصف مصوتة على طريقتها بأعلى أصواتها، ليضج المضيق بصراخها، وحين اجتاحتها النيران من كل الإتجاهات، راحت تثب إلى أعلى وتقفز في محاولة لتخطي الجدران، غير أنها كانت تصطدم بها وتقع في النار، ومن أسعفته وثباته وقفزاته في العودة إلى الإتجاه المنفرج في المضيق واجهته عصي وحجارة الجدائليين الذين كانوا يملأون الوادي والسفوح بالآلاف. تعالت صرخات الجدائليين وهم يرقبون احتراق الحيوانات في النار ومحاولاتها اليائسة للخروج منها دون جدوى، فاختلطت صرخاتهم بصراخ الحيوانات، التي راح بعضها يقع في النارمحركا قوائمه وهو يلفظ أنفاسه. تمكن بعض الجدائليين من شحط الحيوانات التي كانت قريبة منهم بصعوبة، بعد أن احتملوا الوطء فوق الجمر بأقدامهم الحافية .. وشرعوا في إطفاء النار التي كانت تشتعل بها، غيرأن شحط الحيوانات التي كانت في عمق مساحة النار لم يكن سهلا، فاضطروا إلى الوطء فوق الجمر مما أحرق أقدامهم .. صرخ بهم أبو الجدايل مجعجعا طالبا أن يستخدمو الحجارة والعصي في إزاحة النار من طريقهم للوصول إلى الحيوانات .. شرعوا في استخدام الحجارة فيما جازف بعضهم بالقفز فوق الجمر ليختطف ظبيا تضطرم فيه النار ليشحطه إلى خارج المحرقة وهو يصرخ ألما .. نجح الجدائليون أخيرا في سحب الحيوانات من النار وشرعوا ينهشون لحمها محتملين الألم الذي أحدثته الحروق في أرجلهم وأيديهم. فكر أبو الجدايل الأول في إيجاد حل لهذه المشكلة في المستقبل، وفيما كان يلوك أول قضمة من فخذ ظبي، اكتشف طعما للحم لم يعرفه في اللحم النيء، فراح يهئهئ ويجعجع للجدائليين والجدائليات قاصدا أن الطعم لذيذ، فهأهأوا وجعجعوا بدورهم .. وبذلك يكون أبو الجدايل الأول قد اكتشف اكتشافا جديدا وهو الشواء. ولم تمر سوى أسابيع حتى راحت القبيلة تتفنن في الشواء ليكون ذا مذاق طيب. وحين حل الشتاء راح الجدائليون يشعلون النار في كهوفهم، فتمنحهم دفئا لم يعرفوه من قبل . أما في يوم المحرقة هذا فما أن امتلأت البطون حتى دبت الشهوة في نفوس الجدات والأجداد، فبادرت الجدات اللواتي لم يكن جميعهن جدات بل صبايا، إلى ملاطفة الأجداد بأن هأهأن لهم وشرعن في تقبيلهم وملامسة أجسادهم والقبض على ما هو حساس فيها، فهأهأوا لهن وقبلوهن وشرعو ا في ممارسة الجنس، فكان أول حفل جنس جماعي في التاريخ، ونكاية في أم الجدايل التي واقعت رجلين في حفل سابق مع أبي الجدايل، واقع هومعها ثلاثا من أجمل الصبايا الجدائليات . ***** أخذت النار تحتل مكانة قدسية في نفوس الجدائليين نظرا لما حققته لهم من فوائد في حياتهم فراحوا يتعاملون معها باحترام شديد، فكانوا حين يوقدونها للتدفئة يجلسون حولها بخشوع ويتأملون وهجها ويتفكرون في الحرارة التي تبعثها وأثرها على كل شيء. أما أبو الجدايل الأول فغدا ملكا غير متوج على القبيلة تأتمر بأمره وتنفذ ما يطلبه، فاحتل بذلك مكانة مرموقة لم يحتلها إلا النساء من قبل كونهن يقمن بفعل الحمل والإنجاب الذي لا يقدر عليه الرجال. عاش أبو الجدايل بضعة أعوام بعد اكتشاف النار، حقق خلالها انجازات أخرى للقبيلة، بأن راح يستخدم النارلصنع أوعية للطعام، قبل أن يموت متأثرا بعضات أسد، فاجأه وهو يستلقي في ظلال جرف صخري، ورغم أنه تمكن من مقاومة الأسد بل وقتله حين أولج عصاه الغليظة في جوفه وقلبه على ظهره وراح يضغظ بكل قوته على العصا فاختنق الأسد ولفظ أنفاسه، غير أن ألجراح البليغة التي أحدثتها عضات الأسد في جسد أبو الجدايل ظلت تنزف بغزارة إلى أن أودت بحياته .. بكت أم الجدايل بلوعة كونها أهم محظيات أبي الجدايل وشاركتها نساء القبيلة البكاء والعويل. دفن أبو الجدايل في حفرة عميقة بعض الشيء في الجرف الذي مات فيه، وأهيل التراب على جسده. ووضع على القبر بعض الحجارة بطريقة منتظمة ليعرف القبر في قادم الأيام والسنين. وثابرت أم الجدايل على زيارته باستمرار لتضيف بعض الحجارة إليه إلى أن علاه رجم كبير . ليتحول إلى مزار للقبيلة تأتي إليه بين فترة وأخرى، وتدفن موتاها حوله. كاتب فلسطيني