يقول أحد العقلاء (وأنقل القول بتصرف): إن المرء العظيم حقا هو ذاك الذي يُشعرك بعظمة نفسك حين تكون بجواره.
جميلة العبارة ولطيف وقعها على النفس؛ وبقدر المثالية التي لا مناص منها في مأثور الكلام – كالذي بين أيدينا – هناك نبرة العقلانية العالية ووضوح المقاصد اللذان يجعلانه (مأثور الكلام هذا) سهلُ الاستيعاب ومُساكنٌ للنفس العاقلة؛ بيد أنها السهولة التي تنبت في تربة الفكر وتتفاعل في أجران التجربة.
ربما كان القائلُ يقصد نفسه في العبارة المذكورة، أو ربما هي إحالة لأحد مجالسيه البارزين، أو قد تكون عصارة أفكار واهتياج أماني، ولكن الصورة الحقيقية التي تنبو عن منطوق العبارة – وهو ما يهمنا – لها قيمة معنوية كبيرة، ناهيك (بعدئذ) عن التصورات المختلفة التي تنطوي عليها، وسحر البيان فيها، والحنين الذي تسربه إلى النفس تجاه علاقات اجتماعية سوية في عالم ينحدر مليا نحو التناحر والغوغائية.
مع ذلك فإن ما ينجم عن العبارة المأثورة ليس صورتها الناصعة فقط، أكانت واقعية ملموسة أم مثالية مرجوّة، وإنما أيضا صوْرٌ كثيرة تتطاير هنا وهناك وتتزاحم كالفراش حول الضوء لتصنع هالته أو لتذوي في عصمته.
ولكن من يكون المرء العظيم إن كان مجالسوه – بالضرورة – على شاكلته؟
نجيب حالا أنه الدائرة نفسها. الدائرة التي تشرئب منها رؤوس أبرمت عقدا طويل الأجل مع الفطنة، وجوه غمرتها الصحة النفسية. هنالك يكون المرء العظيم ولكن من غير أن يطغى وجوده على أحد بعد أن أضحى الجمع جسدا واحدا؛ فإن كان هو بمثابة الدماغ أو الفؤاد من الدائرة، إلا أنه لا معنى لوجوده من دون سائر الجسد. إنه الإكسير الذي يصنع الحالة ولكنه أيضا المفعول الذي يغمر الدائرة وينغمر بها.
إنه كلُ واحدٍ في الدائرة.
أما الصور المعكوسة عن الصورة الناصعة للدائرة (تلك التي ملكت زمام لحظتها الزمنية والإنسية) فتتمثل في ما نعيشه ونشهده في أيام وسني أعمارنا حيث نعيش في البلاد. حلقات نتعرف فيها على أناس مختلفين، وجوه تحمل ملامح متباينة وطباع جبلت من أطيان متنافرة، مع ذلك فثمة خلفية ذات لون واحد تجمع بين هذه الشرذمة وتوحد فيما بينها. إنهم يتقمصون نفس الدور ويؤدون بذات الحرفية وينفذون عرضهم على المسرح بعينه.
ثمة في هذه الحلقات صوت أعلى من صوت… مباراة بين الأصوات… هناك الصوت الغائر وثمة النافر… ونجد فيها أحيانا، ويا لعبثية المشهد، الصوت الضعيف الصائت يقابله القوي الخافت!
جلبة أصوات إذن.
وفي جلسات تحضير الجن هذه أو جلسات طردهم (جلسات الزيران) ثمة دائما صيد مائدة، تقنصه الأيدي وتجتره الأشداق، وهو صيد لا يميزه شيء عن الحاضرين سوى أنه غائب عنهم. أما شيخ الجلسة وعقيدها وكبيرها أو اختر من ألقاب القبيلة والعسكر والبازار ما شئت، فتراه من فرط وصمته النرجسية وانجذابه إلى المركزية يكاد يضيء… تراه يتحول في الحضرة تارة إلى أباجورة ببصيص حاني وتارة أخرى إلى عامود كهرباء بضغط عالي، حسب الضرورة وبلاغة الظلام.
ظاهرة اجتماعية لها حيزها الز/ مكاني قبل أن تكون معضلة نفسانية، وهي ظاهرة مزمنة تلازم المجتمعات المغلقة أو تلك المقفل عليها بمزلاج. وكعادة الأماكن المغلقة فإن الأصوات تفقد نطقها الأصلي الصحيح، تتضخم وتتقلص حسب منوال الصدى وخبطه، وظلال الأشياء تتناسخ وتتكدس لتزيد غشاوة على ظلمة المكان.
* * *
حين تشعر بانقباض الهواء وترى الطير قد جفل وفزعت الحيوانات الأليفة من حولك فاعلم أن مجلس الجن ينعقد.
والآن، هل لفحك لهيب الكلمات وصدمتك قضبان اللغة؟ هل يتناوبك البرد والحمى مما تسمع، وتشنج الفرائص وانتقال الدقات من القلب إلى الأوداج؟ هل تُنازع البسمةَ في محياك شهقة ٌ تشبه الطلقة فتحتار بين الضحك والبكاء؟ إنها أعراض الانخراط في مجالس الجن والتعرض لهلوسات أحاديثهم فلا تقلق، إنما الأبواب مشرعة للنجاة.
وهل راودتك الخيلاء وألبتك نفسك على القوم الذي يأكل من لحم بعض؟ هل انتحيت جانبا من ذلك القوم، قومك، وبدأت تعد مزاياه وتحصي عيوبه وتنشئ حِسبتك الخاصة ثم تدون كل شيء في سجلاتك المدفونة تحت الوعي وفوقه وعلى مداه؟ ألم يحدث أن رفعت عقيرتك حتى طاولت السماء، ثم فجأة نظرت إلى هوة سحيقة لا قرار لها؟ أرجحك الزمان ودوخك فلم تعد تعرف هل اصطفاك أم بعثرك؟ اعلم إذن أنك في كهف الجن… وقد أغلق عليك بابه.
*كاتب عماني
[email protected]