مخيم عين الحلوة – 17 حزيران 1982 – هل أُطلق عليه النار، سيدي؟ – إنتظر لنرى أمره. عاريا كما ولدته أُمه انبرى لهم فجأة من بين الركام، وقف منتصبا بمواجهة دبابة ‘الميركافا’ لا يبتعد عنها أكثر من خمسة أمتار. يحدجهم بنظراته المتحدية وهم يصوّبون اليه فوَّهات البنادق .. كانت لحظة عصيبة للجنود الذين تمترسوا على ظهر الدبابة حتى يدركوا المشهد أمامهم، وما ان تلاشت صدمة المفاجأة حتى راحوا يقهقهون، الا واحد ظل مأخوذا بالمشهد يتأمله وقد اكتسى وجهه بمسحة من الاكفهرار، وبدأت عبرات تلتمع في مآقيه بدا وكأنه يداريها عن نظرات بقية الجنود .. كان يدرك بما فيه الكفاية حجم مأساة هذا الكائن العاري. العري قد طال عقله، فقده وهو يفقد أُسرته بأكملها. لأكثرمن إسبوعين والقذائف تنهمر من كل الاتجاهات ومن السماء. أطنان من الحديد والمواد الحارقة تتوزع على بيوت مخيم اللاجئين. لم يظل شيء لم تنخره الشظايا. وبعض البيوت المتهالكة من غارات سابقة نالها اكثر من قذيفة .. كان اللحم الآدمي الممزق والمتناثر بين الركام يعود ويتمزق من جديد مع كل قذيفة. الرجل شاهد بأم عينيه لحم زوجته وأطفاله الثلاثة كيف تنخله القذائف، وهو مصاب بإصابات غير عميقة وقد استقر تحت ركام المنزل عالقا بين الطوب لعدة أيام، وربما هو هذا الوضع الذي مَنَحَه نجاة لا يريدها بعد مقتل جميع أفراد أُسرته.. معجزة أخرجته ليواجه الدبابة المتقدمة الى قلب المخيم وقد استقرت عند نقطة مكشوفة يستطيع الجنود عندها ان يطلّوا من قلب الدبابة على ثلاثة شوارع مفتوحة المدى بالخرائب، وحين يأمنون ان لا حركة حولهم يخرجون الى ظهر الدبابة، لينبري هو لهم من بين الركام وليضع عينيه بعيونهم، وليضع جحيمه بمواجهة قهقهاتهم .. كينونته الانسانية المتكاملة بالصرع أمام الحديد. في المسافة الضيقة بينه وبينهم كان سؤال يتدلى: هل هؤلاء الجنود من الصنف الانساني المحطم الماثل أمامهم ام من صنف الدبابة التي تقف على أنقاض المنازل نشوانة بالنصر على مجتمع مدني قاوم لساعات بأسلحته الخفيفة فيما ظل يتلقى أطنان الحديد لثلاثة أسابيع. لا شيء يخفي ان ما يحدث ما هو الا حرب إبادة لهؤلاء اللاجئين الذين اضطروا لترك ديارهم في الجليل عام 1948. ترجمة لخطة جهنمية للمضي قدماً في القضاء على اللاجئين ونسلهم الذي شهد النور في الشتات. – هل اطلق عليه النار، سيدي؟ – قلت لك إنتظر. يلحّ الجندي نفسه بالسؤال، فيما جهاز الاتصال راح يخشخش إيذانا باتصال جديد مع القيادة التي تتلقى مباشرة صور الكاميرات المثبتة بجدران الدبابة. يأتي الأمر بأن تتحرك الدبابة لمسافة عشرة أمتار الى اليمين كي يتسنى للكاميرا التي في المؤخرة رصد الجانب المحجوب خلف ركامٍ عالٍ يبدو انه كان لبناية بعدّة طوابق .. يتحرك الرجل العاري مع تحرك الدبابة ليعاود الوقوف بمواجهتها تماما مع الحفاظ على نفس المسافة. فوهات البنادق بأيدي الجنود ما زالت مصوّبة الى رأس الرجل الذي بدأ يطلق إشارات للجنود لأن يطلقوا عليه النار، الا ان بندقية الجندي المنفعل بمشهد الرجل ظلت نائمة في حضنه وهو يحاول ان يشيح بنظراته بعيدا عنه. – أيها الجبناء، لماذا لا تطلقوا النار؟ لأول مرة يسمع الجنود صوت الرجل، كان هادرا يردده الصدى. ثم أطلق نحوهم سيلا من البصاق، بصاق أحمر لم يصب الجنود وحدهم بل تتطاير ليصل ‘أريل شارون’ وزير الحرب في الحكومة المُنْحطّة. نظرات الرجل المتحدِية للجنود تنقلب الى نظرات من الاحتقار وهو يعاود إطلاق سهام البصاق الممزوج بالدماء. الجندي المُتهيّئ للقتل وبلا سؤال رئيسه هذه المرة يطلق وابلا من رصاص رشاشه ‘العوزي’، يرقص الرجل العاري رقصته الحمراء ثم يسقط جثة هامدة. الجندي المدرك لحالة الرجل يطلق صراخا هستيريا رددته حتى الآفاق البعيدة .. صراخا يشبه النحيب الذي يلي الوعي بالفجيعة: – لماذا أطلقتم النار، كان الرجل عاريا! ينزل عن ظهر الدبابة بعد أن ترك سلاحه في مكانه ويتوجه الى مكان الجثة، يخلع ثيابه العسكرية وكأنه يتبرّأ منها. ثم يغطي بها الرجل المقتول ويبدأ يدور حول الجثة. يجثو على ركبتيه ويلتقط حفنة من التراب المدمّى ويمسح بها جسده.. كان قد صار عاريا تماما وسط دهشة بقية الجنود حين رفع رأسه الى السماء وهو يصرخ بصوت هادر يشق الفضاء: – كان الرجل عاريا … كان مجرد انسان عارٍ .. فلماذا أطلقتم النار؟ ها أنا عار، كلنا عراة، لتطلقوا النار!. ووقف منتصبا بمواجهة الدبابة كما كان يفعل الرجل قبل قليل! ـ من مجموعة ‘جنائن الهستيريا’ قيد الاعداد