التأرجح العربي بين التقدم والتأخر

حجم الخط
0

كل المعطيات تشير الى أن عالمنا العربي يعيش حالة دائمة من التأرجح بين التقدم والتأخر. بمعنى، أنه في الوقت الذي يرغب في السير نحو الامام، فانه بين الحين والآخر يشعر بأنه في تراجع. انها حالة تجاذب مستمرة بين ما يطمح له من تقدم وما هو عليه في الواقع من تأخر. انه عالم حائر بين الجمود والحركة. الجدلية بين كلا الحالتين في غاية التعقيد. مرهق حقاً من ثقل إرث الماضي وقوة دفع الحاضر وغموض المستقبل. عالم يبدو في وضع يرثى له يبحث باستمرار عن حلول. من الصعب أن تجد مجتمعا آخر يعيش مثلما يعيشه عالمنا من تنقل بين الأقطاب المختلفة. هنالك من يريد أن يغير وهنالك من يريد أن تبقى الأمور على ما هي عليه، وإن قبل بنوع من التجديد فيجب أن يتم حسب نظرته وبدون ان يأخذ في الحسبان موقف الغير وتبدل الأحوال والأزمان. وهنالك من هم في الوسط يحاولون بجهد خلق توازن بين الاراء المتباينة وتنشيط العقول المتصلبة.
رغم كل المحاولات الموجهة لإخراج العالم العربي من وضعيته القائمة والولوج به الى طور جديد من الرقي، إلا أنه عالم مازال مكبلا ومقيدا من الداخل قبل الخارج. لذا، فلا هو قادر على كسر قيوده ولا على تحديد آفاق حاضرة ومستقبله، بطريقة تمكنه من وضع حد فاصل لحالة التأرجح الدائمة وتحديد مساره المستقيم. انه بأشد الحاجة لذلك من أجل أن يواكب كل عصر ويجاري الحدث وباقي الأمم المتقدمة والمتفوقة عليه.
خلال عهد النهضة، بدا العالم العربي كأنه استشرف طريقه، وبالفعل خطا خطوات معتبره في درب التقدم جعلت منه عالما دينامكيا سائرا في الاتجاه التصاعدي، بدون أن يعطي ظهره للماضي وارثه المتنوع والعريق. سمات ذلك جُسدت في ما بعد في ما تم ابداعه في المجالات الثقافية الأدبية والفنية، روايات شعرا سينما ومسرحا. كذلك في ما أحرز تدريجياً من تقدم اقتصادي، خاصة في الصناعات الخفيفة والثقيلة، في تنوع الانتاج، الاكتفاء شبه الذاتي والتنظيم المعماري. حتى في الجانب السياسي كان هناك تقدم ملحوظ، خاصة في ما يتعلق بصياغة الدساتير الحديثة ورفع سقف الحقوق والحريات، بما فيها حرية الرأي والفكر، المعتقدات والمرأة. دول مثل مصر، الجزائر، سورية، العراق، تونس، المغرب والكويت، كانت رائدة في هذه المجالات. وكذلك في الجانب الديني، فخلال تلك الفترة كانت متداولة تفسيرات ساهمت في رفع سقف الوعي العام والخاص (جمال الدين الأفغاني، محمد عبدو، رشيد رضا وابن باديس).
من يتمعن في تلك المرحلة يلاحظ كأن الإنسان العربي كان يعيش، مقارنة بمراحل أخرى، نوعا فريدا من الاستقرار والازدهار والارتقاء في كثير من المجالات، وذلك رغم ما كان يعاني بين الحين والآخر من اعتداءات وتدخلات خارجية، في نفس الوقت كان هناك مشروع يقظة واضح المعالم. مشروع يهدف لإخراجه نهائياً من حالة التخلف التاريخي وإدخاله في طور من الحداثة الفعلية والدائمة. فعلاً رغم كل ما ورث من ركود، إلا أنه حدثت قفزه نوعية لا يمكن التغاضي عن أهميتها، لما تركت من أثر إيجابي على الجميع. انه العهد الذهبي العربي الحديث، الذي كان فيه العقل الفردي والجماعي فعالا ويعمل بقدرة وحيوية عالية.
تمت صياغة هذا المشروع بهدف خلق الإنسان والدولة العربية المعاصرة، ضمن إطار وحدوي متكامل. هذا المشروع، ذو النكهة العربية – الإسلامية الذي كان تطوير الفرد، الوطن والأمة في عمقه وهدفه الأساسي، لقي ترحابا عاما، لما كان يحمل في طياته من خطط هادفة. هذا المشروع لم يدم طويلاً (1915-1967)، لكنه ترك أثرا إيجابيا. من ينظر للخلف ويقارن الماضي القريب بالحاضر يلاحظ أن سمات هذه المرحلة ما زالت راسخة في العقل العربي. المشكلة تكمن في عدم تمكن الجميع من جعل هذا المشروع وسماته المختلفة القاعدة والمرجعية الثابتة للتقدم خلال المراحل اللاحقة. لا يفهم ماذا وقع وعرقل ذلك، بل وجمد هذا العقل والإرادة.
يصعب هنا تحديد كافة الأسباب التي أدت إلى عدم التقدم التدريجي لمثل هذا المشروع، لكن بشكل عام المسؤولية تقع أولاً على عاتق القيادات التي كانت تصل للسلطة، وثانياً من دار بفلكها من النخب المالية، الثقافية، الدينية والاجتماعية التي زينت لها سوء عوراتها. جميعها اعتقد في خضم الثراء وزيادة وتيرة الارتباط والانفتاح على الخارج، أن نجاح أي مشروع مرتبط بقراراتها وبمصيرها، وليس حسب مصلحة وإرادة العامة. تصرفت بقصر نظر وأنانية ليس لها مثيل، ذلك ما جعلها تعمل كقيادة وعقل مدبر في وقت واحد، فأصبح هرم الدولة هو الزعيم، القائد، الملك، الرئيس، المفكر، المخطط، الراعي، المنظم، المشرف، الملهم، المنقذ والمنفذ. في شخصه أخُتزل المجتمع وكافة إمكانيته، وبقي دور الغير منحصرا في التهليل والتبجيل الإجباري. كيف يمكن أن ينجح ويتقدم مشروع ومجتمع الكل فيه واحد والواحد هو الكل.. والأدهى أن هذه القيادات وجدت من يساندها، يمدها بشكل ملفق بالشرعية الدينية، الاشتراكية أو الشيوعية، كل حسب طلبه. فعلاً، حين تتحد عجرفة القوي، برياء الثري وخنوع المثقف، الناتج يكون مجتمعا متخلفا، حتى لو امتلك أحدث أنواع الوسائل التقنية، والعكس صحيح، قمة التقدم تكمن في الارتقاء الحضاري العام.
خلال المرحلة المرادفة للطفرة البترولية وما بعدها، معظم الدول العربية سجلت تقدما في كثير من المجالات التقنية والهيكلية، لكن، كل الدلائل تشير الى أن هذا لم يكن قائما على استراتيجية واضحة المعالم، وإنما هو ناتج أساساً عن محاكاة الغير، بالتحديد الغرب. بمعنى أنه تقدم غير نابع أصلاً من محاكاة الذات وحسب مواصفات محلية، تقدم مستورد في مجمل خصائصه وليس للعقل أو اليد العربية أدنى دور فيه. هذا الاعتقاد ليس غريبا، فالناظر لمختلف أوجه التقدم القائمة حتى الآن يلاحظ أنه تقدم سطحي وعشوائي. كونه بهذا الشكل، يجعل الكثير يعتقدون بأنه في سماته الخارجية يمكن أن يسمى تقدما، لكن بعمقه هو تخلف من نوع جديد، لكونه لا يأخذ بالاعتبار روافد الأصالة الثابتة، وغير مقنع لكافة أطياف المجتمع ويخلق نوعا من عدم التوازن والتناقض بين الظاهر والمخفي من جهة وبين السلوك والفكر من جهة أخرى. انه تقدم غير نابع من العمق، لذا يخلق نوعا من التناقض بين الشخص وشرائح المجتمع، بل وبحكم ما يبدو من غياب قواعد عامة يستند اليها، تظهر جلية عليه سمة التخبط وعدم الانضباط. هنالك من يذهب أبعد من ذلك ويصف هذا التقدم بالمزيف.
أمام هذه الحال، هناك من يتساءل، لماذا ليست هنالك استراتيجية عامة، محددة شاملة متوازنة ومستدامة تساهم في وضع حد للتأرجح وتحدد صيغة ومسارا واضحا، متفقا عليه وفاصلا للتقدم. أين هي مثل هذه الاستراتيجية وأين فعلاً هي الجهات التي يجب أن ترسمها وتقوم عليها؟ أين هي المؤسسات العامة وما هو الدور الفعلي والمشترك لمؤسسات الدولة، مؤسسات المجتمع المدني، المؤسسات الاقتصادية الاجتماعية التعليمية الصحية والثقافية فيها؟ ما هو دور وموقع الفرد والمجموعة، الطفل، المرأة، المثقف، المتعلم، الشباب، رجال الأعمال، الجامعات، المعاهد، مراكز الدراسات والأبحاث، وسائل الإعلام، رجال السياسية، رجال الدين، المؤسسات الأمنية، رجال القانون، الشركات المحلية والإقليمية، البنوك، المجالس المحلية، البلديات، الفنانين والمبدعين في هذه مثل هذا الاستراتيجية؟
التفاعل الإيجابي بين كافة الجهات المذكورة وعلى أساس المصلحة الفعلية والمشتركة أمر في غاية الضرورة في كل شأن عام. ويحق لكل مواطن أن يطالب ويشارك في وضع استراتيجية من هذا القبيل، معرفة الأسس القائمة عليها والأهداف التي تنشدها وتصبوا إليها. مثل ذلك سيدفع الجميع للعمل حسب الثوابت، البنود، الشروط والنتائج المرتبطة بها. وجود استراتيجية عمل هادفة لإخراج الإنسان والمجتمع العربي من حالة الحيرة الدائمة ونقله لحالة الوعي التام سيساهم حتماً في إخراجهما من حالة التأرجح الدائمة بين التقدم المنشود والتأخر المرفوض.

‘ كاتب فلسطيني إسبانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية