عمالة الاسترقاق في منازل ‘الخواجات’ في لبنان

حجم الخط
3

علمنا مدرس اللغة العربية، في المرحلة الدراسية التكميلية، أن فعل ‘خدم’ هو فعل ماضي مبني على الفتحة في آخره. ثم تعلمنا لاحقا ان فلانا التحق بـ’الخدمة’ العسكرية الالزامية، وأن صديقا قد أنهى ‘مخدوميته’ في القوى الامنية. لكن أحدا لم يعلمنا أن صفة ‘خادمة’ هو اسم ساقط اجتماعيا وليست له حقوق، بل فقط واجبات الزامية غير رحيمة. هل لأن السيدة أو الآنسة التي تقوم بهذه الخدمة لا تدخل الى لبنان سوى من باب ‘قسم الخدم’ في مطار بيروت الدولي! هل لانها تقوم بالخدمة المنزلية ولها بشرة سوداء أو صفراء! هل لانها معدمة ماديا وفقيرة في بلدها ولا تستحق أدنى وأبسط متطلبات الحماية الانسانية في أي بلد آخر!
هل يعلم العالم ان معظم اللبنانيين – مع بعض الإستثناءات النادرة – الذين يستخدمون عاملات منازل من جنسيات آسيوية وأفريقية، أنهم يعاملونهن معاملة الرقيق والاسترقاق المعاصر الجائر؟ انا على ثقة أن كل العالم يدرك ذلك، سوى السلطات الرسمية اللبنانية المتورطة في هذا الاسترقاق. أنهن يبدأن عملهن في الصباح الباكر، المتواصل الى ساعة متأخرة جدا من الليل. لا يتوفر لهن الطعام الكافي لملء بطونهن الخاوية من شدة الارهاق والتعب. ولا يخلدن عند النوم الى أسرة مريحة في غرف تصلح لنوم البشر، بل يحشرن في زوايا ضيقة داخل المنازل تفتقد التهوئة والدفء وأدنى مستلزمات الراحة. لا يعطين يوم راحة في الاسبوع بل هن ملزمات بالبقاء داخل المنزل الا حين ينقلن للعمل في منزل آخر للكفيل أو لقريب له ودون بدل إضافي. لا يعالجن من جانب الكفيل عند إصابتهن بمرض بل هن من يشتري الدواء. إن أجورهن الشهرية زهيدة جدا ولا تساوي جزءا من قيمة فناجين القهوة التي ترتشفها زوجة الكفيل في مقاهي العاصمة. وعلاوة على ذلك، تبقى سيدات المنازل على اتصال دائم بهن تقصيا لتصرفات رجالهن الشائنة، الذين يعودون الى المنزل خلال غيابهن خلسة، من أجل قبلة، أو ضمة، أو ضمتين، مع الخادمة – إن لم يكن أكثر وأكثر- تحت طائلة القبول بالاغراء المالي الزهيد، او التهديد بالطرد وعدم الحصول على مستحقاتهن. مسكينات جدا هن عاملات المنازل في لبنان، حيث لا إهتمام أو متابعة لأوضاعهن البائسة من جانب جميع المؤسسات الرسمية التي لها علاقة بإجازات العمل والاقامة، سوى الحصول على الرسوم المالية، وبعدئذ تترك حبل استغلالهن على غارب قسوة ونزوات الكفيل وزوجته واولادهما والاقارب. وفي حالة هروب إحداهن من شدة الظلم والتظلم الى مكتب الإستخدام أو مخفر قريب للدرك كان مآلها كالمستجير من الرمضاء بالنار. او اذا رميت من شرفات الطوابق العليا من قبل الكفيل أو زوجته او صديق الزوجة الحميم واستدعيت الى جنات الله، يقولون انها قد انتحرت لاسباب مجهولة. مع العلم ان معظم هؤلاء العاملات يغادرن أزواجهن واطفالهن من اجل توفير لقمة الحياة لهم والتقتير في حياتهم الصعبة.
مسكينات عاملات المنازل في لبنان. لقد أصبح استخدامهن ‘صرعة وموضة’، مثل الحصول على هواتف جوالة ذكية أو قيادة السيدات لآليات الدفع الرباعي او السهر برفقة الازواج مع الأصدقاء الحميميين لهن. نعم لقد وصل المستوى الحضاري في لبنان في مربعاته الامنية والاخلاقية والإنسانية الى هذا الدرك المعيب.
لماذا لا تقوم وزارات العمل والداخلية والشؤون الاجتماعية والصحة بالتنسيق معا، وإجراء زيارات دورية فجائية على المنازل والتحقق من توفر ضرورات السكن الصحي والكساء والغذاء الكافي وسداد الراتب المستحق شهريا وعطلة يوم واحد في الاسبوع لهؤلاء المعذبات في المنازل وغير المذنبات! ناهيك عن تحديد عدد ساعات عملهن اليومي، واقتصار العمل على منزل واحد.
مسكينات عاملات المنازل في لبنان اللواتي يعاملن معاملة الرقيق، دون رقيب أو حسيب من السلطات الرسمية المعنية ودون رحمة او شفقة او احترام لخصوصياتهن الحياتية من قبل زوجة الكفيل اولا، ومن الزوج المتصابي او احد ذكور العائلة ‘الشريفة’.
هذا فيض من غيض، واحسب ان مشاكل انسانية عديدة اخرى تواجهها هؤلاء المسكينات المتروكات في أدغال الاستغلال وصوره البشعة في الدول العربية ومنها لبنان. هل سيقرأ مسؤول لبناني هذه السطور ويسطر في سجل خدماته ‘المجيدة’ إنجازا انسانيا لهؤلاء المسكينات!
سعد نسيب عطاالله
لبنان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية