كتاب ‘بعض مني رحلة لجوء من حيفا إلى الرباط’1 للكاتب والإعلامي الفلسطيني المرحوم واصف منصور رحلة سردية تشكل الذات محورها الأساس، وفيه يعيد رسم الأماكن والشخصيات، ويسترجع ذاكرة اللجوء وما تمخض عن ذلك من ألم وحزن وتشرد ولحظات حميمية كذلك.
محكيات هذا الكتاب موزعة على ثلاث مراحل: مرحلة اللجوء إلى المخيمات، ومرحلة اللجوء إلى المغرب ،ثم مرحلة العودة. تمثل مرحلة اللجوء إلى المخيمات انتقال من حالة توازن واستقرار إلى حالة اختلال على المستوى النفسي والاجتماعي والسياسي. منذ البداية يهيئ الكاتب قارئه لتلقي ماسيقرؤه على أساس أنه الحقيقة، حيث يقول ‘منذ طفولتي تربيت على رفض الكذب وكراهيته ‘ص3. في محكيات مرحلة اللجوء يقدم الكاتب تشريحا دقيقا لمأساة لجوء الشعب الفلسطيني إلى المنافي، مبرزا تحول الشخصية الفلسطينية من وضعها الطبيعي إلى وضعية لاجئ وما ترتب عن ذلك من تشرد وضياع . و تعد أسرة واصف منصور واحدة من الأسر الفلسطينية التي انتقلت من قرية أم الزينات إلى مخيمات اللجوء في النويبعة ثم إلى الجلزون فمخيم الفارعة، وفيها يصور أوضاعهم المأسوية ومعاناتهم مع البرد والجوع ‘هذا الجوع الذي تبرز أنيابه أكثر في طقس ماطر بارد جدا ليس من السهل الحصول على شيء من الحطب لنشعله ونقاوم به البرد’ ص 15 .لقد شكلت حكايات العائلة وما كانت ترويه بعض الشخصيات في ليل المخيم جزءا من وجدان الكاتب وشخصيته، متأثرا بما كان يسمعه من أحاديث عن خذلان الحكام العرب وتآمر العديد من الدول عليهم، فكان الأب والعم والجد وآخرون شخصيات حكائية محورية ساهمت في الرفع من منسوب وعيه الثقافي والسياسي والأدبي نظرا لما كانت تتسم به من قدرة على الابتكار والتفنن في سرد الأحداث واختلاقها أيضا. إنها حكايات ذات مغزى مثل حكاية الفلاح والضبع التي رواها الجد سيدي ظاهر وهي حكاية تحث على العمل والإنتاج. يقدم لنا الكاتب الذات في سياق تطورها وتشكلها الوجداني والعاطفي والسياسي، وقد ساهمت بعض الأحداث في تطور شخصيته، من ذلك مثلا اختياره لإلقاء كلمة في المدرسة بمناسبة حضور وفد الضباط السوريين ومشاركته في معسكر الحسين للجندية والبناء الخاص بأبناء المخيمات، وقد خلف حدث وقوفه في وجه طابور رئيس الوزراء الأردني- دون أن يعرفه- تنفيدا للأوامر العسكرية التي تمنع دخول أي شخص إلى المعسكر بالليل ومن ثم تلقيه التهنئة على ذلك أثرا كبيرا في نفسه وزاده ثقة بها.
هذه الأحداث وأعمال أخرى كان يقوم بها في فصل الصيف أسهمت في تنمية قدراته الشخصية والمهاراتية. وبعد تتويج مساره التعليمي في مدارس الأنروا وحصوله من نابلس على الثانوي التوجيهي انخرط في نوادي الشباب وعمل لفترة قصيرة في مكتب محاماة، لتنتهي بذلك مرحلة صور فيها وبشكل جمالي الحالة الاجتماعية والنفسية لابناء المخيم وأوضاع الشعب الفلسطيني لتبدأ مرحلة ما بعد المخيم وهي مرحلة اللجوء إلى المغرب. لقد كان للعم نزار الموجود بالمغرب فضلا كبيرا في قدومه إليه، وبالنظر إلى شخصية واصف منصور المنفتحة استطاع أن ينسج علاقات واسعة مع مختلف الفاعلين السياسيين والأدباء والفنانين والرياضيين والجمعويين فضلا عن الناس البسطاء ،وقد زاوج في البداية بين التدريس والدراسة في الجامعة وبعد سنة من الاندماج في الأوساط الطلابية والشعبية وتعرف بنية المجتمع المغربي، انخرط واصف منصور بفعالية في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية خدمة لقضيته الفلسطينية، وبعد الانتماء الفعلي لحركة فتح وأداء القسم، مارس عمله كمسؤول الإعلام في حركة فتح ثم منظمة التحرير الفلسطينية ثم في سفارة دولة فلسطين بالرباط، فحضر أطوار تأسيس الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، وساهم في تنظيم أمسيات ثقافية وفنية لجمع التبرعات للشعب الفلسطيني قائلا عن إحداها ‘ وكم كانت ردة فعل الجمهور عظيمة، بحيث أنني لا أظن أن رجلا أو امرأة خرج من القاعة وفي جيبه درهم واحد أو أي شيء ذو قيمة من مصاغات وساعات يدوية وخلافه ‘ ص100. لقد كشفت هذه المحكيات عن التضامن الكبيرللشعب المغربي مع القضية الفلسطينية. وفي سبيل ذلك كان واصف منصور يلبي دعوات إلقاء محاضرات إلى مختلف ربوع المغرب مبرزا تعاطف مختلف الشرائح الاجتماعية المغربية مع تلك القضية، ومن ذلك سرده لحكاية ذاك الرجل المقعد الذي تبرع بحصة يوم تسوله كاملا، أوحكاية زيارته لحي قصديري بالدار البضاء لنساء قررن الإضراب عن الطعام تضامنا مع الشعب الفلسطيني وإنجاز حوار صحفي معهن. لقد كان المغرب منطلقا لواصف منصور كي يسافر إلى لبنان قصد إجراء دورات تدريب عسكري في صفوف حركة فتح وهو ما ساهم في تكوين جانب آخر من جوانب شخصيته. وفي أثناء رحلاته خارج المغرب كان يوثق لمعاناة الفلسطينيين عبر الحدود بسبب هويتهم وتعرضهم لشتى أنواع القمع من طرف أكثر من جهة . لقد أفلحت هذه المحكيات في التوثيق لمخاضات وصراعات الحركة الطلابية والسياسية المغربية ومشاركة واصف منصور في ذلك المخاض مناقشا ومحاضرا ومؤطرا إعلاميا خاصة في الجانب المتعلق بالقضية الفلسطينية، فكل حدث له علاقة بالقضية الفلسطينية إلا وله فيه نصيب وحكاية. هكذا نسج واصف منصور علاقات واسعة مع سياسيين وفنانين ومثقفين ورياضيين مغاربة حيث أثمرت تلك العلاقات حكايات استعادها بصيغ تعبير مشوقة ومؤثرة. كتاب بعض مني ذاكرة حية يوثق من خلاله الكاتب لأحداث عاشها ووقائع كان شاهدا عليها وفاعلا فيها. لقد كانت لزيارات فنانين وأدباء فلسطينيين للمغرب فرصة لكي يبرز واصف منصور تضحيات أبناء المغرب في سبيل القضية الفلسطينية. والمرحلة الثالثة من هذه المحكيات تمثل مرحلة العودة إلى فلسطين عقب اتفاق أوسلو وما استتبعه من تداعيات، وفيها يعبر عن أحاسيسه ورؤاه تجاه قضايا سياسية متعددة، وعن الاستعداد للعودة يقول ‘ولما ثم التوقيع على اتفاق أوسلو فرحت ولم أفرح واتخذت موقفا يتمثل في أن معطيات المرحلة وموازين القوى لم تكن لتعطينا أكثر وأن علينا أن نعتبر ما تم التوقيع عليه ليس أكثر من خطوة على طريق تحقيق أحلامنا ‘ص115 .يقدم واصف منصور هذا الرأي من منظار المحلل الناقد الذي خبر القضية وهو ما تأكد له بالفعل على أرض الواقع. كان واصف منصور يستعين وهو يحلم بالعودة بالشعر من حيث هو إحساس راق يمنح الإنسان قدرا من الاطمئنان، وكان هذا الاستعداد حافزا له على استعادة شريط الذكريات في مخيم الفارعة لملاقاة الأهل والأحباب، وقد عبر عن لحظات اللقاء الحميمية بأهله في الوطن المحتل بصور يختلط فيها الفرح بالحزن، قائلا ‘كان المشهد رهيبا ووقورا في آن واحد، وإذ كان الحضور كلهم يبكون بمن فيهم الرجال، يبكون للحالة الهستيرية السريالية التي يشاهدون: امرأة تقارب الثمانين من عمرها تضحك وتبكي في آن واحد تحتضن رجلا على أبواب الخمسين من عمره وتحاول أن تحمله وكأنه لا زال طفلا ‘ ص 204. شكلت العودة استحضارا للحزن الجاثم على الفلسطينيين في الداخل وعلى العائدين كذلك، فالغربة عن الوطن حزن والغربة في الوطن حزن مضاعف، فكيف لواصف أن يفرح وهو العائد ضمن أطر رجالات الثورة الفلسطينية للمساهمة في بناء دولة فلسطين أن يطلب تصريحا إسرائيليا للسماح له بالتنقل عبر مدن الضفة أو إلى قطاع غزة، ومن طرائف هذا التنقل أنه لما أراد أن ينتقل من الضفة إلى القطاع أدرجت السلطة الفلسطينية اسمه ضمن رجال الشرطة الذين يتنقلون بين الضفة والقطاع وذلك بموجب تصريح جماعي مما جعله يتذكر قولة صديقه المغربي الذي كان يقول له مازحا :أنت ستكون مردة-عسكري برتبة متدنية – في أريحا. محكيات هذه المرحلة تصوير دقيق لأوضاع الفلسطينيين ومعاناتهم في التنقل عبر المعابر وفي العمل داخل المستعمرات وفي حقولهم المجاورة لها وفي الصيد داخل مياه البحر بل وحتى في دفن الأموات، وتسجيل للمآسي الناجم عنها قتلى بسبب انتفاضات هنا وهناك. لم يمنع إحساس واصف منصور بالمواطنة الناقصة في وطنه المحتل الانغماس في عمله الإداري بإخلاص كمسؤول في قطاعات مختلفة، أو حين قيامه بمهمات رسمية في الخارج ممثلا لدولة فلسطين المنشودة .
تقدم هذه المحكيات تجربة إنسانية صاغها كاتبها في قالب حكائي مصورا وقائعا وموثقا أحداثها. هي محكيات استعادية يسترجع من خلالها السارد جزءا من مسار حياته في سياق تطورها وتفاعلها مع مأساة الشعب الفلسطيني مؤرخا وموثقا لذاكرة القضية التي أخلص لها .
كاتب من المغرب