نورس النعيمي صحافية عراقية في سن العشرين، تعمل مقدمة برامج في تلفزيون الموصلية العراقي. خرجت من بيتها في حي الجزائر شرق مدينة الموصل صباح الأحد الماضي، فانطلقت نحو رأسها رصاصات الحقد والكراهية والتعصب والوحشية لترديها قتيلة على الفور. وبمقتل نورس يصل عدد الصحافيين الذي اغتيلوا غدرا في العراق منذ تشرين الأول/ أكتوبر ستة صحافيين، من بينهم أربعة في الموصل و51 صحافيا وصحافية في محافظة نينوى لوحدها منذ عام 2003 عندما جاء بوش ليحرر العراق من الدكتاتورية ويبني بلدا نموذجا للديمقراطية والحريات الأساسية والتعددية واحترام حقوق الإنسان ومحاربة الفساد في الشرق الأوسط. صحافيو مدينة الموصل مستهدفون لأنهم لا يغردون، كما يريد النظام ولا يسبحون ويحمدلون للفساد والفاسدين والعنصريين الحاقدين على كل من يدافع عن الحقيقة ويرفع رايتها ويعلي من شأن الوطن الواحد الموحد بكل أطيافه وخلفياته ومرجعياته. الغريب في الأمر أن الدولة لا تقوم بعمل أي شيء ولا توجه تهمة لأحد ولا تحقق مع أحد ولا تعتقل أحدا، وتسجل الجريمة ضد مجهول، وبالتالي فهناك شعور لدى القتلة بأنهم في مأمن وأنهم محصنون من كل مساءلة، وما أن ينتهوا من جريمة حتى يبدأوا فورا بالتوجه نحو اغتيال صحافي آخر جاء دوره/ها على قائمة الاغتيال المدروسة والمعدة بعناية. إن حكومة تشاهد بأم العين اغتيال صحافييها الذين يجاهرون بقول الحقيقة لا بد أن يكونوا شركاء في الجريمة، إن لم يكن بالتخطيط والترتيب فبالسكوت والتسامح والتهاون والتبرير والعجز.
موجة استهداف الصحافيين في العراق
لم يمض على احتلال العراق أكثر من شهرين حتى وصل عدد المطبوعات اليومية والأسبوعية والشهرية أكثر من 100 مطبوعة. بعضها يتمتع بشيء من المهنية وأكثرها يدل على التسرع والاستعجال، ظنا من أصحابها أن تمويل الصحافة من لدن قوات الاحتلال أمر ميسور وسهل. وقد أنشا الاحتلال جريدة ‘الصباح’ ووضع رجالاته في وكالة الأنباء العراقية وأصبح راديو ‘سوا’ الناطق شبه الرسمي لقوات الاحتلال. كما أن بعض الصحف العراقية التي كانت تطبع في الخارج سرعان ما وجدت لها موقع قدم في الداخل، مثل صحيفة ‘الزمان’ اللندنية ورئيس تحريرها سعد البزاز، التي ملأت فراغا مهما لأنها أخذت موقفا معارضا للاحتلال بعد فترة وجيزة من دخولها العراق. كما أن قناة العربية التي أطلقت من دبي في شهر شباط/فبراير 2003 بدأت تنافس الجزيرة في العراق وأخذت موقفا على يسارها في البداية لتكسب شعبية وحضورا جماهيريين لدرجة أن أشرطة صدام حسين التي كانت تسرب إلى القنوات الفضائية كانت تبث على العربية. وقد عشت هذه التجربة بتفاصيلها بعد أن كلفتني الأمم المتحدة بملف الصحافة العراقية والعمل مع الصحافيين العراقيين لإنشاء مركز الإعلام العراقي لتدريب الصحافيين الجدد وربطهم بالصحافة العالمية واستقدام الخبراء والصحافيين الكبار للتدريب من جهة ولتغطية التطورات في العراق خاصة من جهة أخرى. كانت المقاومة قد انطلقت بكل قوة منذ البداية وبدأت بغداد تشهد كل يوم أكثر من عملية. اكتشفنا مبكرا أن قوات الاحتلال لن تتسامح مع الصحافيين المناوئين للاحتلال، فبدأت الشكاوى تصل إلى المقر عن اختفاء الصحافيين وعن تعرض بعضهم للتعذيب وتم إغلاق بعض الصحف المعارضة للاحتلال بأمر من الحاكم بأمره بول بريمر، من بينها صحيفة التيار الصدري آنذاك ‘الحوزة’. ثم أغلقنا المركز بعد تأسيسه في منطقة الوزيرية بعد تفجير مقر الأمم المتحدة بتاريخ 19 آب/أغسطس 2003 ومقتل 22 من زملائنا وجرح 150 آخرين، مما أدى إلى إنسحاب الموظفين الدوليين من العراق مؤقتا مع نهاية أيلول/سبتمبر وعودة بعضهم في ما بعد إلى المنطقة الخضراء.
استهداف الصحافيين الذين كانوا يفضحون جرائم الاحتلال بدأ في تلك الفترة. وكانت قناة الجزيرة أولا والعربية ثانيا من بين من دفعوا ثمنا عاليا، بالإضافة إلى عدد من وكالات الأنباء والصحف والقنوات الأجنبية، حيث قتل تسعة صحافيين خلال أيام الحرب، من بينهم طارق أيوب الذي جندلته الطائرات الأمريكية فوق سطوح فندق فلسطين في بغداد في 8 نيسان/أبريل 2003 مع الصحافي الإسباني خوزيه كوسو ومراسل رويترز تاراس بروتسيوك.
ومع تصاعد المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي، التي وحدت معظم قطاعات الشعب العراقي خلفها بدأ تصيد الصحافيين وبطريقة مشبوهة تماما. فقتل مازن دعنا مراسل رويترز في 17 آب/أغسطس وأحمد كريم من التلفزيون الكردي يوم 25 من نفس الشهر. وقتل صحافيان للعربية في 18 و19 آذار/مارس 2004 هما علي عبد العزيز وعلي الخطيب، الذي تعرفت عليه أثناء آخر مقابلة أجراها مع سيرجيو فييرا دي ميللو رئيس البعثة الأممية في العراق قبل مقتله في تفجير المقر، كما أسلفنا، بعدة أيام. ولحق بهما مراسل الجزيرة راشد حميد والي الذي قتل في 21 أيار/مايو 2004 ثم مازن الطميزي مراسل العربية في 12 أيلول/سبتمبر 2004. ومع نهايات عام 2004 لم يبق من الصحافيين الأجانب إلا عدد محدود جدا، حيث بدأت وسائل الإعلام تعين عراقيين في مكاتبها ولذا ستجد معظم من قتلوا عامي 2005 و2006 من العراقيين. وأستطيع أن أجزم بأن معظم الصحافيين الذي قتلوا في العراق لغاية كانون الثاني/يناير 2006 قتلوا لأسباب تتعلق بالوطن والمقاومة وفضح تصرفات الاحتلال وانتهاكات حقوق الإنسان التي وثقتها الكاميرات في سجن أبو غريب والفلوجة والرمادي وبغداد وغيرها.
الاستهداف الطائفي
كانت الشهيدة أطوار بهجت قد هرعت إلى سامراء مع طاقم العربية لتغطي التفجير المشبوه والمنظم للمقامين المقدسين للإمامين علي الهادي وابنه الحسن العسكري يوم 22 شباط/فبراير 2006. وقد تم خطفها وأفراد الطاقم خالد محمود الفلاحي وعدنان خير الله ووجدوا مذبوحين في اليوم التالي ليكونوا أول شهداء المجازر الطائفية التي انطلقت بعد تفجير المقامين وطالت معظم أجزاء العراق باستثناء منطقة كردستان. كانت أطوار قد انتقلت من الجزيرة بعد ثلاث سنوات وانضمت إلى قناة العربية قبل مقتلها بثلاثة أسابيع احتجاجا على الأولى لتعرضها لآية الله السيستاني. فأطوار تمثل وجه العراق الجميل والمتآخي واللاطائفي، فأمها شيعية وأبوها سني وكانت المعيل الوحيد لأمها وأختها بعد وفاة والدها. لكن ذلك لم يشفع لها بعد انفلات غول الطائفية الأعمى، الذي ألحق الأذى بكافة مكونات المجتمع العراقي وأعفى الاحتلال من مسؤولياته الجسام الذي بدأ يلعب دور الوسيط، وتم بسبب تلك الحادثة من حرف النضال ضد الاحتلال إلى التنازع الطائفي الذي حصد عشرات الألوف من الأرواح البريئة التي ما زالت ذيوله قائمة إلى الآن. استمرت الاغتيالات تحصد أرواح الصحافيين، وقد طالت الاغتيالات كافة الطوائف وكافة الصحف والمحطات الفضائية والإذاعات والمواقع الشبكية ولم ترحم رجلا فاضلا ومناضلا مثل شهاب التميمي، رئيس نقابة الصحافيين سابقا، الذي تعرفت عليه جيدا أثناء عملي في العراق وكان مثالا للخلق والأدب والوطنية والتسامح والوعي، لكن رصاصات حاقدة انطلقت من يد مجرمة لترديه قتيلا في 27 فبراير 2008 عن عمر تجاوز 75 عاما ويسجل الحادث ضد مجهول.
ونستطيع أن نتبين أن هناك سببا آخر للاغتيالات بالإضافة إلى الاستهداف الطائفي ألا وهو الفساد. لقد انحدر العراق إلى أسفل درجات الفساد على سلم مؤشرات منظمة الشفافية الدولية. لقد ظل العراق لثلاث سنوات متواصلة (2009- 2011 ) يحتل الرقم 176 متفوقاعلى الصومال وأفغانستان وميانمار فقط. كان الصحافيون الشرفاء يفضحون تلك الصفقات المشبوهة والتقارير الكاذبة والشركات الوهمية والعمولات الخيالية التي كان ‘يكوش’ عيلها أصحاب النفوذ والمليشيات والأجهزة الأمنية والاستخباراتية. فكان لا بد من إسكات تلك الأصوات الشريفة مرة وإلى الأبد.
بمقتل نورس وصل عدد الصحافيين الذي اغتيلوا أو قتلوا منذ الاحتلال الأمريكي 155، منهم 35′ سقطوا أثناء تبادل إطلاق النار و63′ سقطوا اغتيالا، من بينهم 7′ من النساء و93 ‘ من الرجال. الشيء الخطير أن الحكومة العراقية لا تعمل شيئا ولا تحقق في تلك الجرائم، وهناك نحو 97 حالة اغتيال لصحافيين لم يبت فيها وقيدت ضد مجهول.
استنساخ الظاهرة في دول عربية أخرى
لقد ظل العراق المكان الأخطر للصحافيين لغاية عام 2012 عندما نافسته سوريا على سجل العار هذا وانتزعت اللقب منه بعد مقتل 28 صحافيا في ذلك العام و21 صحافيا عام 2013 عدا المفقودين والمختطفين. ومن المحزن حقا أن نشهد أيضا سقوط ستة صحافيين في مصر بعد 30 حزيران/يونيو 2013 واعتقال عدد من الصحافيين وإغلاق عدد من فضائيات المعارضة. والأمر مستغرب في مصر بالتحديد وهي التي ظلت آمنة للصحافيين رغم الاحتقان الداخلي في السنوات الأخيرة التي انتهت بقيام ثورة شعبية عارمة أطاحت بدكتاتورية الفساد والطغيان التي كتمت أنفاس الشعب المصري لثلاثين سنة.
إن الاعتداء على الصحافي يشكل اعتداء على الشعب بكامله الذي من حقه أن يسمع ويقرأ ويشاهد الحقائق ويسمع الرأي والرأي المضاد كي يتوصل بنفسه إلى الحقائق بدون زيف ولا تزوير. فاليد التي تمتد لاغتيال الصحافي لا بد أنها ليست نظيفة ولديها شيء تريد أن تخفيه أو أنها تخاف من صوت صادق يفضحها وينشر غسيلها الوسخ على حبل مكشوف أمام الناس جميعا.
جرائم يندى لها الجبين تمر من دون حساب أو عقاب، وكم نتمنى أن يكون اغتيال الشابة الصحافية نورس النعيمي آخر حلقة في مسلسل الاغتيالات هذه. فالمجتمعات الراقية تكرم صحافييها وتعلي من شأنهم وتنصب لهم التمائيل وتسمى القاعات والشوارع والمعاهد بأسمائهم، فمتى تلحق أمتنا بركب الحضارات المعاصرة التي تلعب الصحافة الحرة فيه دور الجراح والمعلم والبوليس السري ورجل الإطفاء وصفارة الإنذار وفوق كل ذلك وقبله تصنع رأيا عاما واعيا وفاعلا ومراقبا وضاغطا؟
‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك