الشاعر الجزائري سليمان الجوادي: أبي أورثني الحزن وأمي صنعتني

حجم الخط
0

يتجلى حضور الشاعر الجزائري سليمان الجوادي، أحد ضيوف الدورة العشرين من مهرجان المسرح الأردني. ليس بصفته الصوت المعبر عن المرأة في المغرب فحسب.
إنه حضور متعدد الأقانيم والأبعاد والمعاني؛ أسهمت فيه مسيرته الممتدة، وتنوعه الشعري بين العامود والتفعيل، بين الغضب والحب، بين الحزن والفرح وبين الفصيح والعامي. ربما، إلى ذلك، أيضاً، أسهم فيه ما حققه من مكانة وما تسلمه من مناصب.
من هنا، يحمل الجوادي صاحب ديوان ‘قصائد للحزن.. وأخرى للحزن أيضاً’ ضمن سلسلة أعماله غير الكاملة، بين ضلوع وجدانه وأمانيه، مسؤولية البناء على ما تحقق في فضاء الشعر العربي قديمه وجديده. ومسؤولية البقاء في إطار الولاء لثورة الآباء (ثورة المليون شهيد) التي سجلها التاريخ المعاصر كأكثر ثورات التحرر العالمي تميزاً وعظمة، ليس الولاء المباشر المكرور، ولكن المنحاز للناس والغلابا والمجاهدين الصادقين (عسكريين ومدنيين). ومن الأخيرين، ومعهم، آثر والده الانزواء والتواصل حتى ما بعد الثورة، فأصبح كثير الغياب عن البيت، وكثير الغموض، وكثير الصرامة، مما أحزن الابن، هذا الحزن الذي أصبح عنواناً في شعر صاحب ‘رصاصة لم يطلقها حمة لخضر’، واستهلالاً لأسئلة حوارنا معه. وقبل الولوج في تفاصيل الحوار، ربما من المفيد أن نشير إلى أن للجوادي عشرات الدواوين الشعرية منها: ‘يوميات متسكع محظوظ’، ‘ثلاثيات العشق الآخر’، ‘… ويأتي الربيع’، ‘أغاني الزمن الهادئ’، ‘لا شعربعدك’ و’قال سليمان’. وبعض المسرحيات الشعرية، بعضها لمسرح الأطفال. وله مشاركات مهمة في أوبريتات على رأسها ‘ملحمة الجزائر’ التي قادته إلى منصب مدير ثقافة على صعيد القُطْر. قدم برامج للإذاعة الوطنية منها : ‘الساقية والخيمة’ و’ضياف ربي’ و’حقيبة الأسبوع’. كما أنتج للتلفزيون مجموعة من المنوعات ذات الطابع التاريخي والاجتماعي بعنوان ‘حاجي لي يا جدي’. كتب بالمحكية العامية البيضاء لعدد كبير من المغنين الجزائريين والعرب منهم: مصطفى زميرلي، محمد بوليفة، زكية محمد، الشاب خالد، صليحة الصغيرة، يوسفي توفيق وغيرهم. نشر أعماله الأدبية في معظم الصحف الجزائرية والمجلات العربية. وهو، إلى ذلك، عضو المجلس الوطني لاتحاد الكتاب الجزائري.
حول الحب والحرب، والحزن المرتبط بالأب، وحول المرأة ومعانيها، والشعر والمسرح ومسائل أخرى كان لجريدة ‘القدس العربي’ مع سليمان الجوادي هذا الحوار:

‘ يحضر الأب في قصائدك بملامح حزينة، من أين يأتي الحزن هنا؟
‘منذ صباي وأنا أبحث عن الأب بشكل دائم. هذا الأب كثير الغياب عن البيت. فأثناء الثورة التحريرية، واظب، رغم كبر سنه آنذاك، على مجالسة ومصاحبة (المسيلين)، وهم المدنيون من المجاهدين. كما انضم أيامها إلى الحركة الوطنية وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ نشأتهما. هذا الغياب الدائم جعل الوالدة تلعب دور الأم ودور الأب في الوقت نفسه، وحمّلها المسؤوليات جميعها. وصرت أنتظر حضوره بفارغ الصبر، إلا أن حضوره ارتبط عضوياً بوجود رجل فظ في البيت، خصوصاً في تعامله مع أبنائه الذكور، تقليديّ.
ولا أنسى ما حييت عندما جاء الضابط الفرنسي ومعه الجنود في العام 1960 وأخذوا والدي (رغم كبر سنه يومها 67 عاماً) للتحقيق، لا أنسى ثبات والدي عند اقتياده ورباطة جأشه وقوة شكيمته، إنها صورة لا تفارقني، وقد رسمت في وجداني كثيراً من ملامح أبي. ورغم سلبية الصورة التي تكونت داخلي لوالدي بعد ذلك، عند انتقالنا بعد الاستقلال من الجنوب الجزائري إلى العاصمة، ومعاناة والدتي وتحملها مختلف تفاصيل تربيتنا وتدبير قوتنا اليومي، إلا أنني لا أنسى لوالدي ما علمني إياه من قيم كبرى:
أن أبتسم وأنا في قمة الحزن، أن أمنح وأنا محتاج، علمني الإيثار. واللافت في الأمر أن والدي علمني هذه القيم بمسلكياته وومارساته اليومية ودون توجيه ثقيل الظل.
‘ صورة الأب في وجدانك كيف شكّلت علاقتك مع الأم؟
‘علاقتي مع الأم تتقاطع مع علاقتي مع المرأة التي تقمصت شخصيتها وصرت، كما يرى كثير من النقاد، صوتها، وبوح وجدانها، ولسان حالها. وهي أيضاً تتقاطع مع صورة الوطن ومع قضية الإنسان في كل زمان ومكان. أمي هي وطني وحبيبتي وسيدتي التي تسكنني وأسكنها.
وعندما وصفوني بنزار المغرب العربي قلت لهم: إنها تهمة لا أنكرها، وإنه شرف لا أدعيه.
‘ تتبنى حدة واضحة في تعاملك مع الإسلامويين، أو من يوصفون بالمتشددين أو الأصوليين. كيف نفهم ذلك وأنت المنحدر من أسرة محافظة مجاهدة ووالده أحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين؟
‘موقفي منهم لا يأتي من كوني تبوأت مناصب رسمية وحكومية عديدة. ولا ينبع من برجوازيتي، فأنا (رغمها) أميل للفقراء والكادحين والبسطاء من الناس. وصحيح أن والدي كان رجل دين، ولكنه على وجه الدقة رجل دين تسامح، رجل دين حقيقي، غير مشوّه بدعاوى التكفير واغتيال الآخر.
وفي الجزائر لعب التضليل والتستر خلف الدين وتقسيم الناس إلى كفار ومؤمنين دوراً كبيراً في حصول جبهة الإنقاذ على ما حصلت عليه من أصوات قبيل العشرية السوداء أو الحمراء. هم ضللوا البسطاء وتبنوا ديناً غير الدين الذين علمنا إياه والدي، ومن هنا خطورتهم، ومن هنا انحرافهم، ومن هنا رفضي لهم ولكل ما ينسب إليهم من عنف واحتراب ومشاكل. صحيح أني لم أكن مع إلغاء انتخابات العام 1988، ولا مع إقالة الشاذلي بن جديد، وكنت مع ترك الناس يكتشفونهم على حقيقتهم، ولكن ما جرى جرى، وعلينا أن نتطلع إلى المستقبل بروح محبة متسامحة متوادة ومتراحمة.
‘ من هي المرأة التي يمكن أن تتشبب بها؟
‘ المرأة الحلم، امرأة تلخص التاريخ والجغرافيا، وتلخص جميع النساء، امرأة أقول لها وفيها:
‘أخاف عن الشعر
لا شعر بعدك يكتب
أنت القصيــدة
قرطاج تعرف هذا
ويعرفه البحر إذ
حاول البحر
أن يستفيد من
العشق
فاختار إبحاره
البحر فينا
وأبحر فينا
وهبناه إذاك دستور
عشق
وقلنا له
لا تعد أيها البحر
حتى تفسر للناس
بعض الذي نحتويه
وبعض الذي يحتوينا
أحبك قرطاج تدرك
هذا
فلا تسأليني عن
امرأة
تتلخص فيها جميع
النساء’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية