في كتابها الجديد ‘بنت النهر’، كما في كتاب سابق عنوانه ‘طفولات نبوية’ نشر بالإنجليزية، ترسم فتحية السعودي تجربتها الذاتية شعراً، متأملة معنى : الغربة والاغتراب وهشاشة الوجود وسطوة الزمن، الفاصلة بين بدايات أليفة ونهايات غير متوقعة. يبدو الكلام الطليق مدخلاً إلى تجربة اخترقت الجسد والعقل والروح وعايشها صاحبها، روحياً، قبل أن يستشير العقل، الذي يلبي ما يلبّي، ويقف قاصراً أمام معنى : النهاية، التي تجيء من اتجاه لا يتوقعه أحد. والنهاية هي المآل، الذي نقل فتحية من عمّان إلى لندن، ومن ‘مشاغل العيادة’ إلى أسئلة التصوّف، ومن أحلام الشباب المزهرة إلى مساءلة الوجود المرهقة.
وإذا كان لأسئلة الزمن السوي إجاباتها الوديعة، فإن للتجربة المرهقة، غير المتوقعة، أسئلتها الهاربة وإجابتها المتطايرة. تفصح التجربة عن دلالتها في الاغتراب اللغوي، حيث القاموس العادي يخذل الروح المتوجعة، وفي الصور الإنسانية المتجاورة والمتباعدة، حيث الآهات لغة مكتفية بذاتها. ولهذا يأخذ الكلام شكل البوح المتقطع، الذي يقنع القارئ أن جميع الصور صورة واحدة، تظل ناقصة، لأن قاموس الحياة العادية لا يأتلف مع كلام الروح المغتربة.
كل شيء في ‘بنت النهر’، يبدأ بالاغتراب اللغوي، الذي يجاور ما شاء من أشكال الاغتراب، ويظل مسيطراً. يظهر ذلك من عنوان الفصل الأول: ‘لغة لأرض أخرى’، الذي يشير إلى الانقسام، مستدعياً أرضاً سابقة كان لها لغة سابقة، ارتبطا بإنسان مستقيم الخطا، لم ترهقه التجربة. لا غرابة أن يستهل الديوان بقصيدة يبوح عنوانها بالاغتراب الضروري: ‘لغة متمردة’، التي هي لغة من اختار طريقاً وخدعه الطريق:
أرنو إلى خلق لغة لمشاعري/ كل اللغات هي لي/ فقدت لغتي/ كل الكلمات مملكتي/عيشي مشاعرك بصمت/ …
ليست اللغة الجديدة إلاّ لغة المشاعر التي لا تعبّر عنها اللغة العادية، التي تتدافع وتتجاور وتبقى ناقصة، تقول ما شاءت ولا تلتقط ما يريد قوله صاحب التجربة. ‘كل اللغات هي لي’، تقول الإنسانة المغتربة، مقارنة بين لغة الجسد وإيماءة الروح المرتعشة ولغة ‘الأرض الأخرى’، منتهية إلى : لا يقين الكلام، ذلك أن التعدّد إحالة على يقين لا وجود له. ولهذا تحضر كلمة : الصمت، التي هي اللغة الوحيدة التي تطمئن إليها الروح المتوجعة.
يفضي قصور اللغة إلى: ‘استعارات’، وهو عنوان القصيدة الثانية، التي تقرأ المسافة بين الموجود والمرغوب والمقيم والمشتهى، إذ ‘العكازة’ وجه من وجوه الوجود المريض، يوازيه فضاء منشود، تخلقه الروح ولا تعبّر عنه الكلمات. إنه الانتقال مما يُرى إلى كهوف الجسد التي يضيئها القلب، ومن القدمين المرهقين إلى شهوة الحياة، التي تشير إلى درب يرى ولا يرى في آن.
إنّ الجسد إذا ضاق بأوجاعه صرخ. ولعل سعي فتحية السعودي، الطبيبة والكاتبة والفنانة والإنسانة الكريمة المحاصرة، إلى ترجمة الصراخ إلى كلام، هو الذي يجعل من ديوانها الصغير ـ الكبير تساؤلات متواترة عن ‘قصور اللغة’، مؤكدة أن في روح الإنسان رواسب جارحة لا تقبض عليها اللغة. لذا يتلو العنوانين السابقين، اللذين يشكوان فقر القواميس، عنوان ثالث مطابق: ‘عجينة الأبجدية’، حيث نقرأ:
في مطلع يوم غائم فقدت أبجديتي/ ها أنا أعيد عجن أحرفي التائهة،…
ولن يكون العنوان الرابع مختلفاً: ‘انبعاث كلمات’، الذي يحيل على لغة جديدة ضرورية ومجهضة في آن، أعطت ‘كلمات’ وتمنّعت عن إعطاء : الكلمات. في انتظار إعادة صوغ الجواب ـ الشكوى في عنوان القصيدة السادسة: ‘ كلمة تبحث عنّي’، جاء فيها:
‘ألمح حرفاً يدنو من بعد/ يخترق حاجز الصمت/ يتدثر بقوس قزح/ ويتحوّل إلى كلمات’.
المغتربة لا ترى بل تلمح، ولا تصافح الأشياء بل تنتظرها، وتفتش عن الكلمات التي تفتش عنها، وترضى بظلال الكلمات.
إذا كان دارسو الفلسفة يضيفون إلى الاغترابين السياسي والاقتصادي (كما غيرهما) الاغتراب اللغوي، تعبيراً عن رغبة مخذولة في الكلام، كما لو كان وجود الإنسان يحايثه نقص لغوي، فإن الاغتراب اللغوي يأخذ أبعاداً فادحة، لدى إنسان غريب المآل، جمع بين الغربة في المكان وأطياف الشباب المفقود وجسد أصابه المرض. يفسّر الاغتراب المتعدد الأبعاد، الذي تسلل من الجسد إلى الروح، تلك الشكوى الواسعة من ‘اللغة الموروثة’، التي قد تلائم بعض البشر، ولا تلائم غيره، والتي تصف العادي والمألوف والبسيط، وتتعثّر كثيراً أمام أشجان الغريب.
يرمّم القول الطليق، الذي هو قران بين البوح والتأمل، أوجاع الروح، ولا يرمّمها تماماً، وترمّم الصور اللغة القول الطليق، وتتركه مفتوحاً على أكثر من احتمال. والصور هي ما يجسّر المسافة بين عالمين، وهي ما يدع اللسان والحواس والروح تعابث الوجود، وتنتظر سكينة داخلية. نقرأ في قصيدة ‘مثل نسر يحتضر’:
تتساقط أحرف لغتي مثل أوراق الخريف/ ترقص روحي مثل نسر يحتضر/ رمل يداعب ساقي، أنا عروس النهر ولي وجه واحد/ …
في الخريف مسافة بين زمنين، وفي جناح النسر المتداعي مسافة بين زمنين، وفي ساق يداعب الرمل وساق يداعبه الرمل فرق، وفي أحوال ‘العروس’ أكثر من زمن وفرق ومسافة. والمحصلة وجود محتمل، يراهن عليه ولا يراهن عليه كثيراً، وبياض يتاخم الموت وماء تعانقه الحياة، وبياض وسواد وماء وجفاف و ‘أبجدية تدنو’، تلامس مطالع الأشياء، وتداعب الأمل، كما يداعب الرمل سابقاً متعبة. ينتهي ‘المقطع الشعري’، الذي عنوانه ‘هاوية الأحرف’ بالكلمات التالية:
استيقظي طفلتي، تشبّثي بإيقاع حرف أخير
لربما ينقذك من الهاوية.
تجربة حارقة في الحياة، توحّد بين الماضي والحاضر والمستقبل وأزمنة غير متوقعة، وتجربة في الكلام، تضيف إلى المرئي المباشرة ما تقوله المشاعر ولا تحسن التعبير عنه. وفي التجربتين، اللتين يتصارع فيهما المعيش الجارح والرهان، نظرة الروح المضيئة إلى وجود غامض، نظرة غريبة تفصل بين اللامرئي، الذي له أكثر من تأويل، والهاوية التي لها تأويل وحيد. إنها تجربة الأمل، كما يأمر بها ‘النهر’، الذي يوسّع رقعة الخضرة، والذي يقنع الإنسان أنه نقطة ماء ذاهبة من مكان إلى مكان، وقد تظل ماءً، مهما كان الموقع الذي تصل إليه.
في كتابها ‘طفولات نبوية’ طرحت فتحية السعودي سؤالاً غريباً: ما الذي يجعل الإنسان يسترجع مصائر الأنبياء؟ الجواب هو : أزمنة الشدّة وتوسيع فسحة الأمل، ذلك أن في سيرة الأنبياء رحلة بدايتها التعب ونهايتها الفوز والخلاص. تستأنف في كتابها الجديد سؤالها الأول محاورة ثنائيات الحياة: السهل والجبل ، عناق الطفولة البعيدة والشيخوخة المبكرة، الأشياء كما ترى والأشياء كما يُفكّر بها، الهاوية والفضاء اللامتناهي، واللغة المعطاة بلا ألم واللغة الأخرى التي يفجّرها الأمل والألم، … وفتحية السعودي، في كتابيها معاً، تجعل من الألم مدخلاً إلى الكتابة المبدعة، فللألم لغة لا موقع لها في القواميس، وأداة لمحاربة الاغتراب وتطويعه، واحتفاء بالحياة التي هي مجموعة من الأنهار المتآلفة.
ينطوي عنوان الكتاب ‘بنتُ النهر’ على حكمة، صاغها الإنسان المغترب بجسده وروحه وأوجاعه، وبأسئلته القلقة المقلقة مطمئناً، في النهاية، إلى مجاز: النهر، الذي هو تعبير عن الحركة والتغيّر والتجدّد، وعن بداية رقيقة عذبة، ونهاية هادئة لا تنقصها الشفافية. فلا يصل النهر إلى نهايته، والنهايات متعددة، إلا بعد رحلة خصيبة، تعرّف فيها على السهول والوديان والطير وعطش حمل له أكثر من مسرّة.
ما العلاقة بين الشعر والدين، وبين التصوّف ومحدودية اللغة، وبين الكتابة وتوليد الأمل وأوجاع الإنسان وطرق التعبير؟ أجابت فتحية السعودي عن هذه الأسئلة بلغة حرة ونفس طليقة، موحدة بين مقاومة الروح والاحتفاء بقوة الكلمة.
كل مبدع يستولد لغته، وكل محاصر يستولد أمله. حاورت فتحية اللغة بالأمل والألم، ووصلت إلى فضاء واسع جدير بالتأمل، اعتماداً على تجربة خاصة، تكثّف أوجاع البشر جميعاً.