ما أشبه لبنان اليوم بشارع المتنبي أيام زمان، المتفرع من ساحة البرج، التي أصبحت أثرا بعد عين، بعد الهدم الكلي من شركة سوليدير للتأميم العقاري الخاص – لمعالم هذا المكان الذي كان يشكل موقعا جامعا لكل اللبنانيين. كان شارع شاعر العرب الأول، أبو الطيب المتنبي، في بيروت، غير ما كان عليه شارعه، في بغداد، من أدب ومعرض كتب وملاذ طالبي المعرفة المكتوبة وهواة مطالعة الكتب الصادرة، تأليفا أو ترجمة أو إقتباسا، في طول البعد العربي، الناهض والرافض. كان شارع المتنبي في بيروت مرتعا مرخصا للعاهرات الفاسقات، والمومسات الفاجرات، وبالتالي متنفسا شعبويا ورخيصا للشبق الذكوري الشعبي، ويخضع لرقابة صحية منضبطة ومشهود لها من جانب وزارة الصحة العامة. وكانت إضاءته خافتة، للتخفيف من وطأة الفضوليين والفضائح العائلية لرواده الذين كان أكثرهم متأهلا ومن أصحاب ‘الصيت الزوجي الحسن’. أما هذه المواخير، فقد قسمت الى قسمين: تلك التي في الطوابق العليا، وفي كل منها حوراء شبيهة’ماريكا’ الذائعة الصيت، وتكاليف المغامرة فيها باهظة، وتلك التي كانت في الطوابق الأرضية وتديرها مومسات مترهلات يسحقن كل أحاسيس الرغبة الجنسية، وكن يظفرن بـ’الطفرانين’ من السكارى ولاعبي الميسر، وبالهرمين، والكهول الذين يوفرون على جيوبهم، كما على قلوبهم من شدة وعناء الصعود الى الطوابق العليا. ولم يقم للمتنبي أي نصب عار نصفي، سفلي أو فوقي. بل ضاع الشعر الجميل وقوافيه، في مضاجع البغاء السريع ومآسيه. بعد اندثار شارع المتنبي وانتشاره على طول مساحة الـ 10462 كلم مربع، والتغني بمجد الأرز وعميق جذوره – فيما تجري عملية قطعه لبيعه حطبا وفحما وزينة تذكارية عن بلد الإشعاع والنور- أصبح لكل حي ‘ماريكته’، بعيدا عن رقابة وزارة الصحة العامة، ولكل حي إضاءته الخافتة التي يقضي عليها في أغلب الأحيان، نظام التقنين، ورواد – أشقياء، غير متعددي الطوائف – أقاموا لآلهتهم الدنيويين مقامات تعلوها صورهم وأنصابهم، ودعوا اليها الغافلين المساقين بأسواط البطالة والجهل، للتدرب على كيفية الخضوع المبكر الأعمى لتجار الحروب وعبدة الشياطين وأصحاب الفتاوى الإلهية الصادرة من شيوخ كهوف ‘تورا بورا’ المحليين، والبيت الأبيض، وقصر الإليزيه، و’10 داوننغ ستريت’. ولا يصل الى الطوابق العليا سوى من كتب الله له مديد العمر، من أفراد كل حاشية، والإفتاء بـ’جهاد نكاح طائفي’ لكل حي لتوفير المتعة الكاملة في المفاخذة والمناكحة والمواقعة. وأما سوقة الحثالة الفوقية فيرضون بما تيسر لهم من تجاعيد الحياة واعوجاج شبقهم الهلامي، على شاكلة الملامسة والمهامسة والمخالسة والمجالسة. وأذكر، في هذا السياق، صديقا لي كنت أمضي معه السهر في شارع الحمرا في بيروت، بعد الخروج من كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية المجاورة. وعند العودة الى المنزل بعد منتصف الليل، كنا نقاسي الشوق والحنين الى الجنس من فرط الإثارة التي كانت تبثها في لاوعينا، حسان الشارع. وكان لصديقي أسلوب نفسي رائع وشاف للحد من هذا الشوق والحنين، حيث كان يصر على المرور في شارع المتنبي لمشاهدة القرف والبشاعة التي كانت تقضي كليا على كل ولع وشهوة. وأرى أن الأمر يتكرر لدى المهاجرين والمغتربين عندما تدعوهم وتشجعهم الحكومة الى زيارة لبنان وإشعال نار الحنين والشوق الدفين فيهم. إذ يأتون الى الوطن ‘المزرعة’، وتبدأ عملية إستغلالهم الرخيص، من لحظة وطئهم تراب الأجداد حتى ساعة إقلاع طائرة العودة الى حيث جاؤوا. وخلال عملي في التدريس في احدى جامعات الخليج في أواسط ثمانينيات القرن العشرين، كنت أشاهد زملائي الأمريكيين يلبسون قمصانا صيفية كتب عليها ‘زوروا الإتحاد السوفييتي قبل أن يزوركم’. وأقول للبنانيين في الخارج: ‘زوروا لبنان قبل أن يزوركم’ حتى تتخلصوا من عورات تعصبكم الطائفي التي تسحق نفوسكم ونفوس أبنائكم، وتتعظوا، وتعيشون بعدها في أمان واستقرار. ولا تسمحوا للتبولة والمازه، أن تغزو عقولكم وقلوبكم وجيوبكم. واعلموا أن البقدونس والحمص يمكن بذره في تراب أخصب وأطهر من تراب لبنان الذي تدوس خصوبته وطهره أقدام مرتزقة التعصب الطائفي والشياطين الأنجاس.