اقتحم العرب عصر الثورة الإعلامية بعدد وافر من المحطات الفضائية العربية التي يصل بثها إلى جمــيع أنحاء العالم، فالرصيد العددي فضائياً مبهر، فلا يكاد يمر شهر إلا وتظهر قناة جديدة على أحد الأقمار الصناعية المشغولة عربياً، ومع ذلك فلا شيء يجذب الجمهور، فالتكرار سمة عربية في مختلف الفضائيـــــات، حتى إن كانت فضــــائية صغيرة تبث برامجها من شقة مستأجرة في إحدى العواصم العربية، أو من مجموعة إعلامية كبرى لها عدة قنوات سابحة في الفضاء الإعلامي. وفي حالة الإعلام العربي مع نهاية عام 2013 أكاد أجزم أن الصورة لن تتغير كثيراً عن السنة الماضية أو السنة القـــــادمة، فالشاشات العربية موزعة على مشاهد الدماء والجثث المقطعة، والراقصــــــات اللواتي يلهبن المسرح والجمهور، أما حالة الدارما العربية فهي نحو المزيد من الانحدار، بعد أن اختزلت نفســـــها في معالجة قضايا تظهر في الصحافة الصفراء وعلى صفحات الحوداث في الإعلام العربي. ناهيك عن برامج الرقص والغناء ‘والمواهب’ التي نقلت صورة لنا وللآخر أن عالمنا العربي كله مغنون وباحثون عن الشهرة وأبطال حلقات استعراض، وللاسف كل ما هو معروض فضائيا برامج استهلاكية لحاجيات وهمية تكرِّس قيماً لا تتفق مع أدنى المعايير الاجتماعية والقيمية. وبفعل هذه العقليات التي تسيطر على الإعلام ظهرت الحرية التي تنشر التسطيح الإعلامي، من دون إذن أو اعتبار، بدعوى رغبات الجمهور والإثارة الإعلامية، حرية تستحق الوقوف بوجهها، وتقنينها، والمطالبة بقمعها في كثير من الأحيان، فهي لم تستثن أحداً. ونتيجة لهذا الواقع تعرّضت الثقافة العربية إلى اهتزازات عنيفة طالت التراث الفكري والأدبي والديني والأخلاقي، بفعل الاستغراق غير الواعي في المشاهدة لقوالب ثقافية ونمطية نسفت الثوابت القيمية والدينية، وأسقطت تابوهات المحرّمات حتى قتلت الخصوصيات، وتحولت وظيفة التلفزيون من الترفيه إلى التقليد المسخ. وأصبح العربي مغلوباً على أمره، يخضع لتعريفات المنتج الذي يقتنص الفرصة بمجرد أن يسيطر على الشاشة ويملأها بما يراه هو مناسباً، فيتحوّل المشاهد إلى آلة لتسجيل رغبات المنتج، ويبدأ المشاهد في الانسلاخ التلقائي عن قيمه، وتتهاوى حصون الممانعة، ويغيب الرأي المخالف عن عمد، لأن قوة الأبواق الناطقة – كما يقول أمين معلوف- تقود إلى هيمنة الرأي السائد، ولا يبقى صدى لأي رأي مغاير، والحقيقة التي لا يعترف بها الجمهور أن تدفق الصور والكلمات لا يترك مجالاً لروح النقد. فكلما كان الإنتاج المهني متدنيا وماديا؛ ارتفعت نسبة عدد المشاهدين، وهذا واقع الحال في الإنتاج العربي حالياً: تدنٍ في المضمون، وفي المقابل اتساع رقعة المشاهدة الجماهيرية، ولهذا لا يلتفت القائمون على إدارة الإنتاج في الفضائيات العربية إلى تكاليف الإنتاج لتحسين نوعية المنتج طالما أن هذا المُنتج يحظى بأفضل نسب المتابعة. هذا التناقص أسهم في إفراز عرابين جدد في الإعلام؛ فبدلاً من تعزيز التفاهم بين المجموعات واحترام الخصوصيات؛ أخذت الوسائل الإعلامية العربية تلعب على أجنحة الصراعات الداخلية في كل منطقة وأقليم واستخدام الإعلام ليكون أداة سياسية لتصعيد خلافات الجمهور، وبث أفكار لا تمثل قيمة مضافة عند المتلقي؛ بل تمثل خطورة لا سابق لها، لأنها تُسهم في تسطيح العقل الجماعي العربي، بل وتغطية الذاكرة العربية الواعية برماد كثيف لا يتزحزح، ومع مرور الزمن يتكتل ويعيق التطور والبناء الفكري والمجتمعي. وهذا فعلاً ما يحدث، وقد ثبت ذلك بالدراسات الإعلامية؛ فقد لاحظ روجيه غارودي في بداية تسعينيات القرن الماضي أن فلسفة الإعلام في الغرب تنطوي على تحريض دائم وحاسم من أجل تجنيد المشاهدين، والدعوة إلى الغوغائية والخمول تجاه رأي عام تتلاعب به الدعاية والإعلانات، فالتلفزيون – كناقل للصوت والصورة – لا يروي الحكاية؛ لكنه يصنعها ويتلاعب بها. والنتيجة أن الفضاء الإعلامي العربي الحالي مُسْتَوْعَب للكثير من الدجل والكذب على الهواء، وأصحاب الفكر الحر والقرار الصائب يتفرجون وهم صامتون، فلا نجد محاولات لفضح الأكاذيب وكشف مستور هذا التلوث، أما ما يقدم من دراسات وأبحاث فهو في غالبه لغايات الترف الأكاديمي والترقي الوظيفي، وفي نهاية الأمر تجلس كثير من الأسر لتشارك في الجريمة التي لا تُغتفر، وهي جريمة تسطيح الإعلام العربي، بموافقتها ضمناً على المضمون البرامجي. وفي الإعلام العربي على المستوى الرسمي يقف القائمون على القطاعات الإعلامية موقف المشاهد السلبي الذي لا يقدم أو يؤخر في الأمر شيئاً، فيشاهدون فطريات السموم وهي تتكاثر هنا وهناك، في فضائية أو برامج تعتمد على التسطيح، من دون محاولة لتقييد هذا التكاثر المسموم، أو ممارسة حقهم الطبيعي في إغلاق الفاسد منها، أو على الأقل تقنين المضمون وأوقات المشاهدة، كما تقوم الكثير من الدول التي تحترم جمهورها، فهو غائب في شرائعهم، مما جعل أصحاب تلك الفضائيات بوقاً لكل رأي شاذ يلوث الجمهور بأوهام صناعة الفكر والرأي، وهو فكر ورأي ملوثان. والغريب أننا نقف عاجزين غير مدركين حجم التلوث، أما أصحاب الرأي والخبرة الإعلامية والاجتماعية؛ فهم مشاركون في الغالب الأعم في الجريمة، فلا تجدهم يطرحون سؤالاً واحداً لملاك الفضائيات أو في مؤسسات المجتمع المدني: هل الفضائية التي تقدم ذلك التلوث الإعلامي مدركة لرسالتها؟ هل تؤمن فعلاً بأخلاقياتها المهنية والمواثيق الإعلامية التي وافقت عليها عند البث؟ أم أن رغبات الممول الخفي هي مصدر الإلهام لهذا المضمون الإعلامي الفارغ؟ إن التسطيح الفكري والانهيار الأخلاقي الذي نشاهده في الفضائيات العربية يؤكد بشكل حازم أن الممولين وإن زاد عددهم، إلا أن الفكرة والمحصلة النهائية لهذا التلوث واحدة متشابهة ملموسة، وإلا ما معنى تكاثر السموم وانهيار النسيج القيمي والأخلاقي والديني للمجتمع بفعل تأثيرات الإعلام الواضحة، وأضحى العالم؛ والعالم العربي تحديداً، حقل تجارب جديدا، تجاوز الأمر الصورة والصوت. هذا التسطيح قادنا بإرادتنا نحو المذبح، حيث تغلغلت السطحية الإعلامية في فكرنا وإعلامنا، وقضت على كل حصون الممانعة الدينية والثقافية والدينية، وبالتالي هُزمنا بأيدينا بعد أن تنازلنا طوعاً عن ممانعتنا القيمية. وطغى البُعد التجاري والترفيهي على القنوات الفضائية ، وسيطر عليها إعلام التهميش والتهريج، وغابت الرؤية الثقافية والإعلامية الواضحة، وأصبحت العــــــــلاقة ما بين الوسيلة الإعلامية والجمهور علاقة معقدة تحدد فيها المصالح وفق مبدأ تجاري لا يُلتفت فيه كثيراً إلى رغبات الجمهور، وأصبحت الخصوصية العربية محطة للتجريب عند أصحاب القنوات، وكل صاحب قناة يدلي بدلوه ويجرب ويقرر بناء على ردات الفعل العربية ما يصلح وما لا يصلح للبث، فتحولت الفضائيات العربية بفعل هذه العقلية التجارية الضيقة إلى بقالات صغيرة، تبيع العهر والفساد مباشرة على الهواء وإلى الجمهور، تقدم للجمهور بضاعتها الفاسدة التي لا صلة لها بقيم أو أخلاق أو حتى مراعاة لواقع الحياة اليومي العربي.