تبدأ سنة 2014، يحتفل فيها الكثير من الناس، فيما ينتاب حزن لا مثيل له الكثير الآخر منهم، لأن سنة 2013 انقضت ومعها أحزان وموت ودموع وخيانة. سنة 2013 أكدت لنا أن الأنظمة العربية ظالمة، قامعة، قاتلة، فاشية، أقول الأنظمة كلها. فإن كانت أنظمة تونس ومصر وليبيا واليمن قد سقطت وولت فإن سمومها لا تزال تسري في عروق الدولة الجديدة الوليدة، متمثلة في فلول الأنظمة السابقة التي اقتنصت السلطة وجعلتها ملكية لها بعد ما سلبتها من الشعب الذي ضحى ومات. شعب فقد أعز شبانه الحياة ليحيا الوطن، أو اعتقدوا ذلك، إلا أن صقور الأنظمة كشرت عن مخالبها وانقضت على الفريسة الهزيلة الضعيفة المتمثلة في الدولة. أما في بلدان أخرى، والتي يرى الجميع أنها مستقرة وهنا أعني دول الخليج التي تحولت إلى عراب تدعم حربا هنا وتمردا هناك مغيرة خارطة المنطقة إلى أسوأ، وأقول أسوأ لأنه من السهل دعم حرب ما، فالحرب الحديثة لا تدوم مائة سنة لكن بناء الدولة يحتاج ربما إلى هذا الوقت أو أكثر فهل من داعم؟ لا أعتقد أن هذه البلدان ستنفق من أجل أن يحيا الشعب، فالشعب في كلتا الحالتين إذن عامل ثانوي. وهنا المعضلة الكبرى فهل من لبيب ينبه عن هذه الحال؟
أين هم المثقفون العرب؟
نظم معهد العالم العربي بباريس في إحدى تظاهراته الثقافية ندوة حضرها عدد من ‘المثقفين’ العرب، وتفاجأت حين بدأ أحد الأصدقاء يقدمهم لي فيقول ‘ أقدم لك الدكتور الكبير فلانا أو الأستاذ الكبير فلانا’ وكلهم على هذه الحال، ذكروني بباشاوات العهد العثماني، ألقاب مفخمة وبطون منتفخة ورؤوس فارغة، فكتبهم على رداءتها لا تقرأ، وإن كان المواطن العربي لم يعد دؤوبا على المطالعة. فمطالعتي لبعض الحوادث الإنسانية، أثبتت لي أنه في كل مرة يكون المثقفون في طليعة الثورات أو هم الذين أشعلوا نيرانها المضيئة، والثورة الفرنسية والبلشفية خير دليل على هذا. أما عندنا فالمثقف مثقف ولائم ومقالات جرائد، وحبذا لو رأينا كل المثقفين العرب في ميادين الثورة متقدمين جيوش الشباب المسالم المتعطش للحرية والعدالة ولن أتحدث عن الديمقراطية. لكن لا شيء من هذا القبيل فنزلاء الفايسبوك هم الحيادرة الذين ازاحوا الظلم وزهقوا باطلهم.
وإني لأناشد من منبري هذا أن يتوب المثقف العربي وأن ينتهي عن صمته الرتيب أو كلامه الموارب وأن يقول كلمة حق بصوت يسمعه الشارع العربي ويفهمه ويستسيغه ويتبناه ويتبع أحسنه، أيها المثقف … قم فانذر، وعن رأيك فعبر، وبلدك من الظلم فحرر.
البقية الباقية من الدول العربية.
بقيت بعض البلدان العربية التي لم أتطرق إليها، منها المغرب والجزائر، فالأول أضحى مجرد إمارة تحت سيطرة الغرب مباشرة، فالمغرب تابع لفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وأصبح الملك كما الخليفة في عهد السلاطين.
أما الجزائر، فمعضلتها في مثقفيها وسلطتها وشعبها، فالمثقف الجزائري أضحى نكرة لا يعرفه أحد، وأعني بالمثقف كما ذكرت ذلك الشخص البسيط الذي يقف فى أول صف التنديد بالظلم، لا ذلك الذي يتكئ على الأرائك الفخمة وعلى الزرابي المبثوثة وأزواجه في ظلال بباريس ولندن.
فالرئيس بوتفليقة رغم مرضه الجلي والصريح والواضح لا يجد حرجا في الظهور وكأنه بصحة جيدة؟ كما كأننا عميان لا نرى، ويريد أسياده الجنرالات إيهامنا، وقد نجحوا في ذلك، بأن الرئيس يتعافى ويبرأ وهو مستعد ليتبوأ عهدة رابعة. ولن أتحدث عن الوزير الأول الذي اضحى محل سخرية الجميع في الجزائر وغيرها، فطابعه الإستهزائي لا يزيد الطين إلا بلة والوضع إلا تعفنا، أما الشعب وهنا الطامة الكبرى فقد استسلم ووضع السلاح معتقدا أن الثورة تأتي بالموت فقط. إعلم عزيزي المواطن البسيط أن هناك ثورات سلمية حققت ما لم تحققه الإنتفاضات الدامية والتاريخ شاهد على ذلك فابحث. إن التغيير أمر ليس بالهين السهل، إذ لا بد من التدبر والتحضير وإشراك جميع القوى الفعالة في مجتمعنا، وعليه فلا بد من تحريم الإقصاء الذي أوهن ثم أفشل معظم الثورات العربية، ولأننا كشعب لا نريد أن نطيح بالحكومة وبسياستها وإنما نريد أن يذهب أولئك الملطخة أياديهم بدماء الجزائريين، وأولئك الذين عاثوا في البلاد فسادا، وهم يعتمدون التقية لا يجرؤون على الظهور وهذا عين الجبن، واعلم أنهم لا يحكمون الجزائر بل يحكمون من يحكم الجزائر فالإطاحة بهم يعزز من يحكم الجزائر الذي سيكون تحت رقابة الشعب.
الحق، والحق أقول أننا لا نريد ثورة دموية في الجزائر فقد ثملنا من دمائنا وتعبنا من جثثنا، بل نريد أن يذهب هؤلاء الذين يبتغون الشر لبلادي وإن فعلوا فلن نحاسبهم، بل سنقول لهم إذهبوا فأنتم الطلقاء، وعفا الله عما سلف، لكن لا أحد في الجزائر، بلد الجسارة والشجاعة والبسالة يجرؤ على فتح فمه ولا أن يستحي من نفسه بدءَا من الرئيس وأسياده ومروراَ بالوزير الأول ووصولا إلى الشعب فحالنا شبيهة بالمثل الجزائري الذي يقول ‘الأول معلول والثاني مكسور والثالث ما يعبيش خلاص’، أي كلنا مسؤول عما يجري وكلنا نتحجج بما نتحجج لتبقى الجزائر رازحة تحت العسف.
فريد بوغانم
[email protected]