الباحثة والفنانة التشكيلية اولغا مالاكوفا: تعلق الفنان التونسي بالمدينة والحياة الاجتماعية هدفه عصرنة التراث وتنوع الأضداد

حجم الخط
0

تونس ـ من شمس الدين العوني: شكلت الحالة الفنية التشكيلية التونسية عبر عقود ومنذ بدايات القرن الماضي مجالا للقراءات الجمالية والنقدية والتأويلية شأنها شأن المسرح والسينما وفنون الابداع بتلويناته المختلفة.
وضمن الفضاء التشكيلي كانت جل الدراسات سواء الأكاديمية منها أو النقدية متعاطية بالخصوص مع الجوانب المتعلقة بالخصائص والبيئة الثقافية ومراحل وعناصر تطور التجربة في تجلياتها المتعددة حيث كانت هناك محطات مهمة شكلت عناوينها بعض الأسماء التي أفادت من تجارب الآخرين وخصوصا الذين اثروا في التجربة الجمالية والتشكيلية التونسية من خلال زياراتهم لتونس أو اقاماتهم بها في فترات من القرن الماضي..في هذا السياق كان اشتغال الفنانة التشكيلية والباحثة الأكاديمية التونسية من أصل روسي اولغا مالاكوفا ( Olga malakhova ) على موضوع مهم يمس الحياة التشكيلية التونسية في العمق باعتبار المعايشة والمواكبة والمعرفة فضلا على الخبرة الابداعية ..فنحن اذن أمام عمل أكاديمي وعلمي من قبل باحثة ومبدعة أيضا في المجال موضوع العمل والتي يشير الى بحثها هذا الذي هو أطروحة دكتوراة ناقشتها أولغا مالاكوفا زيد في جامعة باريس 8، منذ أكثر من شهر، وتوجت بملاحظة مشرّف جدّا..
هذا عمل مهم ليس للثقافة التشكيلية التونسية فحسب بل للساحة التشكيلية العربية، باعتبار أن الابداع التونسي رافد مهم من روافد الحياة الابداعية العربية والعالمية.
وقد اشار الفنان التشكيلي علي الزنايدي الى ذلك كما يلي’… (من اللّوحة إلى التّنصيبات / بناء الفضاء المشهدي في تونس من الحقبة الاستعمارية إلى اليوم)… عالجت الباحثة في مجلدين هذا الموضوع الطريف الذي لم يحظ بالاهتمام والبحث في تاريخ الفن التشكيلي التونسي، وتساءلت عن إشكالية وجود مفهوم للمشهد الطبيعي في النقد والتاريخ الفنّيَين، ثم تطرّقت إلى التطورات النظرية والاجتماعية والموروث الحضاري التونسي والإبداعي المعاصر من خلال ألف صورة لأعمال فنّية تونسية وأوروبية ولمشاهد معمارية اجتماعية تراثية أثّرت في رؤية الفنانين.
ونظرا لأهمية هذه الأطروحة في المجال النقدي والتّأريخي والتحليلي للتفاعل الثقافي بين تونس وأوروبا، فنحن سعداء بهذا الإنجاز العلمي الذي أعتبره مرجعا للباحثين والطلاب وإثراءً للمكتبة الفنّيّة.
أمّا محور الأطروحة فيدور حول مدى تأثير تجربة ‘بول كلي’ في البناء التشكيلي للّوحة الفنية منذ قدومه إلى تونس في أفريل 1914 أي ما يربو عن قرن مضى تقريبا.
والمعروف أنّ ‘بول كلي’ من خلال اكتشافه للضوء واللون أثناء أقامته القصيرة في تونس وسيدي بوسعيد وسان جرمان والحمامات والقيروان تفاعل مع الموروث الحضاري التونسي وأرسى تفكيرا جديدا ورؤية عميقة لإدراك المشهد الطبيعي عن طريق التمعّن والحسّ والروح والعقل حتى لا يبقى الرسّام ناسخا للواقع المبتذل وعبدا للشيء وموضوعه.
فمفهوم المشهد الطبيعي والصورة هو نتاج لإدراك الفضاء واللون والبنية من خلال الخيال والعقل والمرجعية المعرفية الفنية والحضارية وخاصة الموسيقية منها. وبالتالي يصبح المشهد الطبيعي إبداعا عقليا.
فالعمل الفني ينبع من مدى الرؤية والتفاعل والتحليل ثم الإنجاز والخيال والتأويل والتجاوز الجريء ليصبح المشهد بناءً عقليا وتجديدا أصيلا يفتح الأبواب لتجارب أخرى فيها عصرنة التراث وتنويع التراكيب والبناءات والتوزيع واستعمال الخامات والمحامل والتقنيات والأضداد والألوان اللامتناهية.
اهتمت الباحثة من خلال المحاور والأبواب بمدى التفاعل الحضاري بين الشرق والغرب، بين تونس وأوروبا، منذ نشأة الاستشراق مرورا بالصالون التونسي وفترة الروّاد ثم مدرسة تونس حيث ركّزت الدكتورة على اهتمامات العصر وهي ترسيخ الهوية والسيادة وبناء مفهوم التونسية كمطالبة وطنية زمن الاستقلال في شتى الميادين الفكرية والفنية.
ثم أشارت إلى التطور السريع للإبداع التشكيلي من خلال فترات العقود الأربعة الأخيرة من منتصف القرن الماضي 1950-1990 حيث تطور التعليم ومفهوم الفن في ظل الكونية والتيارات العالمية التي تتأثر بالفكر والمجتمع والاكتشافات الحديثة والتكنولوجيات الرقمية والنظام العالمي الجديد.
بهذه الأطروحة الهامة والثرية والبحث الطويل والعمق الذي تمتاز به، فقد قدمت الدكتورة عملا جليلا لتونس وللفن وهي التي أحبت تونس من جنوبها إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها، ودافعت عن هويتها وواكبت الحركة التشكيلية منذ قدومها في أواسط الثمانينات إلى فنّ عهد الثورة…’.
عمل مهم من تجربة ابداعية وأكاديمية ما من شك في كونه سوف يعزز المجال الدراسي والعلمي والبحثي بالخصوص تجاه مشهد تشكيلي تونسي متعدد ومختلف ويراوح بين رؤى الأصالة والمعاصرة ضمن سياق فيه التجارب والرموز والاتجاهات المتعايشة والمشكلة عبر أجيالها العنوان البارز للمشهدية التشكيلية التونسية..

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية