كقارئ بسيط راسلت صفحات قراء بعض الصحف لم أستشهد بأقوال أحد فى مشاركاتي بمثل ما إستشهدت بمقولات الأستاذ حسنين هيكل، فلم أصدق يوماً الكثير من صحفيي مبارك وولده جمال عندما كانوا يشنون حملاتهم المريبة على الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، وعلى سبيل المثال وقبل ثورة يناير/ كانون الثاني بحوالى عامين، وبعد أن طرح فكرة إنشاء لجنة مصغرة من النخبة المصرية ومعها وزير الدفاع السابق المشير حسين طنطاوى لتعديل مواد دستور 1971 وتشرف تلك اللجنة على تسليم السلطة لمن يخلف مبارك، أحدهم وهو الأستاذ أنور الهوارى قال عن الأستاذ هيكل ‘مجنون برقاش’ بسبب طرحه لتلك الفكرة، والتى كانت من الممكن أن تنقذ نظام الرئيس مبارك قبل سقوطه بعامين والآن بدأ معظمهم ـ وسبحان مغيِّر الأحوال ـ فى الإستشهاد بمقولات الأستاذ هيكل. وكان يردد معظمهم أن هيكل طامع فى لعب دور على الساحة السياسية، أو على الأقل يصبح سكرتيراً وملهماً وكاتباً لخطابات الرئيس مبارك، ولأن هذا الزمن ليس زمن عبد الناصر، فهيكل يقوم ـ هكذا قالوا ـ بشن هجومه على مبارك بسبب تلك الأماني، والحقيقة أن الأستاذ كان يرد أنه رفض ـ وهذه حقيقة ـ تولى أى منصب منذ عهد عبد الناصر، وتولى فقط وزارة الإرشاد والخارجية معاً لأشهر قليلة وفى ظروف صعبة أثناء نقل حائط الصواريخ على الضفة الغربية لقـــناة السويس، ولكن زيارة الأستاذ هيكل الأخيرة للبنان ومن قبلها الإمارات تظهر أن الرجل ـ وبعد أن إستئذن فى الإنصراف منذ عقد من الزمان ـ يحن للعب دور على الساحة السياسية ليست المصرية فحسب بل العربية والعالمية . وقبل ثورة يناير / كانون الثاني لا ينكر إلا جاحد دور الأستاذ هيكل فى معارضة مبارك وكل مرة وبكلمات معدودة يفتح مجالاً رحباً لزيادة وعينا وزيادة الإحتقان الشعبى من مبارك ونظامه، وكانت كلمات المحرر الصحافى الشهير روبرت فيسك عن ‘ كلمات هيكل المسمومة ضد نظام مبارك’ خير معبر على ما كان يقوله هيكل، ولو عدنا لما كتبه الأستاذ هيكل من خطابات مفتوحة للرئيس الأسبق مبارك بعد مرور عام فقط على توليه الحكم، والتى لم تنشر إلا بمرور ربع قرن على كتابتها، سنجد أن تلك الخطابات تعد وثيقه هامة جداً، وبأسلوبها الجميل والشيق والأدبى والمتأدب ـ كالعادة ـ فى كيفية مخاطبة مقام رئيس الدولة، وسنجد أسلوب الأستاذ هيكل فى قمة التأدب وعندما حاول أن يسرد قصة أخذ السادات لرأيه فى تولى مبارك منصب نائب رئيس الجمهورية، وتحفظ هيكل وطلب من السادات أن يتولى مبارك منصب وزارى مدني ليوضع وجهاً لوجه أمام ظروف الحياة المدنية قبل تولي نيابة الرئيس السادات، وفى كتابه ‘مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان’ ذكر وقائع لقاءه الأول مع مبارك بعد أن أفرج عنه، وفيها قصة بسيطة لكنها موحية تماماً وتلخص التغير الذى حدث بين الأستاذ هيكل المعارض لمبارك والأستاذ هيكل المحرض على مرسي، فذكر الأستاذ هيكل أنه فوجىء أثناء جلوسه مع مبارك بأن مبارك قام بتدخين سيجار وأبدى تعجبه لإعتقاده أن مبارك لا يدخن، وبدأ حديث شيق بين هيكل ومبارك عن أنواع السيجار ظهر فيه معرفة هيكل التامة لأصناف السيجار الأصلى منها والمضروب، وطلب بعد إستئذان مبارك بأن يأتى السائق بعلبة سيجاره التى تركها فى سيارته خارج القصر الجمهورى، وبعد تولى الرئيس المنتخب محمد مرسي الحكم زاره الأستاذ، ولكنه عندما ذهب لمقابلة مرسي أخذ سيجاره معه وأشعل منه سيجاره أمام مرسي بعد إستئذانه فى ذلك، وبمرور الأيام وزيادة الإحتقان ضد مرسي بدأ الأستاذ هيكل فى حوارات أشهرها مع الإعلامية ‘لميس الحديدى’، وكما يقول الصحفى وائل قنديل متحسراً ‘رجل بدأ حياته بشخصيات مثل غاندي و نهرو و تيتو وناصر و أنتوني ناتنج و قرر أن ينهيها بـ… و … و ما أكل السبع’، وحاولت المذيعة كثيراً إستنطاق الأستاذ هيكل بما لا يرغبه وكان يحاول كبح جماحها، ولكنه فى كثير من الأحيان بدا متحاملاً على مرسي، فبدأ فى إستخدام مصطلح الكاتب الشاب الراحل ‘حسام تمام’ وهو ‘ترييف الإخوان’ وكأنها مسبة أن ينتمى كثير من قادة الإخوان للريف المصرى، وذكر كثيراً فى إنتقاده للرئيس المنتخب بأن كلامه ـ أى الرئيس المنتخب ـ يشبه كلام المصاطب . ودائماً ما يترفع الأستاذ هيكل عن الرد على معارضيه، فكثيراً منهم ـ والحق يقال ـ موجه ليرد على كتاباته، ولكن آخر مرة رد عليها ـ وليته لم يفعل ـ كانت من نصيب الكاتب الكبير فهمى هويدى الذى كتب مقالا بعنوان ‘درس فى الشيطنة ‘ بعدما ظهرت براءة الإخوان من جريمة حرق مزرعته ومكتبته ببرقاش، حيث كان الإتهام علني فى برنامج يراه مئات الالاف ـ إن لم يكن الملايين ـ ورد الأستاذ على المقال فقط لا ليعتذر عن تسرعه فى إتهام الإخوان، ولكن ليلصِّق التهمة بــ’شيطان ما لعب فى برقاش’!! لذلك يمكن أن نلخِّص الفرق بين مواقف الأستاذ هيكل بالنسبة لمبارك عنها بالنسبة لمرسى بشىء بسيط جداً، وهو أن ننظر لسيجار الأستاذ هيكل ما بين حسنى ومرسى!