بقيت القضية الفلسطينية وبعد عقود طويلة ومريرة تتصدرعناوين وديباجات الخطاب السياسي الرسمي والشعبي العربي، وعانت كأهلها من تقلب ظروف المد والجزر على تاريخ وجغرافيا أرض شرد شعبها وبدل بشعب آخر قادماً من وراء المحيطات، لتبقى فلسطين بالإضافة لبعدها القومي والديني، تمثل قضية ذات أبعاد إنسانية كبرى وعميقة، تمثل صرخة المظلوم وأرواح الشهداء في وجه منظري حقوق الإنسان، وتفضح وتزدري نظاماً دولياً طالما تزين بالمصالح الضيقة، والنفاق المقيت، وأطنان من المكاييل المعوجة والمعايير المزدوجة. في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قد يصبح كل شيء ذو دلالة ومغزى، وتغدو التكهنات السياسية واقع حال، والشوارع المدججة بالمعابر، والأمن المحفوف بالمجازر قد تصبح خارطة طريق بين ليلة وضحاها، فتحاول إحدى الصحف أن تشرح كيف بقي رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرائيل شارون على قيد الحياة رغم وفاته سريرياً لعدة أعوام، وهنا قد يسأل كيف بقي حلم السلام ووهم التعايش الفلسطيني الإسرائيلي المشترك، كيف بقي منذ أوسلو وما بعدها حياً في أفواه الساسة والحالمين رغم فناءه على أرض الواقع، فشارون قد خارت قواه فجأة ليجعل من أطباءه ينصحوا أسرته بأن يتركوه يموت في سلام، أما السلام مع إسرائيل فلا ينصح العرب الا ببقائه على طاولة التفاوض المكسرة والمغبرة، كونه برأيهم خيارهم الاستراتيجي الوحيد، الذي رغم وعيهم بأنهم لا يملكوه فما انفكوا يرددوا بأنهم لا يملكوا غيره، وشارون يزوره ابنيه يومياً، أما السلام المنشود فتتذكره حقائب الوسطاء وأجندة الدبلوماسيين بعد انتظار تبدل الحكومات وانتخاب الرؤساء ثم يختفي الأمل وتعاد الكَرة من جديد، وقد مسح جسد شارون مسحاً ضوئياً ليوضح أنه يعاني من جلطة دماغية لا شفاء منها، أما فلسطين فقد مسحت عنصرياً فتبدو مصابة بداء الاحتلال والاستيطان والتهويد والمعابر وغيرها وهيهات لها من شفاء، ليتفق بعد ذلك أبناء شارون مع أركان السلطة الفلسطينية بضرورة إبقاء شارون وحلم السلام أحياء طالما كان ذلك ممكناً بالأجهزة الطبية من جهة، وبدعم السلطة الفلسطينية وتحجيمها من جهة أخرى، وفي المستشفى أجريت جراحة عاجلة لشارون بهدف تخفيف الضغط على المخ ومحاصرة الجزء المتضرر، لكنه لم يفق من غيبوبته، وفي فلسطين تشتد وتتواصل جهود كيري ما ظهر منها وما استتر لفتح المسار التفاوضي وإنعاشه ومحاصرة الفصائل الفلسطينية الأخرى، لكن السلام ما زال لم يتحقق، ولا يحرم شارون من طاقم كامل من الممرضات اللاتي يقمن دوريا بتغيير طريقة رقاده حتى لا يصاب بالتقرح، أما الطاقم التفاوضي الفلسطيني فقد أصابه الوهن والالتهاب والدمامل من عدم رفده بأفكار ومسالك جديدة، يحملها جيل جديد بأدوات جديدة. وأخيراً يؤكد طبيب شارون أن مخه قد أصبح في حجم برتقالة، وما سوى ذلك مجرد سوائل، فهل سيأتي يوم تظهر فيه زعامة السلطة الفلسطينية لتؤكد لشعبها أن مبادئ التحرر والخلاص قد اضمحلت وتحوصلت في حجم أصغر بكثير من الحق الفلسطيني، وأن ما عدا ذلك من مفاوضات التقارب والحوار وخرائط الطرق المسدودة، وخلق سلام حقيقي مع كيان غاصب، لم ترتق حتى لتكون مجرد سوائل، فقد تبخرت وتطايرت، وبقي السلام المنشود حاله كحال أحد مجرميه غارقاً في غيبوبته!