الحصاد الثقافي والفني للعام 2013 (العراق): بغداد عاصمة للثقافة العربية… وحديث عن سطوة الفساد على الفعاليات

حجم الخط
0

بغداد ـ ‘القدس العربي’ ـ من حسن علاء الدين: حاولت المؤسسات الثقافية العراقية؛ الحكومية والمنظمات الخاصة، أن تكثف جهودها لإنهاء فعاليات العام 2013 في الأيام الأخيرة، فخلال شهرين أقيمت ستة مهرجانات تفاوتت في قيمتها وأهميتها بالنسبة للثقافة العراقية بشكل عام. إلا أنها بشكل عام قدمت على مدى اثني عشر شهراً مهرجانات كثيرة لم تشهد مثلها السنوات الماضية، خاصة مع اختيار بغداد عاصمة للثقافة العراقية، التي جعلت من المثقفين العراقيين عموماً منقسمين إزاءها، بين راضٍ عنها، ومبتعد بسبب سوء تنظيمها وما طرح فيها من أدب وفن.
ويلاحظ خلال السنوات الماضية أن هناك نشاطاً ثقافياً تصاعدياً أخذ يسم السنوات الأخيرة في المشهد العراقي. ولعل العام 2013 الذي ودعنا ملوحاً خير شاهد على هذا المنحى التصاعدي. وليس من المبالغة الادعاء بأن العام 2013 يمكن تتويجه كأحد أكثر الأعوام نشاطاً وحراكا ثقافياً وفنياً في العقد الأخير، فمع تزامن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية الذي حفلت به بغداد بمختلف الأنشطة الفنية والثقافية، نظمت مؤسسات ومنظمات فنية وثقافية أخرى متنوعة، العديد من الفعاليات التي أغنت الحراك ودفعت به إلى مديات أرحب من التنوع والنمو، يضاف إلى ذلك ما لوحظ بوضوح كبير ذلك الكم الهائل من الإصدارات والمطبوعات التي لم تقتصر على جانب دون آخر في المضامين. وفي هذا الباب بالذات من المؤشرات، يمكن الجزم بأن العام 2013 كان الأكثر زخماً وقوة في إنتاج الإصدارات والمطبوعات الثقافية على الإطلاق. مئات المطبوعات صدرت، وعشرات الفعاليات أقيمت في المسرح والسينما والشعر، وكذلك المحاضرات العلمية والأكاديمية في محاور تلامس معالجات حاضرة في الواقع العراقي الآن مثل الهوية الوطنية والصراع الطائفي وسبل النهوض بالإنسان ومختلف الموضوعات التي تصب في إطارات التوعية والتنمية البشرية. مطبوعات عراقية غزيرة ودور نشر زاخرة.. وحضور إبداعي عراقي في المحافل العربية والدولية، وجملة من الجوائز تحصدها الأسماء العراقية، هذا ما وسم عامنا المودع، أدبياً وثقافياً ومعرفياً.
مؤتمرات ومهرجانات

أقيمت خلال هذا العام مؤتمرات ومهرجانات عُدَّ بعضها مهماً والآخر لم يغير شيئاً، إلى درجة أن الأسماء تتكرر في كل مهرجان والنصوص نفسها، حتى أن بعض الأدباء حفظ قصائد قرئت في المهرجانات بسبب تكرارها منذ سنوات، ولم يحاول شاعرها أن يكتب قصيدة جديدة ليشارك بها. وهذا حدث مع مهرجان المربد الذي أقيم في شهر أبريل بمدينة البصرة، وهي المدينة التي انطلق منها في سبعينيات القرن الماضي قبل أن تقوم وزارة الثقافة بنقل فعالياته لبغداد في الثمانينيات، إلا أن الأدباء قرروا أن يقام مرة أخرى في البصرة بعد سقوط النظام السابق وتغيير كادر وزارة الثقافة بالكامل، فأقيم المهرجان على مدى ثلاثة أيام في قاعات فندق شيراتون البصرة، من دون أن يحضر جلساته سوى الأدباء المدعوين فقط، بسب الأوضاع الأمنية والخوف على المدعوين من أية عمليات إرهابية.
ومن ثم مهرجان المتنبي الذي أقيم في شهر تشرين الأول في مدينة الكوت، وبالقرب من قبر المتنبي في مدينة النعمانية، والذي كانت فعالياته على مدى يومين فقط، ومهرجان الكميت بعده في مدينة العمارة جنوب العراق، احتفاءً باسم الشاعر الكميت. وفي كردستان أقيم مهرجانان، الأول أيام الثقافة السريانية في عينكاوا بأربيل، والذي احتفى بمنجز الثقافة السريانية، وقد احتفل المهرجان هذا العام بسركون بولص وأنعام كجه جي وروفائيل بطي وغيرهم الكثير، فضلاً عن عرض أفلام سريانية والعلاقة بين السينما والأدب السريانيين. ومهرجان كلاويز في مدينة السليمانية، في كردستان العراق، وقد احتفى هذا العام بحضور عدد من النقاد العرب، ومن أهمهم سعيد يقطين وسعيد بنكراد وشرف الدين ماجدولين وحسن بحراوي. وفي سياق الجامعات، أقامت الجامعة المستنصرية خلال هذا العام وللمرة الأولى في الجامعة العراقية يجتمع عدد كبير من الأساتذة والباحثين العراقيين والعرب لمناقشة المفاهيم اللسانية التي طرحها العالم السويسري فرديناند دي سوسير وتأثيرها في المناهج اللسانية العربية، في مؤتمر موسع على مدى يومين. ومن ثم أقامت الجامعة نفسه مؤتمر الفلسفة في العراق وآليات تفعيل الدراسات الفلسفية في الجامعة والدراسات الأكاديمية. واختتم هذا العام بإقامة مهرجان الجواهري الذي يقيمه الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، فعلى مدى ثلاثة أيام ألقيت قصائد جعلت من القاعات ملأى بالكراسي الفارغة، بعد تهافت شعراء على المنصة دون أن تكون لديهم ما يقدمونه من نصوص جيدة والقراءات التي كانت عبارة عن أخطاء نحوية وصرفية، فضلاً عن إقبال الشعراء المهمشين من قبل الوسط الثقافي على كتابة القصيدة العمودية التي لا تنتمي للشعر الا بالوزن والقافية.

بغداد عاصمة الثقافة العربية

على مدى اثني عشر شهراً، احتفلت وزارة الثقافة باختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية من قبل منظمة اليونسكو، فقدمت خلال هذا العام فعاليات متنوعة، منها أكثر من مائة معرض تشكيلي وفوتوغرافي ونحتي، فضلاً عن أسابيع ثقافية مصرية وسورية وفلسطينية ومغربية وجزائرية وسويسرية وإيطالية وغيرها من الأسابيع. كان حفل الافتتاح على حدائق الزوراء، بعد أن أنشأت مؤسسة لبنانية، لم يعلن عن اسمها، خيمة كبيرة بمبلغ ثلاثة مليارات دينار عراقي (بحدود 2 مليون دولار ونصف المليون) وهو مبلغ أثار استغراب الجميع ومخاوفهم من الفساد المالي والإداري الذي سيرافق هذه الفعاليات فيما بعد. وزادت هذه المخاوف بعد أن أقامت دائرة السينما والمسرح مهرجان المسرح العربي الذي وصلت ميزانيته المبلغ نفسه، وأعقبه مهرجان الطفل، وملتقى التشكيل العالمي، ومؤتمرات عن الترجمة والنقد والمسرح والكتاب، وحقوق المؤلفين. كما أقام اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين ضمن هذه الفعاليات مؤتمرين، الأول بعنوان: بغداد في النقد العراقي، وبغداد في السرد العراقي.
ومن المهرجانات التي أثير حولها الكثير ‘ملتقى الشعر العربي’، الذي أقيم في شهر أكتوبر، فهذا الملتقى كان قد انطلقت دورته الأولى في أواخر العام 2012 وقد أثار حينها لغطاً كبيراً بسبب التفاف الشعراء العموديين عليه بعد أن تشكلت اللجان المشرفة من شعراء عموديين فقط، وإهماله للفنون الشعرية الأخرى، كالشعر الحر وقصيدة النثر، ما أدى إلى انسحاب عدد كبير من الشعراء من المشاركة فيه، وإحجام آخرين على الحضور لفعالياته، إلا أن القائمين عليه في العام 2013 حاولوا أن يجعلوا منه متنوعاً، فأرسلوا دعوات لشعراء من مختلف الفنون الشعرية، لكن بقيت هذه الدعوات محصورة بالأصدقاء والمعارف والعلاقات الخاصة، فجعل من الملتقى محلاً للتندر بين المثقفين العراقيين.

جوائز

حمل العام 2013 جوائز عراقية وعربية وعالمية لعدد كبير من الأدباء والفنانين، بعضهم تسلم جوائز عالمية كالشاعر والروائي عباس خضر الذي حصد ثلاث جوائز في عام واحد، وهي: جائزة هيلدا دومين لأدب المنفى، جائزة نيلي زاكس للآداب العالمية، وجائزة ملوسينه هوس لدور النشر. كما حصل الفنانان ياسين وامي وهاشم تايه على جوائز تقديرية في بينالي فينيسيا، واختير عبد الرحيم ياسر من بين أفضل عشرة رسامي كايكاتير في العالم في البينالي نفسه، والكاتبان باسم فرات وشاكر نوري اللذان حصدا جائزتي أدب الرحلات العربية، وفي جائزة الشارقة، حصل خالد الحسن على الجائزة الثانية في الشعر عن مجموعته”ملامح الظل الهارب’، وحسين محمد شريف عن مجموعته القصصية ‘عليك المكوث طويلاً داخل السؤال’، والمخرج والكاتب المسرحي فاضل السوداني’على جائزة المسرح في المسابقة نفسها، فيما تسلمت رشا فاضل جائزة دبي للثقافة والإبداع في دورتها السابعة. فيما نال جائزة شاعر الحرية، في مسابقة ناجي نعمان في بيروت، الشاعر هزبر محمود علي، وأثير محسن الهاشمي كناقد. وعالمياً حصلت الشاعرة نجاة عبد الله عن جائزة موسوعة ديوان شروق وغروب في ألمانيا، والشاعران سعد ياسين يوسف وصباح الزيدي على جائزة الشعر في صربيا، والكاتب يعقوب أفراح منصور على جائزة جبران العالمية في أستراليا. ومن الجوائز الفنية المهمة التي حصل عليها عازفو العود سامي نسيم وعلي فاخر سلمان وجمال ناصر دحام ومعنى جهاد، درع المهرجان الدولي للعود في المغرب. ومحلياً نال الكاتب إبراهيم سليمان نادر عن مخطوطته (سندريلا بلون الشقائق)، والكاتب حسن البحار عن مخطوطته (رحلة ابن البحار) الجائزة الأولى والثانية في مسابقة جواد الساعاتي لأدب الرحلات.

راحلون

شهد العام 2013 رحيل أكثر من أربعين أديباً وفناناً كان لهم أثر واضح في مسيرة الثقافة العراقية، وقد أشار اتحاد الأدباء والكتاب وأغلب المثقفين إلى أن رحيل هؤلاء كان بسبب الإهمال والتهميش اللذين يلاحقان الثقافة العراقية بشكل عام، والوضع الصحي للمثقف بشكل خاص، فأغلب هؤلاء رحلوا بسبب المرض وعدم متابعة حالتهم الصحية، ومنهم: القاص فهد الأسدي، الشاعر محمد علي الخفاجي، الشاعر محمد جواد الغبان، الشاعر سلمان الجبوري، الباحث زهير أحمد القيسي، الشاعر هادي الربيعي، الباحث الآثاري برهان شاكر، القاص محمد عبد الرحمن زنكنه، الشاعر جاسم محمد فرج، القاصة أحلام منصور، الروائي محمد بيات أوغلو، الناقد هادي الجزائري، الشاعر فرقد الحسيني، الشاعر حبيب النورس، الكاتب عبد الغني جرجيس، الشاعر والمترجم حسن لطيف، الروائي حسين الهلالي، القاص والباحث عبد الرسول عداي، الشاعر خالد عبد حربي، المسرحي حميد مجيد مال الله، الشاعر عبد الله البدراني، الروائي فلك الدين كاكائي، الشاعر شيركو بيكس، القاص والروائي عبد الستار ناصر، الفيلسوف د. حسام الالوسي، الناقد د. علي عباس علوان، الفوتوغرافي ناظم رمزي، التشكيلي ياسين عطية، التشكيلي رافع الناصري، الفنان فؤاد سالم، الفنان صادق علي شاهين، الفنان صلاح عبد الغفور، الفنان عماد عبد الهادي، الفنان طالب القرغولي، والفنان وجدي العاني.

شارع المتنبي

لوحظ خلال العام 2013 تغير واضح في شارع المتنبي وسط بغداد، الذي يعد شارع الثقافة وتجمع المثقفين، هذا التغير كان بعد أن افتتح مبنى ساعة القشلة التراثية والمركز الثقافي البغدادي اللذين أعيد إعمارهما مع بداية العام الماضي. الأمر المهم في هذه الفترة أن هناك توجهاً كبيراً لدى العوائل العراقية للحضور بشكل أسبوعي كل يوم جمعة لهذا الشارع والمشاركة في الفعاليات التي تقام في قاعات المركز الثقافي البغدادي، فضلاً عن حدائق القشلة، فقد افتتحت مراكز رسم مخصصة للأطفال، كانت تدعو العوائل لجلب أطفالها لهذه الوش من خلال الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، والإعلانات التي توضع في عموم الشارع، وهو ما أدى إلى حضور مكثف للعوائل ومقاسمتهم المثقفين لهذا الشارع.
وعلى الرغم من النوعية المتباينة لهذه الفعاليات، إلا أنها كانت مهمة جداً في الحراك الاجتماعي لدعم الثقافة، وتوجه الكثير من الأطفال والشباب للقراءة وحب الاطلاع، فضلاً عن الرسوم التي كانت تعرض بشكل أسبوعي لهؤلاء الأطفال.
لكن الملاحظ خلال الأشهر الماضية توجُّه عدد من السياسيين، من البرلمانيين العراقيين ومسؤولي الأحزاب، لزيارة هذا الشارع ومحاولاتهم التقاط صور وهم يتصفحون الكتب المعروضة على الأرصفة، مع وجود عدد كبير من الحراس الشخصيين يوقفون المثقفين من المرور في الشارع حتى يكمل هذا المسؤول أو ذاك زيارته، وهو ما شكل امتعاضاً واضحاً، وإحجام عدد من الكتاب والمثقفين من الحضور الأسبوعي لشارع الثقافة احتجاجاً على المظاهر المسلحة التي ترافق هؤلاء المسؤولين.

مجلات جديدة

صدرت في العام 2013 ثلاث مجلات جديدة عُدَّت إضافة نوعية للثقافة العراقية، بدأت بمجلة الكوفة، وهي مجلة محكَّمة دولية تصدر بدعم من جامعة الكوفة ويترأس تحريرها الناقدان البارزان د. حسن نظم ود. عباس كاظم، ويديرانها من أميركا. المجلة الثانية كانت ‘جسور’ التي يشرف على إصدارها الشاعر الدكتور غيلان، بعد أن كانت تصدر في أستراليا لأكثر من خمسة عشر عاماً، وترأس تحريرها الشاعر زعيم نصار قبل أن يبدأ بمشروعه الشخصي الذي سيصدر قريباً بعنوان ‘تعدد’، والآن يديرها الشاعر غيلان. ومجلة ‘نهرايا’ التي تهتم بالذاكرة العراقية والتي تصدر عن دار ميزوبوتاميا ودار ومكتبة عدنان، ويترأس تحريها الكاتب مازن لطيف بالاشتراك مع ياسر علاء. ومجلة ‘إمضاء’ المعنية بالسرد ويديرها سعد محمد رحيم وغيره من الكتاب.
فضلاً عن استمرار عدد من المجلات التي كانت تصدر في الأعوام السابقة، كمجلة تشكيل التي تصدر عن وزارة الثقافة العراقية، ومجلة بيت التي تصدر عن بيت الشعر العراقي وغيرها من المجلات الثقافية.

تطور الكتاب العراقي

لا بد أن نؤشر تحسن وتطور واقع الكتاب العراقي في العام 2013′ بفضل ظهور بعض دور النشر الجيدة، من حيث طباعة وتصميم وإخراج وتوزيع الكتاب بعد أن اكتسبت خبرات فنية وتقنية، وبعد أن تحسنت الظروف الاقتصادية للأدباء من جهة القدرة على طبع نتاجاتهم الأدبية، هذا العام صدر الكثير من الكتب لمؤلفين عراقيين، لكن ليست كلها تستحق النشر أو حتى القراءة، هناك الجيد وهناك الكتاب الضعيف غير الخاضع لأي معايير علمية وثقافية ومنهجية. الإقبال يتطور يوماً بعد يوم للكتاب العراقي، وهذا ما نلحظه في شارع المتنبي والمكتبات الأخرى، لكن يبقى الكتاب المهم والأهم هو سيد الموقف، وهو ما يعزز القناعة بأن الثقافة هي الفضاء الأكثر ضرورة في مواجهة الكثير من الصراعات والحروب وكل الإشكالات المجتمعية والهوياتية.
فقد نشطت دور عراقية مثل دار ميزوبوتاميا ودار ومكتبة عدنان ودار الجواهري وغيرها الكثير، فضلاً عن إصدار وزارة الثقافة أكثر من 350 كتاباً احتفالاً بمشروع بغداد عاصمة الثقافة العراقية من شعر وقصة ورواية ونقد وسينما وتشكيل ومسرع وموضوعات اهتمت بقراءة جديدة لواقع المجتمع العراقية وبنياته المختلفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية