كان مفترضا ان تكون اجازة مستحقة بين الاهل في مصر، في ختام عام دراماتيكي بكل المقاييس، الا انني قضيت الاسبوعين الماضيين في دراسة متأنية لواقع المشهد المصري، مصغيا الى اطراف وشهادات ومواقف متباينة سياسيا وايديولوجيا وجغرافيا تغيب للاسف، على اهميتها، عن الصورة غير الدقيقة التي تصدرها وسائل الاعلام، انتصارا لاجنداتها وليس للحقيقة. وهذه خواطر سريعة تلخص نتائج نظرة متأنية ومتجذرة في وضع متحول، مازال يحمل العديد من المفاجآت. اولا – على السطح، يستطيع اي زائر للقاهرة هذه الايام ان يرى بوضوح علامات ‘الصراع′ متمثلة في حرب كتابات الجدران بين انصار الاخوان وخصومهم، او اعمدة الدخان السوداء الناتجة عن حرق مظاهراتهم للاطارات في يوم الجمعة، وما يتبعها غالبا من غازات مسيلة للدموع لا يسلم منها حتى الناس الذين آثروا السلامة وقرروا البقاء في بيوتهم في يوم اجازتهم الوحيد، الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا. واذا كنت من سكان مدينة نصر او المعادي او المهندسين او الهرم، وهـــي احـــياء كبيرة في القاهرة، فلن يكون قطع الطرق او الكمـــائن الامنية او حرق السيارات واحيانا المحلات، خاصة يوم الجمعة شيئا غريــــبا عن حيــــاتك، التي لم تكن سهلة اصلا مع استمرار المشاكل المزمنة لهذه المدينة الضخمة، التي لا تتعب من الثـــورة ولا تمل من الانتظار. الا ان هذا لا يتعارض مع حقيقة جلية هي ان الحياة مستمرة في انحاء البلاد بشكل شبه طبيعي، وستظل كذلك وان تضاعف حجم هذه المشاكل او المظاهرات مرات عديدة، لان هذه هي طبيعة مصر. اما المعنى وراء هذا فيشبه كثيرا تفاصيل هذا الموضوع في تعقيده والتباسه، اذ يدل على ان جماعة الاخوان مازالــــت نشيــــطة تحت الارض رغم القرار الرسمي باعتـــبارها ارهابية، وان الحكـــومة المســلحة بقانـــــون التظاهر، والمســــتفيدة من اجواء الاحباط الشعبي والحملات الاعـــــلامية، مازالت عاجزة عن حسم هذه المواجــــهة، في الوقت الذي تصر فــــيه على ان حجــــم المظاهـــرات ضئيل. لكن اصرار بعض انصار الاخوان على اللجوء الى العنف منذ البداية كرس وجود الجماعة كـ’ظاهرة امنية’، بلا برنامج او مشروع سياسي واضح، يعطي للناس فرصة للامل بدلا من اليأس والتعايش في مواجهة الاقصاء، وهذا خطأ تاريخي. وتصر جماعة الاخوان على ان اللجوء الى العنف جاء كرد فعل على عنف السلطات في رابعة وغيرها، ونتيجة لاعتقال القيادات، ما ترك الجماعة جسدا بلا رأس. وستجد في الشارع المصري من يقول انه ليس اخوانا، وانه شارك في مظاهرات يونيو، لكنه اصبح ‘يتعاطف معهم لانه يكره الظلم’، الا ان المحصلة النهائية لم تصب في مصلحة الجماعة عندما خسرت الصراع السياسي ولم تربح في المواجهة الامنية، بل ان البعض يرى ان الحكومة ليست متسرعة في التعامل بحسم مع هذه ‘الظاهرة الامنية’، باعتبار ان ما تحصده من ورائها من فوائد سياسية، وعلى رأسها تأمين غطاء شعبي للتحولات المرتقبة في المرحلة المقبلة، اكبر من اضرارها المؤكدة التي تلحق بصورة الدولة وهيبتها والحالة الاقتصادية المتدهورة اصلا. ثانيا لا يمكن لزائر القاهرة ان ينجو من ‘القصف المتواصل’ من الحملة الاعلانية الحكومية الضخمة التي تدعو الناس، بل وتلح عليهم ليصوتوا بنعم في استفتاء الدستور، مع ان المفترض ان الحكومة محايدة في مهمتها المتمثلة بالاشراف على الاقتراع. وكان من المفهــــــوم ان تدعو الحكومة الناس الى المشاركة، تاركة لهم القــــــرار بشأن قبـــول الدستور او رفضه. ويعود هذا الاسلوب الحكومي الى عقلية عهد مبارك عندما كان متوقعا من الشعب ان يقبل بالنظام كخصم وحكم في الانتخابات، وهذا يكرس بدوره قلقا مشروعا وحقيقيا من ان جماعة الفلول التي استعادت الصدارة في بعض الجبهات الاعلامية والسياسية تسعى الى تجيير الثورة لمصلحتها، ما يعني عمليا انتصار الثورة المضادة. وفي الحقيقة ان بعض اصرار الحكومة على هذه الحملة الاعلانية الواسعة التي ارهقت ميزانيتها المنهكة، يعود الى ادراكها حجم الاحباط الشعبي من ادائها، خاصة على المستويين الامني والاقتصادي، وان بعض الناس قد يقرر المقاطعة ليس لانه مؤيد لمرسي، ولا لانه معارض للسيسي، ولا رافض للدستور، ولكن لانه يشعر بانه يتعرض للخديعة، وان الثورة قد تتعرض للسرقة مرة اخرى. هؤلاء الناس تحديدا وليس الاخوان او أي حزب معارض اخر هم الخطر الحقيقي والمسكوت عنه الذي يهدد النظام الحالي. ثالثا ارتكب الاخوان خطأ اخر عندما دعوا الى مقاطعة الاستفتاء بدلا من التصويت بلا، وهم الذين يبنون موقفهم السياسي على ضرورة احترام صندوق الاقتراع، وايضا لان اغلبية كبيرة من المصريين سيشاركون في الاقتراع ما سيظهر عزلة موقف الاخوان امام العالم، وسيسمح للنظام بان يقول ان شرعــية الاستفتاء تجب اي شرعية سابقة. والواقع ان المشاركة الواسعة المتوقعة للمصريين في الاستفتاء لا تعود الى انهم جميعا قرأوا الدستور، او يعرفون ما يحمله من اختلافات عن دستور 2012، ولا انهم جميعا يؤيدون النظام الحالي او حتى الفريق اول عبد الفتاح السيسي، كما يوحي بعض ابواق النفاق التي تتصرف مثل الدب الذي يقتل صاحبه، ولكن لان الناس يعرفون جيدا ان مصر لا تحكمها الدساتير ولا القوانين، ولكن اساليب تطبيقها، التي تعتمد على هوية من يقوم بهذا. وبكلام اخر، فان نعم قوية للدستور، تعني رغبة ملحة في انهاء الفترة الانتقالية، والتحرك قدما الى الامام، بعد ثلاث سنوات عجاف من الاضطرابات والتدهور المعيشي. ولا يمكن، ولا يجب ابدا ان تكون ‘نعم الدستور’ نعما للفريق السيسي، حيث ان هذا يعني العودة الى عهد الاستفتاءات الرئاسية، بدلا من الانتخابات المتعددة التي كانت احدى ثمار الثورة، وهذا يعمل على تكريس الصورة القميئة نفسها التي يروجها البعض ومفادها ان ثورة يناير كانت ‘مؤامرة امريكية اخوانية’ (..). رابعا شهدت الساحة الاعلامية تحولا نوعيا، مع استئساد برامج ‘التوك شوز′ ظنا منها انها تقف وراء مظاهرات الثلاثين من يونيو التي غيرت وجه الحياة في بر مصر، وقد ترسم مصير المنطقة بأسرها. وسارعت اجهزة امنية متنافسة او متعاونة الى عمل برامج خاصة بها كنافذة للتأثير مباشرة في المشهد السياسي، عبر اذاعة تسريبات تقضي على ما تبقى من مصداقية للنخبة السياسية، وتطبق المثل الشعبي المصري الشهير (اضرب المربوط يخاف السايب)، وهو ما اثار استياء رئيس الحكومة شخصيا، الا ان الفارق الشاسع في حسابات القوة، اصبح كفيلا بأن تمارس هذه البرامج نوعا من الارهاب اوالبلطجة الاعلامية ضد النظام الحاكم نفسه، ناهيك عن جماعة الاخوان او باقي القوى السياسية. ومن المثير ان نرى ان كان الدستور الذي يتحدث عن ميثاق شرف اعلامي ومجلس وطني للاعلام سيكون افضل حظا في مواجهة هذه المافيا الاعلامية. اخيرا، وفي الزيارة الاخيرة اثناء وبعد التحولات التاريخية في الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو، كان الامل والتفاؤل من جهة انصار التغيير، والغضب من الجهة الاخرى العنوان الابرز للوضع في انحاء مصر. اما هذه المرة فقد اصبح الامل يواجه حالة من الاحباط والقلق المشروعين، بينما تحول الغضب الى ما يشبه اليأس. اما الخلاصة الاهم فان الكرة مازالت في الملعب، والصراع السياسي مازال على اشده، واذا كان من نزل في الثلاثين من يونيو يريدها ثورة، فعليه الا يكتفي بتأييد الدستور، بل عليه ان يجعله درعا في مواجهة اي محاولة لتحـــويلها الى انقلاب عسكري. واذا كانت جماعة الاخوان تريد ان تنقذ نفسها، فعليها ان توقف كافة مظاهر العنف فورا، وان تعرضت للظلم، وان تراهن على طبيعة الشعب المصري السمحة، وان تركز على العمل السياسي الذي هو ابرز نقاط ضعف النظام، امام شعب محبط، لم يعد يعرف كم ثورة يجب عليه ان يشعل ليحظى بالحد الادنى من العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.