رموزنا وتاريخهم

حجم الخط
7

زعامات كثيرة مِن ما اصطلح الغرب المتعالي على تسميته أيديولوجيا بالعالم الثالث (أي خارج ما يصفون به أنفسهم بالدول المتقدمة) تمثل رموزاً عالمية كسبت عقول وقلوب الأمريكيين والأوروبيين شعوبا وإلى حد ما حكوماتهم وإنْ كان كالمعتاد بصورة إنتقائية و مكيافيلية. من هذه الشخصيات مثلاً (المهاتما غاندي ونيلسون مانديلا وماما تريزا). ‘ولعل السبب يكمن في توافر معايير إنسانية عالمية محددة محببة للشعوب قاطبة بما فيها الأمريكية والأوروبية والغربية في تلك الرموز كالمطالبة بالحرية وبذل التضحيات من أجلها والدفاع عن الشعوب المظلومة والمضطهدة وتبني الوسائل السلمية لانتزاع الحقوق.’
وأحيانا كما في حالة – مانديلا أو المهاتما غاندي على سبيل المثال لا الحصر – تناقض الحكومات الأمريكية والأوروبية نفسها وتتظاهر بالتباكي على فقدهما في حين هي نفسها التي تقاطع ديمقراطيات بعينها فقط لأنها لا تنفذ التعليمات الأمريكية بالحفاظ على أمن إسرائيل كما في حالة (حماس) وتجوع شعوبا تطالب بالتحرر من ربقة النير الإستخرابي الأمريكي ‘الغربي وتدعم قوى عنصرية وصهيونية تحتل أرض الغير كما في فلسطين وسوريا ومصر وكما في أمريكا وأستراليا ونيوزيلاند وايرلندا الشمالية وغيرها كثير. حيث قهرت تلك الحكومات ذات المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين والعقلية المكيافيلية أهل تلك البلاد الأصليين .
إنه لَمِن الملفت للإنتباه أنه حتى أولئك الذين يختلفون أيديولوجيا مع أمريكا وحلفائها الغربيين وحاربوها من منطلق إيمانهم بأنها قوى إمبريالية إحتكارية مكيافيلية من أمثـــال المناضل الأرجنتيني (جيفارا) إلا أنه – رغم ذلك – لم تعبأ الكثير من الشعوب الأمريكية و الأوروبية بمواقف حكوماتهم تجاه تلك الشخصيات، فكثيراً ما يُلاحظ إحترامهم لأولئك المقاتلين من أجل الحرية و رفع صورهم بين الفينة والأخرى – في الإحتجاجات على تصرفات أنظمتهم السياسية نتيجة استيائهم من سياساتها الداخلية أو الخارجية رغم ادعائها بالديمقراطية.
من الملاحظ أن كل تلك الشخصيات ليست عربية أو مسلمة، فهي اما هندوسية أو نصرانية – مسيحية أو شيوعية لا دينية و هلم جرا، أو أنها صهيونية يهودية تدعم المزاعم الصهيونية ‘في أرض فلسطين، ودعم الحكومات الأمريكية والأوروبية لتلك المزاعم وإن كانت هذه الأخيرة تتمتع بمعايير تؤثرها الحكومات الأمريكية والأوروبية والغربية فقط دون شعوبها إلى درجة ما. ‘والسؤال الذي يُثار هنا لماذا لم تحُز رموز عربية أو مسلمة على مثل هذا الإحترام على الأقل في الغرب رغم أن الكثير منها تتمتع بمعايير و مواصفات قيادية إنسانية عالمية لا تقل شأنا عن تلك التي تمتع بها ما نديلا وغاندي وماما تريزا وجيفارا وغيرهم؟
إذن أين يكمن الخلل؟ وهل الخلل يكمن في أحد الطرفين أو في أحدهما؟ ولماذا؟
الحساسية التاريخية بين الإسلام والغرب نخالها السبب الأول أو من الأسباب الأولى، وبما أن الإسلام مرتبط بالعرب فكل الرموز العربية والإسلامية ماضيا وحاضرا ومستقبلا لم تعتنق مبادئها شعوب الغرب وأوروبا إلا من نفر قليل مطلع بموضوعية وإنصاف على التاريخ العربي الإسلامي وعادتها عداءً شديداً حكوماتُهم نتيجة عمليات غسيل المخ من خلال التنشئة الإجتماعية العائلية والتعليم والإعلام. ‘بدءاً من الإسلام والعرب وعلاقتهما المبكرة منتصف القرن السابع للميلاد تقريباً باليهود وبفتح ‘خيبر’ وتثنيةً بحروب الدولة الإسلامية مع الدولة البيزنطية والرومانية والحروب الصليبية وانتصار صلاح الدين في معركة حطين على الصليبيين الأوروبيين 1187للميلاد بتوحيده مصر مع بلاد الشام، مروراً بدخول العرب الأندلس (إسبانيا والبرتغال الآن) ومكوثهم 800سنة فيها ومعركة بواتيه 732 للميلاد في قلب فرنسا(200كيلومتر إلى الشمال من بوردو الفرنسية) بقيادة (عبدالرحمن الغافقي) العربي الأُموي والخلافة العثمانية آخر خلافة للمسلمين وحروب التحرر العربية والإسلامية من الإستخراب أو الإستعمار الأوروبي الغربي وانتهاء واستمراراً إلى استزراع الكيان الصهيوني في أرض فلسطين الذي يُنظر إليه على أنه امتداد لتاريخ الغرب الإستخرابي أو الإستعماري، كلها ساهمت في تشويه صورة الرموز العربية والمسلمة.
و راهناً فان دور اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة واللوبيات اليهودية الإسرائيلية الصهيونية واضح في تصوير تلك الرموز العربية والمسلمة على أنهم إرهابيون وغزاة ومتوحشون. ولماَّ كان الغرب دائماً إنتقائيا ومكيافيليا في تعاطيه مع الشأن العربي والإسلامي إكراما لإسرائيل فإنه من حين لآخر يتبنى التسويق لما يُعتقد أنها أو أنه رمز عربي أو مسلم من منظوره هو لأسباب غير صحيحة في المطلق. ‘فعلى سبيل المثال لا الحصر ركزت الحكومات الأمريكية والبريطانية والأوروبية الغربية عموماً على الفتاة الباكستانية (ملالة يوسف) وخلقوا منها رمزا لمقاومة ما يعتقدونه تخلف حركة طالبان باكستان لِما يَدَّعونه من رفض الحركة لتعليم الفتيات. ‘والواقع أن الذي أطلق النار على ملالة شخص معتوه متخلف ربما يكون محسوبا على طالبان وربما لا، أو هو يعبر عن قطاع عريض باكستاني تقليدي يعارض تعليم الفتيات وينظر إليهن بشزر حسب تقاليد متوارثة مقيتة. ‘والتسويق الأمريكي البريطاني الغربي الأوروبي كان هدفه الإساءة إلى طالبان كحركة مقاومة لأنها تعرقل مصالحهم في باكستان و ليس لأنهم حريصون على ملالة و تعليمها. ‘في بريطانيا وحــــدها على سبيل المثال لا الحصر أكثر من 300 فتاة قاصرة تم اغتصابهن وقتلهن من قِبل معتوهين إنجليز بريطانيين بين 1990 – 2000 وهن يوزعن جرائد الصباح منذ الخامسة صباحاً لدعم مصاريف دراستهن. ‘إذن القتل هو القتل مع تباين الأسباب.
‘ونسأل سؤالاً آخر لماذا (ملالة يوسف) انتقاها الغرب المنافق واتخذ منها رمزاً وليس (محمد جمال الدرة) مثلاً الذي قتله جنود صهاينة بدم بارد إبَّان انتفاضة 2000؟ قطعاً السبب واضح، إسرائيل من حقها أن تقتل أي طفل فلسطيني لأنه دفاع مشروع عن النفس كما هو منطق الساسة الأمريكيين والغربيين الأوروبيين وبالتالي هو ليس رمزاً للصمود في أرضه والدفاع عن عِرضه. ‘إن كل ما يجري الآن من لخبطة العالم العربي ونشر القتل والدمار في ربوعه والقضاء على أي ديمقراطية فيه واستغلال ما يسمى بالربيع العربي هدفها خدمة الأمن الصهيوني وغايتها أن تظل إسرائيل دائماً هي الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي (وليس الشرق الأوسط وهي حيلة صهيونية أمريكية غربية لتبرير وجود إسرائيل في قلب العالم العربي في فلسطين) ‘والأقوى على الإطلاق ‘.
‘ و لم تكتفِ اللوبيات الصهيونية بذلك وإنما لاحقت حتى أمريكيين وأوروبيين صدعوا بالحق في قلب أمريكا وأوروبا على ندرتهم وحاولوا إنصاف تلك الرموز العربية والمسلمة. فقد تمت مثلاً ملاحقة جون ميرشيمار و ستيفن وولت وروجيه غارودي وكاتي إستيفن (يوسف إسلام) واتهامهم بأنهم ضد السامية.

‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية