يصعب معرفة نسبة العرب والمسلمين الذين يعيشون حالياً ضمن إطار المجتمعات الغربية لأسباب عدة، منها التدفق المستمر للنازحين نحو هذه المجتمعات، عدم وجود احصاء مؤكد، بقاء نسبة هائلة من المهاجرين على هامش الحياة العامة ولعدم وجود تسجيل قنصلي شامل أو ما شابه ذلك في مؤسسات أخرى. بالتالي عدد المسجلين بمراكز الاحصاء الرسمية لا يمثلون سوى جزء من اجمالي الأجانب المقيمين بين أكناف الدول الأوروبية. عدم وجود مثل هذا الاحصاء لا يعني أن الدول الغربية تجهل ظاهرة الوجود العربي – الإسلامي داخل محيطها. بالعكس، هي على دراية تامة بمختلف جوانب هذا الوجود، بل ان هنالك مؤسسات تقوم بشكل دائم على دراسة وتحليل واقع هذه الجاليات، من حيث الكمية والنوعية. نتائج هذه الدراسات تنشر في مختلف وسائل الإعلام، ما يوحي بأن هنالك اهتماما وتتبعا رسميين مستمرين لهذا الوجود.
ما لا يُخفى على أحد هو أن الوجود العربي- الإسلامي أصبح جزءا من ملامح الحضارة الغربية في دول مثل، فرنسا، بريطانيا، المانيا، بلجيكا، إسبانيا، السويد، النرويج، الدنمارك وهولندا، التي تشكل حالياً النواة الصلبة للغرب. المواطن ذو الأصول العربية – الإسلامية أصبح يشكل سمة واضحة داخل النسيج الاجتماعي والاقتصادي الغربي. كل المؤشرات توحي بأن هذا الوجود، القانوني وغير القانوني، سوف يستمر في التزايد وسيكون موازيا لظاهرة ما يسمى بنشأة جيل المواطن الأوروبي ذي الأصول العربية -الإسلامية. حال تم استتباب هذه الظاهرة تماماً وتحولها لظاهرة طبيعية لن يبقى امام دول الغرب سوى إعادة صياغة كثير من المفاهيم والقوانين الوطنية، لتتناسب قدر المستطاع مع الوضع الجديد. في كل الأحوال، على دول الغرب التعامل مع هذه الظاهرة بشكل إيجابي وعدم النظر اليها كونها أزمة او تهديدا أو تحديا، كما يلمح البعض بين الحين والآخر، خاصة أن من ترعرع بين أحضانة من جيل ذي أصول عربية – إسلامية يشعر بانتماء تام للوطن الذي خُلق فيه يوازي انتماء ابائهم لوطنهم الأصلي والحاضن.
في الواقع أزمة الوجود العربي – الإسلامي لا تكمن أساساً في كونه تهديدا أو تحديا أو ما شابه ذلك، بقدر ما تكمن في المقام الأول في عدم وجود شخصيات عربية – إسلامية بارزة ضمن المؤسسات الغربية، وبالتحديد السياسية. شخصيات قادرة على ترجمة هذا الوجود إلى قوة فاعلة في المجتمعات الغربية. هذا الوجود نادر، غير مؤطر ولا يحصل على الدعم والتشجيع رغم أهميته الفائقة، ما يعني أن ليس لهذا الوجود مرجعيات تمثله وترمز له. هذا الغياب يجعل من هذا الوجود وجودا نسبيا وليس فعليا. حالياً معظم الشخصيات العربية – الإسلامية المعروفة مازالت بعيدة عن امكانية التأثير على دوائر القرار الغربي. ومن هم موجدون ضمن البنية المؤسسية الغربية مازالوا، رغم ما ينجزون من جهد جبار، محدودي الامكانيات ودورهم شبه معدوم على أعلى المستويات، إضافة لعدم تلقيهم الدعم الكافي من قبل جالياتهم، او من قبل المؤسسات العربية الرسمية، ونقصد بالتحديد السلك الدبلوماسي، ومن قبل المؤسسات العربية – الغربية المشتركة، رغم علم الجميع بالدور التوافقي الذي يمكن أن يلعبه هؤلاء في عملية الانسجام، التوازن والتوافق بين ما هو شرقي وما هو غربي.
في المقام الثاني الأزمة تتجلى في عجز المؤسسات العربية – الإسلامية عن القيام بالدور المناط بها، رغم كثرة عددها ووجودها في معظم المدن الغربية، إلا أنها وإدارتها مازالت بعيدة كل البعد عن فهم وتقبل اساليب العمل والتحديث التي تميز المؤسسات الغربية المقابلة لها، إضافة لعدم قدرتها على استيعاب كافة المنتمين لها ثقافياً، اجتماعياً ودينياً، وهي غير قادرة على لفت انتباه المواطن الغربي بشكل واسع وإيجابي. بشكل ما، ذلك ناتج عن عمل معظم هذه المؤسسات والقائمين عليها حسب الاساليب الكلاسيكية البالية، التي تتبعها المؤسسات بعالمنا العربي الإسلامي. بدل استنساخ المهنية وأساليب العمل الراقية فان كثيراً منها تفضل عدم الانخراط اجتماعياً وثقافياً وتهميش نفسها قدر الإمكان لندرة تنوع المقدرات التي تؤهل القائمين عليها على العمل بفاعلية عالية ومتنوعة وللاحتكار الدائم لمجموعة مصغرة ومغلقة لمراكز القرار، ولعدم رغبتها في ضخ دم جديد مستنير من الشباب. هذا ما يجعل الكثير من المؤسسات العربية – الإسلامية أشبه بالمراكز التجارية التي من خلالها يروج البعض لأنفسهم أمام المؤسسات الغربية، بهدف الحصول على مزايا شخصية أو فوائد فئوية.
من تعامل مع بعض المؤسسات العربية – الإسلامية القائمة في الغرب يعلم أن التشابه بينها وبين مؤسسات الشرق من حيث اساليب الادارة والعمل يجعل من بعضها نسخا طبق الأصل، بل هنالك من يعتقد بأن هنالك مؤسسات شرقية أكثر شفافية، ديمقراطية وانفتاحاً من المؤسسات العربية-الإسلامية القائمة ضمن المنظومة الغربية. هذا أمر يمكن أن يبدو غريباً، لكن للأسف هذا هو الواقع. من تعامل عن قرب مع بعضها ومع القائمين عليها يمكنه أن يؤكد أنها بعيدة عن أدنى معايير العصر وعن واقع ومتطلبات الجاليات العربية – الإسلامية المنتشرة على امتداد القارة الأوروبية، وأن كثيراً من هذه المؤسسات ومن القائمين عليها لا يريدون أن يعرفوا شيئا عن التجديد والتفعيل الدائم. فقط كل ما يصبون إليه هو أن يبقي الحال كما هو عليه حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وذلك خوفاً من أن يؤثر ذلك على المكاسب والمصالح الذاتية. بصراحة مثل هذه المؤسسات تحتاج أكثر من غيرها لثورة تنفضها من العمق، لتدخلها حرارة الشمس ولتراودها نسمة الربيع.
كافة حكومات الدول الغربية على دراية بوضع المؤسسات العربية – الإسلامية المزري. لكنها لا تفعل شيئا، بحكم رغبتها، حسب ما تصرح علنياً، في عدم التدخل فى شؤون مؤسسات تتمتع بخصوصيات معينة. هذا السلوك مصلحي ولن يتغير رغم علمها بوجود جيل أوروبي عربي – إسلامي يطمح الى وجود مؤسسات تمثله وتعمل حسب قوانين وأساليب حديثة. وهي على معرفة بأن المؤسسات القائمة مغلقة، غير منسجمة وليس لها علاقة بمفهوم الديمقراطية أو الشفافية، بل في كثير من الاحيان تعيش على هامش الواقع والمجتمع المنضوية ضمن إطاره. يعتقد أن الحكومات تغض النظر عن هذا الواقع لأنه يصب في مصلحتها العليا، وبالتالي لا يهمها وضع فكر ومستقبل هذا الجيل، طالما أن هنالك علاقة تفاهم ومصالح ضمنية مع كثير منها. والغريب أن وسائل الاعلام تتجنب الخوض في وضعيتها، في الوقت الذي تناقش حال مؤسسات أخرى أقل أهمية. لا يعرف أحد هل تتصرف بهذا الشكل بأوامر، أم أنها فاقدة الأمل في أمكانية إحداث نوع من التأثير الإيجابي في داخلها.
لتثبت وجودها ولتحصل على شيء من الشرعية، معظم المؤسسات العربية-الإسلامية تقوم بأعمال تدخل ضمن عالم الشكليات، بهدف تقليص حجم النقد والسخط المتزايد تجاه القائمين عليها. الكل على علم بأن الناتج العام لهذه الاعمال غير ملموس بتاتاً، خاصة في ما يتعلق بتنظيم، تقنين، تأطير وتحفيز أبناء جالياتها، وفي كون ثقافة، عادات، رموز ومعتقدات هؤلاء مازالت محل استهتار واستهزاء داخل المجتمعات الغربية، وفي وسائل اعلامها المختلفة، إضافة لعدم تفكيرها ومقدرتها على الدفع بشخصيات من ضمن محيطها لترتقي لمناصب مرموقة داخل المؤسسات الغربية المهمة، ابتداء بالأحزاب السياسة وانتهاء بالمجالس البرلمانية، لتساهم هذه في الدفاع وتثبيت حقوق أبناء الجاليات العربية – الإسلامية القائمة بالغرب.
الكل على معرفة بأن مثل هذا العمل يصب في الصالح المزدوج، الغربي والشرقي، وفي صالح كل بلد نزح منه أو تمت الهجرة إليه. كل هذا يحملنا إلى القول بأنه حالياً وفي المستقبل من يواجه تهديدا وتحديا حقيقيا هو المواطن والمؤسسات العربية – الإسلامية المنتشرة في الغرب وليس دول الغرب في حد ذاتها، كما يحاول البعض الترويج للإقناع به.
‘ كاتب فلسطيني- إسبانيا