نظرا للظروف الصعبة التي تمر بها مصر في مرحلتها الانتقالية، وفي مقدمتها التنافس السياسي الذي انقلب عند بعضهم الى صراع مدمر، واستحلال للدم والمال والتخريب، وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تحمَّلها الشعب المصري طويلا، بسبب الفساد والافساد والتخلف، الذي لا يليق أبدا بوطن مثل مصر، ولا يليق بمجتمع مر بحضارات عديدة، في مقدمتها الحضارة الفرعونية، التي تظل بعض أسرارها مستعصية على العالم الغربي حتى اليوم مثل التحنيط، وكذلك الحضارة القبطية والحضارة الاسلامية، التي نشرت العدل والمساواة والحرية على أوسع مدى، فلم تُظلم أقلية ولم تتسلط فيها الأكثرية، وقاد رجالاتها وفرسانها ونساؤها ركب التقدم العلمي التقني والطبي والهندسي والصيدلة والفنون وغيرها، عندما كانت أوروبا تغط في نوم عميق وتمر بالعصور المظلمة.
لقد حافظت الحضارة الاسلامية التي قامت على الفهم الوسطي للاسلام، وسلمية نظرتها للحياة – حافظت ـ على الحضارات القديمة ومنتجاتها، فلم تهدم هرما بناه الفراعنة، ولم تشوة وجه تمثال أو تأمر بتغطيته لأنه عورة، أو لأنه يغري البشر بعبادته دون الله تعالى، بعد أن انتشر التوحيد وخرجت العرب من جاهليتها الأولى، التي تمثلت أساسا في عبادة الأوثان والعدوان على الآخر وتسلط القوي على الضعيف والأنانية الشديدة التي تمثلت في قول الشاعر :
ونشرب إن وردنا الماء صفوا * * ويشرب غيرنا كدرا وطينا
إذا بلغ الفطامَ لنا رضيعُ * * تخرَّ له الجبابر ساجدينا
كل هذه الآثام الفظيعة كانت من معالم الجاهلية ولا تزال، رغم الكرم الحاتمي في مختلف العصور الجاهلية وأعراف نصرة المظلوم احيانا، وإضرام النيران ليلا ليهتدي بها الضال في الصحراء أو حماية المستغيث أو إضرامها للسرقة كذلك.
وضع النبي المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، كل معالم الجاهلية تحت قدميه في حجة الوداع، واكتمل الدين تماما وفق ما جاء في القرآن الكريم ‘الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا’ وسيظل المصطفى (عليه الصلاة والسلام) الأسوة الحسنة والقدوة العظيمة، أمام الدنيا كلها وليس أمام المسلمين وحدهم. هذا القرآن الكريم يؤكد للبشرية هذا المعنى ‘لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً’.
كانت وستظل هذه الأسوة الحسنة ليهتدي بها الناس في عبادتهم وأخلاقهم وسلوكهم وتعاملاتهم ونظرتهم الى الآخر، التي لخَّصها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في قوله ‘إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ’. وقال عند هجرته في حق مكة ومعظم أهلها كانوا كفاراً آنذاك ‘والله إنك لأحب بلاد الله اليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت’. كان المصطفى عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة في حب الوطن، وفي كل شيء يمكن أن يخطر على البال من المحاسن، وجاء من بعده، أمير الشعراء ليقول:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
والذي نراه اليوم من التخريب والدمار والعنف المصاحب لأنشطة بعض الاسلاميين، يخالف ما قاله الأسوة الحسنة، ويخالف ما قاله الاصلاحيون والمصلحون، ومنهم الوطنيون والعروبيون والاسلاميون، ويخالف كل ما يدعو الى التقدم والخروج من المأزق، بل إنه يضيف الى المأزق مآزق جديدة.
مرت مصر من عنق الزجاجة في المرحلة الانتقالية بنجاح وثيقة الدستور التي شرفت بالعمل في لجنة الخمسين التي أعدته. جاء التصويت بـ’نعم’ أكثر مما توقعت، حيث كنت أتوقع أن تحصل ‘نعم’ على 70 أو 75’، ولكن هذا التصويت الذي فاق معظم التوقعات، وهذا اليوم المشهود أكَّد لنا وأكَّد للدنيا التي تريد أن تفهم وتستوعب أن الشعب المصري شعب عظيم يحب وطنه، ويفرض إرادته، خاصة في الأوقات الحرجة التي يمكن أن تؤدي الى كوارث على الوطن أو تفتيت أو تقسيم أو تهديد لسلامته.
يكفي لإبراز هذه الحقيقة أن نرى في يومي الاستفتاء رجلا مسنا وامرأة مقعدة ‘أي أنهما من المعذورين’ بظروفهم الصحية شرعا وعرفا وذلك في ضوء ‘لا يكلف الله نفسا إلا وسعها’ رأينا الرجل يخرج الى الاستفتاء وهو يحمل أنبوبة الأوكسجين معه. هذا المنظر أبكاني وأنا أرى بعض المعارضين باسم السياسة، وهم يحاولون إفساد هذا الفرح العظيم. ونرى أيضا بعض الكسالى الذين يجلسون على المقاهي، يستمتعون بشرب الشيشة أو شرب الشاي والقهوة، ولا يحـــــركهم هذا الــــيوم المشهود وهذا الاستفتاء على المستقبل، ومنظر الرجل أو المرأة وهما يحملان أنبوبة الأوكسجين.
كانت نسبة المشاركة في الاستفتاء أفعل مما توقعت في قول ‘نعم’، وأقل مما تمنيت في الخروج الى الاستفتاء، رغم أن نسبة المشاركة كما أتوقع عند كتابة هذا المقال فاقت كل الخروج السابق، سواء يوم 30 اذار/مارس 2011، أو الانتخابات البرلمانية، أو الرئاسية في سنتي 2011، 2012 .
كان خروج النساء والفتيات أكبر مما توقع الجميع. شاركت المرأة بعد أن أنصفها الدستور في المادة (11)، وأكمل لها المساواة مع الرجل في الميادين والحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، من دون الاخلال بمبادئ الشريعة والحلال والحرام، فليس هناك في الدين ما يقف في وجه هذه المساواة على الاطلاق. خرج العامل والفلاح، رغم إلغاء كوتة التمثيل البرلماني في الدستور، أي نسبة الـ50′ التي استمرت لعدة عقود، وبعد أن كان لا يستفيد منها العامل او الفلاح الحقيقي أو الأصيل على الوجه الصحيح في العقود الثلاثة الأخيرة، خرجوا وقد أدركوا أن هذا الدستور قد أبدلهم خيرا بأكثر من عشر مواد تصب في مصلحتهم، وكل منها فيها مزايا عديدة للعمال والفلاحين، على مستوى الوحدة الريفية والاجتماعية، وعلى المستوى الأفقي والرأسي والزراعي والاقتصادي والتنموي وحتى تسويق المحاصيل، وتخصيص نسب لهم من الأراضى المستصلحة مع هامش من الربح عند بيع المحاصيل. خرج المسنَّون والمهمشون للاستفتاء، وهم يدركون أن هذا الدستور قد أنصفهم، ووضع لهم وأمامهم الأساس المتين، للاهتمام بهم صحيا وتأمينيا وتكافليا وتضامنا اجتماعيا.
ماذا يتبقى بعد هذا من خارطة الطريق التي وضُعت استجابة لثورة 30 يونيو العظيمة؟ يبقى الكثير حتى نسير الى الأمام، وينطلق الوطن كل في ميدانه، بعد المرور من عنق الزجاجة، ولكن من بين أهم ما يتبقى يأتى في المقدمة، إكمال الاستعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية أيهما يأتى أولا، وقد فتح الدستور الباب أمام المشرع أن يقر أيهما أولا، المادة (230) من الدستور. وفي الغالب تأتي الانتخابات الرئاسية أولا.
ومن الاستعداد لهذا العبء الكبير والواجب أولا ومن الاستحقاق الدستوري يأتي إصدار التشريعات والقوانين الضرورية لتنظيم العمل بالدستور. هناك اكثر من خمسين مادة أشارت الى مسؤوليات واستحقاقات من الضروري أن ينظمها أو يحددها أو يبينها القانون، قد ينتظر بعضها حتى تتحقق في مجلس النواب، ولكن بعضها من الضروري أن يتم قبل الاستحقاقات الانتخابية، سواء كانت الرئاسية أو البرلمانية أولا.
يبقى التطبيق والتنفيذ الداعم لمواد الدستور والمفسر لها، والمحقق لروح هذا الدستور، وهذه قضية كبيرة تحتاج وحدها الى عدة مقالات، لأنها هي الأهم في المرحلة القادمة، وحتى لا تبقى الوثيقة حبراً على ورق أو تحفظ في الأدراج، كما حدث سابقا عدة مرات، ولا تظل نورا محصورا غير قابل للانتشار.
‘ كاتب مصري