نحتاج الى سوط غليظ، يدمي جلودنا، بل يقرّحها، لعلها تستبدل بجلود غيرها، تمتلك خاصية الحس. كفانا تصديقا لنظرية المؤامرة التي ما زالت تؤرقنا حتى شلت تفكيرنا، بل أصابت عقولنا بالخرف المبكر. قلوبنا لم تعد تعرف سوى لغة الكره والحقد والقتل. الآن حان الوقت لمراجعة النفس والاعتراف بالتقصير والخمول والغباء والعجز.
صدر البيت يقول: نعيب زماننا والعيب فينا، أما العجز فحشو وتكرار لا داعي له، مع الاعتذار الشديد للإمام الشافعي (الغزاوي الذي عاش في الحجاز، وزار بغداد ودفن في القاهرة). قم يا أمام لتنظر ماذا حل بفلسطين وبلاد الرافدين والشام ووادي النيل واليمن الذي كان يوما ما سعيدا، وما يحاك بأرض الحجاز.
من أين نبدأ، من فلسطين وأبنائها الذين ما زالوا يفاوضون المحتل على ما تبقى من فلسطين. تختلف الروايات هل هي 8′ أم 13’، ويتفاوضون على القدس وحق العودة والاغوار والسيادة والسماء والمياه والسلاح والحدود والمستوطنات التي التهمت أجمل مناطق الضفة، وعلى تبادل الأراضي والسكان، ويهودية فلسطين وأمن المحتل حتى ينام قرير العين بما سرق. ألا يجدر بالفلسطينيين أن يجلدوا أنفسهم وبقوة؟
في بلاد الرافدين صحوات وقاعدة وعشائر وميليشيات وسنة وشيعة، وشبه حكومة تقصف مواطنيها، وطائفية نتنة زرعها الاحتلال، الذي رحل، وفساد’وفقر رغم وفرة البترول وأطفال شوارع، أحصائية مرعبة، عشرة ملايين طفل شوارع في الوطن العربي، على ذمة الجزيرة، وأرامل ويتامى وثكالى، وسجون ومعتقلات، بدل المدارس ودور رعاية الأيتام، واعدامات بالجملة، والمحامون عاطلون عن العمل.’فليجلد العراقيون أنفسهم، لا حزنا على الحسين’ الحفيد الشهيد فحسب، بل ربما ليفيقوا على واقعهم المخزي ويغّيروه.
في البلاد التي تقع على ضفاف بردى، قتل وبراميل تحمل الموت، وطائرات ضلت طريقها وتوجهت بحمولتها شرقا وشمالا وجنوبا، وليس غربا، وكيماوي، ومفقودون، وشباب يقضون تحت التعذيب، ونازحون ولاجئون ومشردون، وأطفال ومسنون يموتون جوعا، وآخرون يموتون بردا. في هذه البلاد تدخلت ايران والسعودية وأمريكا وروسيا وحزب الله والعراق. ائتلاف المعارضة السورية صوت بما تبقى منه بالمشاركة في جنيف رقم اثنين، وكيري يقول ان من سيقودون سوريا في المرحلة المقبلة’ يجب أن يحظوا’بقبول الطرفين، عجبا، ثورة كلفت كل هذه الدماء وهذا النظام القاتل سيحدد (مناصفة) من سيخلفه! سيقول قائل ان الغرب سيرفع دعمه عن المعارضة اذا رفضت حضور جنيف، هذه المعارضة والثورة أصبحتا رهينتين في يد الغرب، فليجلد السوريون أنفسهم لأنهم فشلوا في أن يموّلوا ثورتهم ويستغنوا عن سواهم لتكون ثورتهم نقية ويكون قرارهم مستقلا، ومستقبل بلادهم بأيديهم.
الطامة الكبرى في أرض الكنانة، في مصر الآن قضاة بالمزاد، رقص في الشوارع، وأغان تمجد العسكر، وتسلم الأيادي تلعلع في كل الميادين، ودستور جديد أعاد لنا ذكريات الزمن الجميل ونسبة الـ98.1′ التي اعتقدنا (مخطئين) أنها اندثرت. احصاءات العسكر تقول ان عدد المشاركين في الاستفتاء بلغ عشرين مليونا، فلنفترض انهم يكذبون وأنهم ضاعفوا العدد وأن المشاركين هم فقط عشرة ملايين، وأنهم زوروا النتائج وأن الذين صوتوا بنعم هم 50′ فقط أي خمسة ملايين، هل هذا العدد قليل؟ خمسة ملايين مصري، على أسوأ تقدير، يزغردون ويرقصون للعسكر.
على ذمة الجزيرة أيضا’هناك سبعون مليون أمي في الوطن العربي، لا يمكننا ان نفترض ان كل الذين صوتوا للعسكر ودستورهم أميين. اني اراهم على شاشات التلفاز يناقشون ويحللون ويفندون ويشتمون ويردحون ويتهمون الخلق بالأرهاب، ‘اي بيعرفوا يفكوا الخط’. آن للمصريين أن يجلدوا أنفسهم ويفيقوا من غيبوبتهم اللذيذة وفرحهم المزيف وأغانيهم المستعارة التي فقدت اللون والطعم والرائحة، لا، عفوا، لها رائحة. فليجلد الجزائريون انفسهم فهم يعيشون كالمغفلين، رئيسهم مريض ويعالج واعلامهم الرسمي يوهمهم انه فقط يعمل فحوصات، وسيترشح للرئاسة بعد أشهر من الآن، ان بقي على قيد الحياة.
ليجلد الليبيون أنفسهم وعندهم ثوار لا يريدون تسليم اسلحتهم للدولة ولا ان ينضموا للجيش، وعندهم في الجنوب مسلحون ما زالوا يرفعون صور القذافي، معقول كنا نقول ان حكامنا هم اساس البلاء، ويبدوا اننا لم نقتنع بعد ان العيب فينا كشعوب. فلنجلد انفسنا ونبدأ بثورات وربيع جديد لا يسقط الحكام فقط، بل’يغيرنا’نحن، فلنجلد انفسنا علّنا نحظى بجلود جيدة، وعقول وقلوب، علّنا نستحق ان نحيا.
‘ كاتب فلسطيني’ ‘ ‘ ‘
‘