تعددت وجهات النظر في ما يخص المجتمع المدني، وأغلب التعاريف تعتبر متميزة، فألتوسير مثلا في كتابه الشهير ‘من أجل ماركس’ ميز بين أجهزة الدولة القمعية والمجتمع المدني، ونجده يحاجج بأن المدارس والجامعات التابعة للدولة هي جزء منها وليست جزءا من المجتمع المدني، بنشرها لأيديولوجية الدولة بواسطة الرضى وليس القمع، وهو ما ينطبق على الصحافة الرسمية كذلك. ويرى ربيع وهبة الباحث والمترجم في مقدمته لكتاب المفكر الغربي ستيفن ديلو ‘التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع’ -أن تعبير المجتمع المدني ‘يشير إلى الأمور التي لها علاقة بالمواطن’، ومن ثمة يبرز بأن كلمة ‘مدني’ تعبر عن كل ما هو غير مدرج في قواعد وأنظمة الدولة وما هو غير شكلي، وكذلك الأمر عن كل ما هو صادر عن السلطات العامة. كما أن المفهوم الاشتراكي للمجتمع المدني يبدو اختلافه واضحا عن وجهة النظر الليبرالية في كثير من النواحي.
اختلفت من الناحية النظرية إذن التصورات حول المجتمع المدني، وبين المثالي والمعيشي تتباين الأمور. وبالنظر إلى الحالة التونسية منذ الاستقلال إلى حدود سقوط النظام النوفمبري، لا يمكن إنكار حقيقة أن الدولة نخرها سوس الحزب الواحد الشمولي. ومن هذا المنطلق: البرنامج الأساسي صلب العمل الوطني أن ‘الدولة المدنية الحديثة’ هي البديل المفترض عن النظام السياسي الذي عرفته بلادنا، الذي راهن على واقع غياب السياسة كممارسة جماهيرية في ظل انفصال بين السلطة والشعب، أو حظر السياسة عن المواطن، ما خلق عزوفا من طرف أغلب الناس عن السياسة. وفي نظرنا تسييس الشعب هو شرط ضروري لإنجاز المشروع الثوري التاريخي المتمثل في بناء الدولة الوطنية الحديثة، ويفترض أن يؤدي هذا التسييس إلى تواصل حقيقي بين الشعب ونظام الحكم، خاصة إذا ما أخذ شكل مؤسسات ديمقراطية تكفل له الاستمرار، أما نتيجته الأخيرة فهي أن يصبح الشعب أقوى من الحكم، وأن يطيعه ويتواصل معه في نفس الوقت. ومن هذا المنطلق على عملية التسييس أن تنتج شعبا يتبع سلطة ديمقراطية ويطيعها بشكل واع يختلف عن شكل التبعية والوصاية السابقة، التي تقوم على سلبه حقه في التفكير والتعبئة من خلال منعه من ممارسة السياسة.
وفي اعتقادنا أن أية نتيجة أخرى تطرح منطق تغييب الشعب عن المشهد السياسي هي غير ديمقراطية وسائرة في سياق التهميش والتسلط، ما يجيز لنا القول انه من الضروري أن تتحول إرادة الشعب إلى حتمية تصبح معها حريته ضرورة تتحول إلى حالة قدرية جبرية لا رادّ لها. وبمجرد أن تتاح هذه الأرضية، سوف يخطو الشعب خطوات مهمة نحو النضج الفكري والثقافي، فيتعامل حينئذ مع المفاهيم التقدمية والحداثية بمنطق سلس وواع، يوفر له حصانة ضد الرجعية والانتكاس.
وفي نفس الإطار على المؤسسات السياسية والاجتماعية أن تجدّد نفسها باستمرار، وألا تفرز جهازا بيروقراطيا فاسدا يتحول شيئا فشيئا إلى برجوازية ريعية تنهب مؤسسات الدولة ويصبح الشعب بمثابة خصم أمامها، وهو ما يعني سيادة واقع الديكتاتورية في المجتمع، فلا معنى في الحقيقة للانتقال من رأسمالية الدولة الشمولية إلى مشهد حكم أكثر تغوّلا ليس بذاته إمكانية ديمقراطية.
لقد ظل مطلب الديمقراطية غائبا تطبيقا على المشهد العربي في إطار الأنظمة الاستبدادية، ولم يبلغ الجماهير سوى الإقصاء عن الحكم أو النظر في طبيعته، وعملت السلطة الديكتاتورية على تعميق الانقسامات فكان لها انعكاسات حتى على مستوى التعليم الذي وجه أساسا لإبقاء الناس العاديين في حالة جهل وتبعية وخضوع، ونرى أنه بمجرد القطع مع أجهزة التسيير الفاسدة في البلاد، تستطيع مكونات الشعب إدارة حياتها من خلال منظمات قاعدية في صلب المجتمع المدني، تطور الحياة الاجتماعية ومن ضمنها أنظمة التعليم التي يجب أن تراهن على القضاء على الفوارق بين المجموعة وضمان تطوير نسق كل فرد مع ضمان حريته التي لا بديل عنها.
القطع مع مفهوم الأحادية
سبيل للتعايش مع مشهد ديمقراطي:
من يحمل فكرا تقدميا عليه أن يعي جيّدا ضرورة محاربة الفكر الأحادي، لأن الشعار الأوحد في التفكير والعمل تحت منطق الوصاية كثيرا ما كانت أفخاخا من الحجم الثقيل تلغم الحريات وتختزل الواقع المجتمعي في اتجاه واحد، وتسعى إلى لبوس طابع القداسة، وفي نفس الوقت تتحول إلى صنمية فكرية أو عقائدية. وكثيرا ما كان الذي يحمل سمة الأحادية والإقصاء هو أول من يمارس الاستبداد والإرهاب بأفكاره المطلقة وأوثانه العقائدية، من خلال المناهج والشعارات المقدسة والفردية، وكثيرون يتعاملون مع فكرة الديمقراطية وفق هذا الطابع التلفيقي المزيف، حيث يختزل الواقع المعقد، وتتم عسكرة المجتمعات والسلطات، وهو النموذج الذي ظل النظام السياسي العربي وفيا له.
يتنافى هذا كليا مع الديمقراطية بوصفها تجسّد شكلا من أشكال الوعي بالحرية والتعددية، ولأجل ألا تتفاقم المشكلات نتيجة منطق الوصاية والتفرد والارتجال، يطمح الجميع إلى التداول والتفاعل بين مختلف قطاعات المجتمع وأصعدته سياسية كانت أو ثقافية، اقتصادية أو علمية وإعلامية أو مالية. وهو سبيل ازدهار وتقدم ونمو المجتمع الذي يجب أن يضم فاعلين اجتماعيين مؤثرين في مجتمعهم وبيئاتهم، عبر ابتكاراتهم وإنتاجهم المتكافل، بعيدا عن النزعة النخبوية الفوقية التي كثيرا ما يطمح دعاتها إلى ساحة يمارسون فيها أحادية وتمايزا ونرجسية واهمة، فتستحيل النخبوية بذلك نقيض الديمقراطية – مثلما أن طروحات الديمقراطية والحريات السياسية تصبح مجرد شعارات بلا معنى ما لم يتعامل الأفراد في مجتمعهم على أساس الفاعلية الاجتماعية التي تخوّل لهم الحضور السياسي وإثراء الفضاء الاجتماعي عبر المداولات الخصبة والمبادرات الفاعلة والخلاقة.
ومن هذا المنطلق نحن بحاجة إلى ديمقراطيين يحملون عقليات ديمقراطية، تطرح برامج لمواجهة الواقع الاجتماعي المتردي ورديفه الاقتصادي. وهذا يحتم ضرورة التوجه نحو نظام برلماني تعددي أثبت تاريخ الأنظمة السياسية أنه الأكثر جدارة في خلق مشهد ديمقراطي وتحقيق نوع من التعايش السلمي، ولعل بيئته تكون الانسب للمجتمع المدني لكيلا يضع قناعا يخفي أشكالا من الاستبداد التي تضر بالأهداف السياسية التي يدعو إليها. ولعل ستيفن ديلو محق عندما نقف معه على أنماط أساسية للنقد تحت ثلاثة عناوين ‘بيروقراطية واقتصادية وشخصية’، حيث يرى أن المجتمع المدني ما لم يستطع مواجهة التحديات التي تطرحها هذه الانتقادات الثلاثة فإنه لن يكون من الوارد إذن إدراك الطموحات والآمال المتعلقة بالمجتمع المدني.
يبقى المشروع الوطني الديمقراطي في نظرنا مشروعا نضاليا، وإن كانت الحريات الشخصية والسياسية والديمقراطية هي هموم وأولويات المثقفين وفئات واسعة من شباب الجامعات والمتعلمين في المقام الأول، فإنها ليست بالضرورة هموم وأولويات الفئات الشعبية الواسعة في المقام الأول، كما أنها قطعا ليست شرطا لتحقيق مصالح الناس وحقوقهم المادية والاجتـــــماعية والوطنية، بل على العكس من ذلك، فإن مسار الدفاع عن المصالح المادية والحقوق الاجتماعية والوطنية يوفر شرط ممارسة الحريات الشخصية والسياسية والديمقراطية والوطنية في خضم تكامل الحقوق والأولويات. وفي اعتقادنا هذا الأمر يفترض أن تأخذ القوى السياسية والثقافية ودعاة مشاريع الإصلاح والديمقراطية والنفس التقدمي هموم وأولويات الفئات الشعبية بذاتها مدخلا للحريات الشخصية والسياسية والديمقراطية لا العكس. وهو من الرهانات الحقيقية للقوى الديمقراطية والتقدمية تمثلا وتطبيقا.
‘ باحث تونسي في الحضارة