حدّثني أحد المفكّرين فقال: من بين القصص العديدة المتداولة على شبكة الأنترنت، هناك قصة أثارت إهتمامي كثيرا، سأسردها لك فخذها منّي ‘في قرية حيث يعيش الجميع من السياحة، تدهورت هذه الأخيرة بفعل الأزمة الإقتصادية التي عصفت بالعالم وللخروج من هذه الأزمة الحادة لجأ الجميع إلى الإقتراض، فاقترض الجميع من الجميع وأصبح الكلّ مدينا للجميع، وبعد مضي الأيام والشهور مع ما حملته من بؤس ويأس، حلّ سائح أخيرا واستأجر غرفة في فندق القرية ودفع ثمنها البالغ مئة دولار، وما إن صعد السائح إلى غرفته حتّى هرول صاحب الفندق بالمبلغ وسدّد به دينه للجزار الذي كان قد أقرضه مئة دولار، وما إن أمسك الجزار المبلغ حتى سعى جاريا ليسدّد دينه للمزارع الذي كان يزوّده باللحوم، وأسرع المزارع بدوره إلى العاهرة التي يدين لها بالمبلغ ذاته نظير ‘خدمات’ قدّمتها له، وحدث أن ذهبت العاهرة إلى الفندق لتسدّد ما تدين به لصاحب الفندق نظير كرائها للغرف بالساعة. وبمجرّد أن وضعت المئة دولار على المنضدة حتى استعاده السائح الذي كان بصدد إخبار صاحب الفندق أنّه سيغادر وبالتالي لا بدّ أن يستعيد مبلغه واختفى السائح بعده. وفي النهاية سدّد كلّ فرد دينه دون أن يصرف أحد مبلغا من جيبه ولم يربح أو يخسر أحد من المدينين أو الدائنين، ولم يعد أحد في القرية يقبع تحت وطأة الديون’. وهذا ما تقوم به الدول الغربية لتسديد ديونها لحلّ الأزمة العالمية! ويستدعي هذا النص المذهل بعض التعليقات : أولا: فباستثناء صاحب الفندق الذي ربّما فقد شغور إحدى غرفه لمدة ساعة إستأجرها خلالها السائح، كيف يمكن أن تزول ديون قرية كاملة دون أن يصرف أحد من جيبه؟ الجواب هو أنّ كل فرد في القرية له دين لدى شخص آخر من نفس القرية، إذ أنّ الكلّ مدين للكلّ بشكل دائري، وأضحى بالتالي مجموع الديون يساوي مجموع القروض. ثانيا: أنّ وضع الإقتصاد العالمي شبيه بوضع هذه القرية لأنّ كل بلد في العالم مقرض لمصارفه ومدين للمصارف الأخرى وعليه فمجموع الديون يساوي مجموع القروض. ثالثا: تلقّننا هذه القصة درسا في الإقتصاد: فلا أحد في الهيئات والمؤسسات المالية يفكّر في تسديد ديونه، بل العكس إذ يجتهد الكثير بفضل الديون الجديدة التي حصلوا عليها على الإقتراض مجدّدا لأنفسهم ولغيرهم. رابعا: لو استعملت الأموال التي تقدّمها البنوك المركزية (في قصتنا هو السائح) في تسديد ديون الجميع بدءا بالدولة (في قصّتنا هو صاحب الفندق) بدلا من أن تتراكم مع ديون جديدة، كان من الممكن أن تحلّ الأزمة بسرعة أكبر وبطريقة أسلم مما هو الحال عليه اليوم، حيث أنّ تراجع الأزمة ينذر بقدوم أزمات أخرى أكثر وطأة وشدةّ وهذا بسبب تراكم الديون. خامسا: ربما كان الأجدر أن يدرّس الإقتصاد على هذا النحو، حتى نفهم بشكل أفضل بعض الأفكار البسيطة مثل أنّه في ظلّ إقتصاد سليم تستعمل الديون للإستثمار لا للإستهلاك، لكن هذا ما لا يريد سماعه النظام المالي. وحتى الآن حيث يشتد وزر الأزمة فهو لا يبالي سوى بشيء واحد وهو تقديم الديون للغير حتى يجني أرباحا أكبر. فريد بوغانم [email protected]