صبغ الشعر لا يحنط العمر !
لكن المشتغل الدائم على قضايا السياسة والحقول الأخرى المتعددة ذات الارتباط المباشر بها كالإعلام والتاريخ في عالمنا العربي غالبا ما يمتلك ذاكرة السمكة، إذ ينهار بالانبهار أمام أي ظاهرة متجددة ومتجلية في الفضاء الغربي ويتناسى مسارات التجربة الذاتية التي تغدو مقاربتها مجددا وفق معطى الموضة الآتية من منبعها الابداعي الدائم أي الغرب أكثر من ضرورية وذلك عبر ارتـــــجاع بسيط بالذاكرة إلى الخلف حتى يدرك أن المسألة في تعيين وزير خارجية في بلد أوروبي في عقده الثالث من العمر لا تبهر في بعدها البيولوجي، إذ سبق وكان الرئيس الجزائري الحالي بوتفليقة وزيرا لخارجية الجزائر في ذات العمر تقريبا عام 1963، بل إن الديكتاتور الليـــبي السابــــق، كان قد سطا على السلطة وهو في ذات عمــــر وزير الخارجية النسماوي الحالي، إنما تبهر في كونها تنـــــأى عن أن تكون صباغة على الشيب لتجنب اشمئزاز الأبصار بدل البصائر على شاكلة ما يفعل زعماء النظــــم العربية من ملوك ورؤساء وهم في عقودهم العمرية السابعة والثامنة!
فالبون بين التجربتين سنجده مختلا ومختلفا حين نمعن النظر والتفكر في موضوع التجربتين النسماوية والعربية بعيدا عن شكل الموضة التي تصرع نفسية العربي دون أن تتمكن من تفكيره.
عمر السلطة أم عمر السلطان
الوزير النسماوي للخارجية ابن جيله فيما نعد من سنوات زمننا الفيزيائي والايديولوجي والبيولوجي، وابن سلطة متجددة داخل دائرتها الطبيعية وفق قانون الانتاج الديمقراطي، الذي ينأى بها (أي السلطة) ويحفظها من التعفن من الداخل وتعفين الدولة والمجتمع، فلا ضير وحال كذلك أن يكون الوزير في عمر الزهور ولا خوف على البلاد من فرية نقص التجربة التي يجَابه بها عادة خطابا وسلوكا شباب العرب الطامح لقيادة بلدانه سياسيا، ذلك لان عمر السلطة غير عمر السلطان فقد يصل شيخ طاعن في السن إلى سدة الحكم فيصلح من حال السلطة والبلاد ويعود محل ما جاء معززا مكرما متبوئا مقعدا مقدسا في تاريخ الأمة، مثلما كان الحال مع الزعيم الجنوب افريقي الرحال نيلسون مانديلا، وقد يعتلي شاب قوي البنية حيوي الحركة عرش البلاد جمهوريا كان أم ملكيا (موضة العرب) ولا يحيد عنها سوى بالنار والدمار كما كان الحال مع معمر القذافي وكما يحصل الآن مع الرئيس السوري الحالي.
لننبهر بالفكر لا بالعمر
وعليه يظل حريا بالعقل السياسي العربي أن يعتاد على النفاذ إلى عمق الظواهر السياسية ولا يكتفى بالانبهار الموضوي الذي تخلقه العبقرية الغربية في صناعة التاريخ، فما يحكم السياسة عند هؤلاء هو الوعي بمنطلقات اللحظة التعاقدية المؤسسة للشراكة في الوجود الوطني، من دون أبوية فكرية أو سياسية أو زعامة شعبوية، لهذا لا تشيخ عندهم السلطة بشيخوخة السلطان ولا يمرض الوطن بهذرمات المطعونين في الشرعية من الطاعنين في السن البيولوجي الذين لا هم لهم سوى الموت بخطاب الثورة في مستنقع الثروة، فكم من شاب يمارس العتاب لشيوخ السلطة اليوم في حين يحفل برنامجه السري بإصلاحات تدميرية تستهدف في أولى ما تستهدفه تغيير البنى المؤسساتية والقانونية للبلد وعلى رأسها الدستور، بما يسمح له بالموت هو الآخر في القصر رئاسيا كان أو ملكيا.
بشير عمري