أحزانُ الحمامِ الدمشقيّ

أرى الضوءَ فجراً شديدَ السوادِ
وكلّ النجومِ خبتْ في فؤادي
لأنّ العذابَ عذابَ بلادي
تمادى كثيراً كصمتِ الجمادِ
* * *
لأنّ العبورَ بحزنِ الشآمِ
يرقُّ كثيراً لحدّ الفناءْ
يطيرُ رويداً كرفّ الحمامِ
ويصفو تماماً قُبَيل المساءْ
* * *
فيا صاحبي كيف توّاً أتيتَ؟
وكلّ الدراويشِ فاؤوا إليكَ
ترفّق بقلبي، وقل لي: صحوتَ
فهذي دمشقُ والثم يديكَ!
* * *
ويا صاحِ أين اختفيتَ؟
رأيتُكَ من قبلُ: حجراً مُستسراً في زُقاق
أو ‘سِتيتيّة’ (1)
رأيتُكَ من بعدُ: حديقةً مُسوّرةً
وسنواتٍ سدى
ودّعتُكَ نهراً يحرسُهُ وحشٌ أبديّ
وما ارعويتَ!
وما عدتُ أعرفُكَ
وجهُكَ غارقٌ في الضبابِ
والضبابُ أحمرُ
أحياناً
الغربةُ تخلطُ الألوانَ
والأصواتَ
ورائحةَ البشر
تمزجُها بأشباحٍ شبهِ آدمية، لا تشبهُ القتلى
ولا سجنَ القلعة
اخفض صراخكَ، ها قد وصلنا
عقدٌ آخرُ، وتنتهي ‘الجُلجُلةْ’!
أو الحياةُ ربما لنستريحَ
ونعودَ إلى كهفنا الحنون
هنا في القلبِ الذي صارَ كوناً
نلعبُ
ونغنّي
ونتبادلُ الجنّاتِ الغائبة!
* * *
ها أنتَ شارعٌ متوجٌ
بأحذيةٍ متقشّفة لآباءٍ ناصعين
وأطفالٍ ينتظرون ‘العشاءَ الأخيرَ’
وفتاةٍ ساهمةْ
إذا عثرَ البشرُ على حزنٍ بلا رتوش
سيومِئون إليكَ، ويرسمونك في المُخيّلةْ!
لو لم أكن أنتَ
لوددتُ أن أكون أنتَ
كلانا محرومٌ من الأرضِ
راضٍ بالسماواتِ بين يديه
تاركين فتات المارِقين
في عراءِ القصورِ الملطّخةِ بالدّم
ومخازن الأسلحة الشّرهة
بعد يومين مغمّسين بالصّبرِ
والزيتِ والزعترِ
سيأتي الخريفُ
ثم الشتاءُ
ثم الصيفُ
ولن يأتي الربيعُ!
ستكملُ أنتَ دورةَ الفصولِ
أيها الأخضرُ القاني
يا وطني
أكاد أموت وأنا أغنّي
أعِنّي
لدينا مئةُ نعشٍ غداً
إذا نامَ القنّاصُ جيداً
وحده القنّاصُ يعرفُ
أسماءَنا
وأسماءَ أحلامنا
وأحلامَ جَدّاتنا
وحده القنّاصُ يسهرُ الآن
على رعاية مأساتنا!
* * *
صبّ ‘كأسَ الشاي’
يدي القاتلةُ ترتعش
يدي المقتولةُ تبكي
مدينتي تفرغُ من الضحكاتِ بانتظام
لا بد من ‘الفوضى’ إذاً
ضعْ قطعةً من الليلِ
وملعقتين مليئتين بالهُدنة
وفكّر بالأمر ملياً
حينَ كنتَ سورياً
واحداً ووحيداً:
عربياً وآشورياً، نُصَيْرياً ونَصْرَانياً، كُردياً وإسماعيلياً، بدوياً وقُوطياً، دُرزياً ومَردلّياً، أرْمنياً وآرامياً، أموياً وبَرمكياً، تدمرياً وهكسوسياً، شركسياً ومولوياً، فينيقياً وواقعياً، اشتراكياً ولازوردياً، علمانياً وعلى باب الله ..
ودعنا نفكّر سوياً:
أنا وضدي معي، وكلانا معاً ضِدنا
إن تقدّمنا تَبعثرنا، وإن تأخّرنا ضِعنا
رهينانِ في مَحبسَين (2)
طليقانِ في مُنطلقَين
وكلانا مُنفردَين:
نرى النصر
أو القيامة؟!

هوامش:
1 الستيتية: اليمامة، ويروى إنها طائر ‘العنقاء’ الذي كان يعشق الأسفار، فأغوته ربة الجمال ‘عشتار’ للنزول إليها، ولم يغادر الشام بعدها.
2 رهين المحبسين: الشاعر أبو العلاء المعري (973 1057)، لقب بذلك لأنه انقطع عن الناس، فأصبح رهين العمى والبيت.

شاعر سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية