وداعاً للخصوصية الفردية وألف رحمة تلك التي نتمناها للأيام التي لم تعرف رنين الهواتف ونغمات الرسائل القصيرة وتقنيات بروتكولات الإنترنت والاتصال المرئي اللحظي والهواتف الذكية والحواسيب اللوحية والمكتبية وتقنيات الاجتماعات المرئية التفاعلية والمحادثة الحية.
هذه الدعوة بالرحمة ليست احتجاجاً، لأنني من عشاق التقانة ومن أكثر مناصريها، لكنها بالاحرى إطلالة صادقة أردت من خلالها وفي خضم إعجابي بما قدمه العقل البشري خلال العقد الماضي، تحديداً، من تسريعٍ تقني، أن أشدد على رغبتي الكبيرة بأن يعرف الناس بأن خصوصياتهم قد طالها الموت تماماً إلى غير رجعة وبإرادتهم..كيف؟
حقيقة ما دفعني لكتابة هذا المقال هو مسابقة محلية للمناظرات نظمتها إحدى المؤسسات الطموحة مؤخراً، حيث دار فيها السجال حول أيهما أهم من حيث الأولوية البشرية: الحرية الفردية أم أمن الدولة؟ سخونة السجال قادتني إلى استنتاجات أسردها في مقالي هذا بحكم معرفتي بمجال الاتصالات والمعلوماتية والمجريات المتصاعدة المرتبطة بأمن المعلومات وخشية المؤسسات والأفراد على هذا الأمن.
حقيقة الأمر أن الأنظمة الدكتاتورية القمعية كانت وما زالت توظف التقانة وسبل التواصل لاختراق خصوصية الأشخاص ومراقبتهم، من دون موافقتهم وباقتحام يتنافى مع حقوق الإنسان. بينما توفر بالمقابل الشركات والمجتمعات التي تنتج اليوم تطبيقات الهاتف المحمول والهواتف الذكية، التي تنتمي في معظمها إلى مجتمعات ديمقراطية لذاتها الحق بالحصول على المعلومات، لكن بموافقة المستخدم الذي لا يقرأ عادة شروط الاستخدام فيقبل بالشروط تباعاً لشغفه باستخدام التطبيقات المختلفة.
لكن ما هي هذه الشروط؟ قبل أن أجيب على هذا السؤال أود أن أقول للقارئ العزيز، خاصة أولئك المستخدمين لمنصات الإعلام الاجتماعي والهواتف الذكية وتطبيقاتها وبرامجها المختلفة اليوم، بأنك إذا ما كنت تعتقد بأن خصوصيتك متاحة في مكتبك أومؤسستك أو شركتك أو حتى غرفة نومك فأنت مخطئ. إذ أن هذه الأسئلة في معظمها التي ترافق اليوم تفعيل التطبيقات التي تحمل على الحواسيب والهواتف الذكية تسمح للمصدر بالدخول إلى قائمة عناوينك، إضافة إلى الذاكرة لتحميل الصور والملفات أيضاً، ناهيك عن الإذن بتفعيل المايكروفون والكاميرا، من دون إذنك الدوري المسبق.
طبعاً هذا يتم بحسب التطبيق وحاجاته وبتفاوت كبير بين بعض التطبيقات.. لكن نعم هذا يتم وبإرادتك وموافقتك. يضاف إلى هذا الأمر طبعاً تطوع الناس الغريزي عادة بالمعلومات من هموم وشجون ونكات وخواطر ومواقف، وحتى معلومات أمنية وشخصية مما يوفر لكثير من الشركات الفرصة لبيع المعلومات المرتبطة بتوجهات معينة، كتحديد الانماط الغذائية الاستهلاكية أو الاهتمامات المرتبطة بعالم الترفيه والتسلية، مما يساعد شركات الإنتاج على اختلافها بتحديد اهتماماتها ويوفر مالاً طائلاً كان سيوظف في البحث والدراسة أو في التجربة والتسويق.
لذلك فإن المعلومات العامة باتت في متناول الجميع وكذلك المعلومات الشخصية. المهم أن الأشخاص البعيدين عن عالم الأمن والسياسة قد لا يهمهم هذا الأمر الذي يشكل الهاجس الأول بالنسبة لغيرهم. لذلك يجب ألا يستغرب أحدهم أن يجد نفسه هدفاً لعدة وكالات استخباراتية ترصد مكالماته ورسائله ومواقفه وعالمه الخاص والشخصي.
ولذلك فإننا وعندما نتحدث عن عصر المعلومات فإن الأمر تعدى المزاح والتوقعات كون العالم اليوم بات مستنداً إلى المعلومات في التواصل والتحليل والبحث والتطوير وحتى الجوسسة، إذ أشارت صحيفة ‘الاندبندنت’ البريطانية قبل أيام إلى تقرير صادر عن شركة ‘أي بي أم’ العالمية في أيلول/ سبتمبر الماضي 2013 الذي أكد بدوره على أن المعلومات تتكاثر في كل جزء من الثانية، وأن حجم المعلومات التي تلد يومياً يصل إلى 2.5 كوانتليون بايت أي الرقم 25 وبجانبه سبعة عشر صفراً.
الظريف في الأمر أن معظم تلك المعلومات قد انتجت في العامين الاخيرين لتشمل كل ما يتخيله الإنسان من مكالمات مسجلة ورسائل هاتفية وأرقام بطاقات إئتمان وتغريدات نصية وأفلام شخصية ورسائل إلكترونية والقائمة تطول. وتتوقع الشركة أنه ومع حلول عام 2020 سيصل كم المعلومات من حيث وحدة القياس ‘بايت’ إلى ما يعادل 57 ضعف الرمل الموجود على شواطئ العالم.
أرقام لا شك بأنها تدعو للذهول فما عليك فيها إلا أن تدري بالأمر.. وتبتسم!
كاتب فلسطيني