عن العاطفة والحنين اللذين لا يصنعان وطنا… وقميص عبد الناصر الذي به يتاجر

أخشى التصفيق الحاد والصوت العالي.. أخشى الحماسات والاندفاعات، فكثيراً ما قادت إلى الكوارث.. ويبدو أننا الآن لسنا مقبلين فقط وإنما دخلنا بالفعل إلى نفق الرأي الواحد والرواية الوحيدة للحقيقة الواحدة (إن لم نكن قطعنا أشواطاً بعيدة) وها نحن نعد العدة والبهارج ونفرش البسط الحمراء لنكون في استقبال الزعيم الملهم الذي جاء وفاءً لموعده مع القدر لينتشلنا من أوحال الهزائم إلى سموات الانتصار، رغماً عنه، فنحن نؤمن بالقدر بصفةٍ عامة وبأن للقادة والزعماء قدراً خاصاً ليس لهم أن يتخلوا عنه، ناهيك عن مناوئته.
لا مكان الآن للاختلاف، فكل من يشكك أو يقف ليعيد حساباته أو يتحفظ على تفصيلةٍ بسيطة مع موافقته على السياق العام عرضة للتخوين والشيطنة، أما إذا كان من ‘شباب الثورة’ فهوخائنٌ بالضرورة.. يكفي أن تقرأ الصحف المصرية، كل مناوئي الإخوان من شتى التيارات والخلفيات يعزفون تنويعاتٍ على النغم الواحد.. والذين صدعوا رؤوسنا خوفاً وذوداً عن الديمقراطية يدافعون الآن عن ‘الدولة’ وحدةً وتماسكاً، مفاخرين ‘بالدولة المصرية القديمة قدم التاريخ’. ليست المرة الأولى التي أؤكد فيها أن الدساتير وسائر النصوص المكتوبة لا تعنيني في المقام الأول، فالعبرة بمن ينطق بها ومن ثم يعيث في جسدها ترقيعاً، وإذا كنا لم نتعلم من الماضي فلن نتعلم أبداً، كيف لا وقد ‘انفتحنا’ في عهد السادات في ظل دستورٍ اشتراكي، ودستور سوريا البعثي الوحدوي الخ يتخطى الطائفية! أليست مزحةً كئيبةً وثقيلة الظل؟ ما يستحق ويستوجب التركيز الآن في مصر هو تلك السردية الجديدة الآخذة في التشكل التي تصب في مجراها العريض شتى القنوات الصغيرة الأخرى، المكونة من تفاصيل عديدة، كثيرة ومتناثرة .. سردية خبيثة الأغراض تتخفى وراء ثوبٍ ناصع.. ثوب عبد الناصر وعاطفة الحب الصادق والعميق التي يشعر بها الكثير من المصريين (والعرب بصفةٍ عامة) تجاهه، كرامةً وزعامةً وتحرراً ووعوداً، والحنين إلى شخصه وانحيازاته للفقراء والعدالة الاجتماعية.
لقد نزل الملايين إلى الشوارع في 30 كانون الثاني/ يونيو ثائرين ناقمين على حكم د. مرسي والجماعة، وليس لدي أدنى شك في أن صداماً دامياً كان سيقع إذا ما اصطدم الطرفان.. لن أجادل في أن تدخل الجيش حقن كثيراً من الدماء وقلل الخسائر في الأرواح واستعجل نتيجةً حتمية.. إلا أن ذلك يجب ألا ينسينا أن لكل طرفٍ من أطراف التجمع الذي نزل إلى الشارع أهدافه.. وللبعض أحقاده ورفضه للثورة من الأساس. منذ ذلك الحين بدأت أسطورة الفريق تتخلق، ربما نشأت في أذهان البعض إلا أن الأكيد أن الكثيرين ممن ضجوا وضاقوا لأسبابٍ عديدة ومتباينة بحكم الإخوان استجابوا لها واستدعوه للتدخل، وأن الجماهير العطشى للكرامة والعدالة الاجتماعية راقها ما بدا أنه وجه تشابه بين الفريق والزعيم الخلاب والكاريزمي.. وذلك في رأيي مكمن العجب، لقد كان عبد الناصر في مقتبل الشباب ومبادراً حين خطط لثورته وقام بها، وقد عصف بالإقطاع مبكراً ضارباً بذلك النظام القديم في أساسه الاقتصادي، ذلك النظام الذي لم ينتم إليه وكرهه من أعمق أعماقه. لقد كان ذا مزاجٍ ثوري حادٍ وجارف وأراد بصورةٍ لا لبس فيها تغيير تركيبة المجتمع وعمل على ذلك، وليس الأمر كذلك مع الفريق الذي تدرج في الرتب العسكرية حتى أعلاها ويدين بالكثير لنظام السادات- مبارك، وقد كتبت من قبل أنني لا أظلم الرجل حين أذكر بأنه لم يقد ثورة 25 يناير الشعبية بامتياز ولم يدعِ ذلك.
في يقيني الشخصي أن تلك الحملة من التمجيد الذي يصل حد التقديس والذي اتخذ صيغاً وأشكالاً منفرة (حدت بأحدهم الى أن يكتب ما سماه قصيدةً مطلعها ‘نساؤنا حبلى بنجمك’) التي يقف وراءها موحداً إعلامٌ جهوري، لا تظلم الرجل فقط وتدفعه إلى التطوع ليرث كوارث الأربعة عقودٍ الماضية، وإنما هي في حقيقة الأمر الوجه الآخر لحملة الشيطنة التي يقوم بها الإعلام نفسه والمغرضون لتشويه الثورة عن طريق مساواتها ببضعة وجوهٍ اشتهرت عقب 25 يناير وتتهم الآن بالخيانة، ناسين أن تلك الملايين التي نزلت إلى الشارع يستحيل أن تتهم بالتواطؤ، ومتغافلين عن الأسباب الموضوعية للحراك الثوري. وبالتالي، فعلى الرغم من صدق العاطفة لدى القطاعات الأوسع من الجماهير فإن استدعاء صورة جمال عبد الناصر وتمجيد الفريق السيسي ومحاولة الإيحاء بالتماهي والاستمرارية يُستغل أيضاً من قبل ذلك التحالف العريض من أصحاب الامتيازات وأثرياء المال الحرام، الذين عاثوا في الأرض فساداً، والإعلام التابع الفاسد المفسد، أبناء مبارك الذين لا يحملون اسمه ولم يطلهم القانون لترميم النظام بانحيازاته الاجتماعية والاقتصادية، مستترين وراء تلك المظلة السابغة من الطهر الثوري لترسيخ مكاسبهم وتحصينها، ولصيقٌ بذلك أيضاً ذلك النفخ في كل النزعات الشوفينية التي باتت على سبيل المثال تنادي الآن بالقصاص من الفلسطينيين.
لن تكون المرة الأولى في التاريخ التي يسطو فيها الباغون على سرديةٍ أو أسطورةٍ نبيلة ويوظفونها لصالحهم، في حركة خفة يدٍ أو قرصنةٍ محنكةٍ ماهرة، ويا لها من مفارقةٍ مريرة ومؤلمة أن يتاجر بقميص عبد الناصر، أولئك اللصوص لاعقو أحذية الرأسمالية الغربية، الذي قضى حياته يحاربهم حتى مات في شبابه تحت ثقل الهم والمسؤولية.
لن أتطرق هنا إلى تبيان الفوارق أيضاً بين الظرف السياسي زمن عبد الناصر والآن، فذلك أمرٌ يطول وليس هذا المقال مجاله، إنما أود أن أؤكد أنني مع فهمي لمشاعر الناس إلا أن النهر قد جرت فيه مياهٌ غزيرة.. يجوز أنها عكرة، كما أن الزمن تغير والأشخاص ليسوا هم الأشخاص والمشاعر الحارة الجياشة والحنين لن يستردا أوطاننا المسلوبة.
أعتقد أننا ينبغي علينا أن نتريث قليلاً.. أن نفكر نقدياً بهدوء.. ألا نندفع، فالزمن لا يعيد نفسه والأشخاص، خاصةً القامات التاريخية، لا تتكرر، وأخشى ما أخشاه أن نكرر أخطاء الماضي ونحصد مراراته مضاعفةً دون مكاسبه.

‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية