قصة تنافس بين مجلتين ثقافيتين وإصدارات كتبهما: ‘دبي الثقافية’ تحتفي بسيكار أدونيس الكوبي و ‘الرافد’ بالثقافة الإسلامية!

حجم الخط
0

دبي ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمد منصور: تتنافس إمارتا دبي والشارقة في إصدار مجلتين ثقافيتين، بدأت كل منهما فصلية ثم تحولت إلى شهرية.. وبدأت كل منهما تصدر منفردة، ثم ألحقت أعدادها بكتاب شهري يوزع هدية، ثم تطورت المنافسة لتصدر كل مجلة كتابين شهريين يوزعان مجاناً مع أعدادهما بدلا من كتاب واحد.

سباق الزمن وبريق الشهرة!

الأقدم هي مجلة (الرافد) التي تصدرها دائرة الثقافة والإعلام في إمارة الشارقة، ويرأس تحريرها الكاتب والناقد اليمني د. عمر عبد العزيز، والتي احتفلت العام الماضي بالذكرى العشرين لانطلاقتها، وبعدها بأحد عشر عاماً، أصدرت دبي مجلة (دبي الثقافية) التي يرأس تحريرها الشاعر الإماراتي سيف المري، والتي احتفلت هذا العام بإطفاء شمعتها العاشرة.
وبينما تبدو (دبي الثقافية) أكثر شهرة وانتشاراً، بسبب بذخها في استقطاب كتاب كبار من مختلف أنحاء الوطن العربي لإصدار أعمالهم الأدبية او دراساتهم في سلسلة كتابها الشهري، تسير مجلة (الرافد) بدأب وعمق واتزان وتدعم حضورها هذا العام بتخصيصها ملحقا شهريا يحتفي بالثقافية الإسلامية لمواكبة مناسبة اختيار الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية هذا العام.
المتابعون لمسيرة مجلة (دبي الثقافية) يرون أنها تراجعت منذ غادرها التشكيلي والروائي المصري (ناصر عراق) الذي كان مديراً للتحرير، ليخلفه في المكان (نواف يونس) وهو كاتب سوري من مواليد مدينة طرطوس (1950) يحمل ليسانس من قسم الفلسفة في كلية الآداب، ولهذا تأتي زواياه ذات اللغة الخشبية، غارقة في الحديث عن الفلسفة ومستوى الأخلاق، وتنظيرات مدرسية بعيدة عن ملامسة الراهن في المشهد الثقافي!
وقد نحت المجلة في السنوات الأخيرة، نحو المقالات القصيرة التي أفقدتها زخم المجلة الثقافية التي ميزت انطلاقتها الأولى ودراساتها القيمة، وحولتها إلى مجلة منوعات شبيهة بشقيقتها الأسبوعية (الصدى) مع طريقة إخراج تشبه شكل المجلات الخفيفة، حيث تتفوق الصورة على حساب النص، وتحفل المجلة بكم كبير وضاغط، من الزوايا الثابتة لكتاب عرب بعضهم معروف، وبعضهم يعرّف به نصه، لكن الكثير منهم يغرقون في عوالمهم الذاتية، وتهويماتهم الشعرية، بعيداً عن روح العصر، أو ملامسة الواقع المضطرب بقوة. وعندما خصصت المجلة في أحد إعدادها العام الماضي ملفاً عن ثورات الربيع العربي، بدا غاية في السوء، ومجرد تجميع لمقالات تشتم ثورات الشعوب وتلصق بها تهمة التطرف الديني بلا أي إنصاف!

سيكار أدونيس الكوبي الفاخر!

ولا تعنى (دبي الثقافية) كثيراً بمراعاة طبيعة الزاوية الصحافية الثابتة في المجلة الثقافية، بل تغدو في كثير من الأحيان صفحة محجوزة لصاحبها يكتب بها ما يشاء… وآخر الأمثلة على ذلك زاوية مصطفى عبد الله في العدد الأخير الصادر من المجلة (كانون الثاني / يناير 2014) والتي خصصها كاتبها لحوار مع السوري أدونيس، حول السيكار الفاخر الذي يدخنه!
حيث يشير الكاتب أن الحوار جرى خلال نزهة بحرية في خور دبي دعا إليها رئيس تحرير المجلة، وجمعته بأدونيس للمرة الثالثة… حيث باغته كاتب الزاوية بسؤال جوهري عميق:
هل صحيح أن هذا السيكار هو الذي كان يدخنه الزعيم الكوبي فيدل كاسترو؟! فيجيب أدونيس: السيكار الذي كان يدخنه كاسترو كان اسمه (كوهيبا) وكان يصنع خصيصاً من أجله، ولمن يود أن يهدي من أصدقائه من زعماء العالم، وعندما اضطر إلى التوقف عن التدخين بطلب الأطباء، أمر بإنزال (كوهيبا) إلى الأسواق ليصبح إلى اليوم السيكار الأشهر في العالم.
وكيف تقتينه؟
في باريس يتراوح ثمن العبلة التي تحوي 25 سيكاراً، ما بين (700) و(1200) يورو للفاخر جداً منه، بينما تجده يباع في البلدان العربية أرخص من ذلك بكثير، بما لا يقاس، عندما يكون مهرباً دون رسوم جمركية. وأنا لي ألف طريقة للحصول عليه.
الشاعر والساحر يتساويان في أشياء كثيرة أليس كذلك؟
أدونيس بابتسامة عريضة:
نعم.
وكم تستهلك منه في اليوم؟
أنا لا أدخن السيكار إلا في الليل وبصحبة أصدقاء، فالسيكار لا يمكن تدخينه إلا بصحبة، بينما السجائر يمكن شربها في أي وقت. وعلى فكرة لا يجوز أن يطفأ السيكار أثناء تدخينه كما يفعل البعض، ولا يجوز الاقتراب من رماده حتى يحني رأسه ويذوي، وحذاري أن تشعل السيكار الواحد مرتين.
أما في زاوية (أدونيس) التي تتصدر زاويا كتاب المجلة، فينعى الشاعر الذي هتف للثورة الإسلامية الإيرانية حين خرجت من المساجد وقادها رجل دين معمم، ورفضها حين خرجت من مساجد بلده لأنها المكان الوحيد الذي يسمح للناس فيه بالتجمع… ينعى الشاعر الحرية في موسيقا السياسة، فيكتب بلغة مترفعة لا ترى مآسي الشعب الذي ينتمي إليه:
‘للسياسة موسيقاها الخاصة. لا تنبثق من حياة الإنسان بل من طنبور الكم العددي وطبله. الحرية في هذه الموسيقا، رصاصة مادية أو معنوية، والانتصار فيها إنفجار. وكيف يتقد بلداً إذا كان كل مواطن فيه شرطياً أو قاتلأ أو تابعاً. وكل بيت فيه سجناً’!
لا يحدد أدونيس بضميره الحي، وسيكاره الكوبي الفاخر الذي يظهر في صورته المنشورة مع الزاوية، عن أي بلد يتحدث، والحالة بالنسبة له مبنية للمجهول، لا يلام نظام ديكتاتوري صنعها، ولا أجهزة أمن ومخابرات تخرج المعتقلين من أقبيتها جثثاً هامدة أكل أجسادها وأرواحها الجوع والتعذيب!

الرافد: غلاف مانديلا وملحق إسلامي!

مجلة (الرافد) تبدو مختلفة في طابعها وروحها عن شقيقتها (دبي الثقافية) التي معظم من يكتبون فيها من السوريين، هم من المناهضين للثورة. وقد خصصت غلاف عددها الأخير للزعيم الراحل نيسلون مانديلا في نص بديع كتبه عنه رئيس التحرير د. عمر عبد العزيز، واهتمت برسم بورتريه خاص له بريشة أيمن عواد. واحتفت بقامات إبداعية حملت ثقافة الحرية لا ممالأة الاستبداد، كشاعر داغستان رسول حمزاتوف، وروائي ألمانيا هاينرش بول الذي عاش ويلات الحرب العالمية الثانية كجندي، وراح يكتب عن عبثية الحرب وعجز الإنسان البسيط عن فعل شيء ثم الأنقاض التي خلفتها الحرب في البيوت والنفوس. كما نشرت المجلة دراسة توثيقية هامة عن نشأة الشعر الإماراتي ورواده.. وأثارت قضايا وإشكالات خلق جيل قارئ ودور المكتبة المنزلية والعامة في ذلك، وتابعت الدروس التمثيلية في التلفزيونات التربوية والتجارب العربية الرائدة في هذا المجال.
فيما حفل ملحقها الأنيق (الرافد-2 ) بدراسات هامة عن الثقافة الإسلامية لمواكبة احتفالية الشارقة هذا العام، منها عن الفن العماري الإسلامي، ودور المفكر الفرنسي جاك بيرك للتقريب بين الإسلام والغرب، وألقت نظرة على فن المنمنات، وملامح المشروع الحضاري عند الإمام محمد عبده.

الكتاب الشهري مجالا للتنافس!

تفوقت (دبي الثقافية) في إصدارات كتبها الشهرية في البداية، حتى بلغت هذا الشهر، مائة كتاب… بينها أعمال أديبة لليبي إبراهيم الكوني والجزائري واسيني الأعرج وأحمد عبد المعطي حجازي وأدونيس وأمجد ناصر وسيف المري وسيف الرحبي، ودراسات لجابر عصفور وحاتم الصكر وعبد السلام المسدي وفرحان بلبل ومحمد برادة وعبده وازن، وسواهم، مع كم من الأعمال المتفاوتة أيضاً. وابتداء من منتصف عام (2012) قررت إصدار كتابين كل شهر، بدل كتاب واحد، وهو ما حذت حذوه أيضاً، مجلة (الرافد) التي بدأت بإصدار سلسلة كتابها الشهري عام 2010، فضلا عما تسميه (كتاب الرافد الإلكتروني) وهو إصدار لا يطبع عادة ويتم تصفحه إلكترونياً.
ومن الملاحظ، أن (الرافد) استطاعت خلال العام المنصرم أن ترفع من سوية كتابيها الشهريين، وان تحسن من نوعية الورق والإخراج بشكل لافت، وأن تقدم نصوصاً اكثر أصالة وعناوين أكثر جاذبية من كتاب مجلة (دبي الثقافية)، الذي يعتمد هاجس النجومية، ويسوق لمن يفوزون بجوائز المجلة، بغض النظر عن قيمة النصوص أو معايير انتقائها. وكتابها الذي أصدرته هذا الشهر بعنوان: (مختارات قصصية لأدباء جائزة نوبل) جمعت فيه سبع قصص فقط، لسبعة كتاب عالميين، لا يعرف أي معايير لانتقائهم، ولا أي معنى أو رؤية للربط بينهم، سوى أنهم حازوا على جائزة نوبل!
في حين أصدرت مجلة (الرافد) مع عدد هذا الشهر، مجموعة قصصية هامة للأديبة الجزائرية ليلى صبار بعنوان (أختي الغريبة) ترجمها أحمد عثمان.. وتقول الكاتبة في تقديمها إنه لم يبق لها من الشرق سوى اسمها وتروي سيرة تحولات الهوية في الجزائر الكولونيالية التي ولدت فيها.. كما أصدرت (الرافد) كتاباً رائعاً آخر بعنوان: (حوارات القرن) يقع في أكثر من 238 صفحة من القطع الصغير والأنيق الذي تميز به (كتاب الرافد)، ويضم حوارات معمقة مع التركي أورهان باموق، واللبناني امين معلوف، والكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز والإيطالي امبرتو أيكو وسواهم من أدباء الغرب والشرق.
في كل الأحوال تعكس قصة هاتين المجلتين والتنافس القائم بينهما، طبيعة العمل الثقافي في كل إمارة على حدة… وتحمل تلك الخطوات المتلاحقة للتطوير قيم منافسة إيجابية، قد تخبو حيناً وتشتعل حيناً آخر!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية