جاء استعمال التلفزيون في الترفيه لملء أوقات الفراغ، وفي العالم العربي يستعمل التلفزيون هروباً، فالفكر ممنوع، والعمل صعب ما لم يكن لك شريك مُتنفذ، وبالتالي تعامل الجمهور مع التلفزيون لسد ثغرة الفراغ، ونشأت المشكلة ما بين تاجر أخذ من الإنتاج الإعلامي حرفة، وهو مُتْخَم برأس المال، وآخر مُتخّم ولكن من الفقر، فالأول يروج للمجتمع الاستهلاكي وثقافته، والثاني لا يجد ما يسد به حاجته ومغبون في وقت فراغه فلجأ إلى الفساد التلفزيوني بديلاً. وإن كان الفساد هو الاستثناء فإن القبول به أصبح يحظى بنوع من الإعجاب، وأصبح للفساد الإعلامي أسس وقواعد منظمة ضربت عرض الحائط بكل قيمة وأخلاق تحت عده مبررات وتحت قاعدة ‘فسادي أهون من فساد الآخرين’، والكل في هذا الإطار يرى أنه ملاك والآخرين شياطين! وأصبح التلفزيون عند البعض بمثابة جزء من العائلة، يفر إليها عند الانتهاء من أعماله، أو عندما يعرض لحياته عارض ما فيشكو حزنه إلى ذلك الصندوق الأسود، وأصبحت مشاهدة التلفزيون جزءا رئيسا من التسلية التي لا مفر منها، ولكن تسلية المتفرّج (الجمهور) وحدها لا تكفي؛ بل يجب أن يتماهى الجمهور مع الصندوق الأسود، وتقوى العلاقة التي لا فكاك منها. وأصبح الجمهور ضمن نطاق سيطرة التلفزيون بعد أن جرب المشاهد الظهور في بعض البرامج ضيفا أو متحدثاً عن خصوصيته المنتهكة، وتماشياً مع سلب الجمهور ظهرت دراسات السوق الإعلامية ونسب المتابعة وأهم البرامج وساعات المشاهدة لضمان بيع وشراء الجمهور في سوق التلفزيون، فأصبح الاهتمام محصورا بنسبة المشاهدين فقط لأنّهم الوحيدون الذين يؤثّرون على الأعمال، وأصبحت وسائل الإعلام تتحكم بالجمهور وكأنه قطيع بفعل عاملي المباغتة والمفاجأة اللذين تستخدمها وسائل الإعلام لضمان المتابعة. وعاش المتابع النهم مع التلفزيون من أول نهاره إلى آخر ليله كجزء أصيل من عائلته بشخصياته وبرامجه، فالعامل المشترك ما بين متابع وآخر لبرامج التلفزيون شخصية البطل أو البرنامج الذي ادمن مشاهدته، فالجميع لهم نفس الحكاية ونفس البطل والقصص الخاصة التي يشتركون فيها، ولا مانع من اسقاط همومه وتوهماته على الجهاز، معتقداً أن الصندوق الأسود مبال بمصيره. والجمهور المتوهم يحلم ويحلم معتقداً أن البرنامج وبطله المفضل يلتفتان إليه، كونه يعكس هموما يتلظى بها وحده، وتعلق بها بعد أن تقمصها بطله المفضل، وللأسف فإن الممثل أو المقدم إنّما يتماهى مع عموم المشاهدين ليقدم لهم قصصا وأحلاما وهمية لا تمت لواقعهم بأي صلة. وجود مثل تلك الفضائيات هو في حقيقة الأمر إرهاق للجمهور بالمشاغل الثانوية بدعوى قيم الحرية، والهدف منها قبول الشباب لإحداث تغير في بنية المجتمع الأساسية، بفعل سطوة التلفزيون وتحولات قيم السوق، ولهذا تحول الهم الخاص عند فئة محدودة من الجمهور إلى هم عام، كمناقشة حقوق المثليين في العالم العربي، أو الممارسات الجنسية قبل الزواج، في تحول جديد لغرس قيم ومفاهيم جديدة عند الناشئة. وللأسف وجدت تلك المناقشات في البرامج قبولاً؛ لأنها نتاج شيوع أخلاق وثقافة الاستهلاك، فعلى الأغلب ستسود وستسهم في ظل استمرار التشويه والتلاعب بقيم المجتمع، ولهذا وجدت أكاذيب هوليوود وأخواتها من شركات الإنتاج في دول ‘العالم الحر’؛ وجدت لنفسها موطئ قدم معتقدة أن ما تقدمه من كذب معلّب هو حقائق واقعية، فانجرفت الفضائيات وراء تلك الادعاءات، وسخرت كل ما هو سلبي وشاذ لتقديم العربي بالصورة السلبية. وللأسف الجمهور المتابع أسهم في الترويج للقيم الهابطة في التلفزيون، بالسماح لها بالبث، ووفر لتلك البرامج الفرصة للسيطرة على العقول وتهميشها وتسطيح فكرنا الذي خسرناه تماماً، وإلا كيف نفسر عرض برامج متخصصة بالرقص الشرقي وبرامج المنوعات المستنسخة عن قنوات إيطالية وفرنسية وإنكليزية وأمريكية. هذه الثقافة الفاسدة وجدت لها راعياً وممولاً من أصحاب الأهواء، فوضعت الخطط والأهداف وتحولت إلى نسق متصل متماشية مع الأفكار السلبية، ساهمت بالارتداد عن القيم المجتمعية الإيجابية، وساهمت بدورها في انحلال العقل وضياع الثقافة وتسطيح الفكر، ولهذا فإن احتلال العقول عن طريق الغرائز هو أخطر أنواع الاحتلال والقهر النفسي. وصمتنا اليوم عن حالة الانحطاط الإعلامي ستقودنا خلال سنوات قادمة إلى المزيد من الانحدار، وعندما نجد المسببات الحقيقية لها، التي نعرفها جميعاً ولكن نتغافل عنها عن عمد، لن نجرأ حتى على النقاش حولها، ومع ذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال إلقاء اللوم على القائمين على الفضائيات لوحدهم، لأن أغلب برامجهم مستوردة، ولكن علينا أن ننظر في المرآه التي أمامنا لنرى انعكاس القيم الأخلاقية التي ندافع عنها، فنحن وللأسف نقدم ما يعجز الغرب عن تقديمه لنا، فقبل أن نزبد ونرغي ضد الأعمال التلفزيونية الأجنبية التي تقدمها بعض الفضائيات العربية مدبلجة أو مترجمة، علينا أن ندقق أكثر في قيمنا التي تغيرت هي الأخرى، وما تعرضه قنواتنا من منوعات غنائية أكثر انفلاتاً وانسلاخاً وتفسخاً من الأعمال الأجنبية بكثير، فتحولت الأغاني المصورة إلى كليبات جنسية، بعد أن لجأت المغنيات إلى التعري لجذب مزيد من الجمهور، وتحولت المرأة إلى سلعة يُتاجر بها. أما البرامج الدرامية الحديثة وهي وإن ادعى كُتابها أنها قصص من الواقع؛ فهي صادمة، متوحشة، تنهش أعراضنا وأخلاقنا بلا رحمة. وهي اليوم المجال الرحب لوسائل الإعلام الساعية إلى تدمير القيم الاجتماعية والدينية وحتى الأفكار السياسية، وفرض شروط جديدة كلياً في مشاهدة الجمهور لوسائل الإعلام. منهج تلك الفضائيات هو حصر الجمهور في إطار ضيق والحجر على عقله ببرامج الغناء والرقص والصراخ وتقليد الآخر والترويج للمخدرات والعنف والجنس، على حساب المصالح الإنسانية. ومع اتساع رقعة الفضائيات الصفراء العربية؛ إلا أنها تدور في نفس الفلك من الأهداف، فيشعر المشاهد المسكين بالعجز ويفقد القدرة على الإنتاج والإبداع ويُعلق عمل عقله الذي يبقى مبهوراً بالنماذج المرسلة إليه من مختلف الجبهات الإعلامية المشرعة على قيمه وأخلاقه، فالمعاناة تتحول إلى تهريج، والفقر يُصوَّر على أنه لطخة زيت أو ثوب ممزق، وقلق السيدات على أزواجهن أو أبنائهن يتحول إلى تصوير مفاتن جسد أنثوي من مشهد جانبي وهي تنتظر عودة زوجها أو ابنها، والجميع من أبناء الشارع العربي يرتاد المقاهي ونوداي الرقص الليلي ويشربون الكحول بدون انقطاع. الصورة العامة تظهر وكأن المشاهد العربي حياته محصورة في جميلات وسهرات وفيلات أنيقة مجهزة بكل ما تحمله روح العصر من بذخ، وفي حقيقة الامر صورة الشاشة ليست إلا ضربا من خيال غير موجود إلا عند الندرة القليلة من أبناء العرب، ولكن السؤال هو هل ان المواطن العربي البائس المرهق حتى أخمص قدميه يحتاج إلى هذا الكم الهائل من ؟ إن الكثير من دول العالم الثالث لا تستطيع تغطية نفقات صناعة الأفلام والبرامج التلفزيونية، فكان الخيار الأمثل استيراد الأعمال وما تحمله من أيديولوجيات، ولهذا نجد أن القيم النفسية والفكرية والثقافية للقوى المسيطرة في وعي المشاهد أسست لهوية ثقافية وحضارية جديدة، لا بل يذهب الكثير من القراءات إلى القول ان هذه القيم الجديدة في أغلبها قيم أمريكية كما نشاهدها في أفلام ومسلسلات المساء والسهرة، وأمسى الجمهور محتلا عقلياً بفعل سطوة الإعلام، فعلى سبيل المثال تتولى أكثر من 200 شركة أمريكية توزيع ما لا يقل عن 200.000 ساعة برامجية سنوياً، تستورد الدول العربية حوالي 20.000 ساعة منها أي 15′ من التوزيع الأمريكي. هذه النوعية من البرامج عززت الاتجاه غير الأخلاقي الذي تقوم به الفضائيات في تنشيط الهيجان الجنسي عبر تغذية العقل الباطن بالمتخيل، فعمدت هذه الفضائيات إلى اختيار الطريقة ونوعية الجمهور والضيف لخدمة أغراضها. لقد أدت كثرة الفضائيات العربية السابحة في الفضاء إلى جعل الإنسان العربي يستغرق في حلمه الخاص، وكلما شاهد الفضائيات أكثر تغير الحلم وفق تردد واستقطاب الفضائية التي يشاهدها، لأنه ببساطة تحول إلى مستهلك جشع لا يدري من أين تتكاثر عليه (السلع) الفضائية، وأصبح تركيزه قائما على شراء الكماليات ليشبع أحاسيسه وشهواته، ومع الكثرة التي من المفترض أن تفرز تنوعاً حقيقايً؛ أصبحت الخريطة البرامجية للقنوات الفضائية وللأسف في أغلبها مكررة، فبرامج الصباح للطبخ إلى فترة ما قبل الظهر، والأخبار وهموم السياسة في أول الليل، وعند السهرة المسلسلات وبرامج Talk show، وآخر الليل أفلام عربية أو غربية ولن نتحدث عن مضامينها فهي المروجة للجنس والمخدرات والانفلات الأخلاقي بدون منازع.