التباس ثقافي مُزمن بين النجم والمعلم

حجم الخط
1

اتسعت قارة المسكوت عنه في ثقافتنا بحيث شملت أعمق الهواجس واكثر الاسئلة الوجودية جذرية في حياتنا، وقد باتت لفرط الهجران والتواطؤ بحاجة الى كولومبوس جديد، لكن لكشف ما يمور في باطنها وما يعج به عالمها السفلي من تداعيات وارجاع، ومن واجبنا كقرّاء اولا ان لا نقف صامتين ومكتوفي الاصابع عندما نرى من يجازفون بالكشف عن المُتجاهل لا المجهول، وعن المُتناسى لا المنسي، وهذا ما قررته قبل عامين عندما التقيت الشاعر والكاتب فوزي كريم على هامش احتفال الجزائر بذكرى استقلالها، وفي الندوة المكرّسة للمفكر د . فرانز فانون، ولم اكن قد قرأت كتاب الصديق الشاعر فوزي الذي لم التقه منذ اواخر السبعينات من القرن الماضي وهو بعنوان ‘ تهافت السّتينيين ‘ أي جيل الستينات من الشعراء، والذين نسبوا تبعا لتحقيب لا اراه دقيقا الى العقد الفريد والتجريبي والسّاخن الذي ودّعه ناشطوه ومثقفوه وفنانوه وحتى ثائروه بثورة مايو عام 1968.
ما استوقفني بشدة في تهافت السّتينيين ليس العنوان فقط والذي يحيل الى عنوان سجالي فلسفي تبادله الغزالي وابن رشد وصاغه كل منهما على طريقته، بل ذلك الفصل بعنوان الشاعر النجم والشاعر المعلم، واعترف انني طالما تساءلت مع نفسي وسألت اصدقاء من الشعراء عن شجن ثقافي لا يخرج عن هذا المدار، بدءا، يفرق فوزي كريم على نحو حاسم وكيفيّ بين شاعر يعقد مقايضة بينه وبين جمهور يلبيه، ويسعى الى استرضائه وبالتالي يحلم بان يكون نجما وبين شاعر يشتبك مع هواجسه وتجاربه ويقول ما لديه وليس ما هو مناسب او جاذب من القول . الشاعر الراحل محمود البريكان هو النموذج رغم ان تداعيات فوزي شاعرا شملت سواه من الشعراء العرب وفي مقدمتهم عبد الصبور، اما المناسبة فهي سعي مجلات رسمية لاخراج البريكان من عزلته وصمته بحيث حل ّ الاحتفاء الطقسي مكان القراءة المعمّقة لمنجز الشاعر وبالتالي تعهّد الاعلام بأدواته الصدئة لفرط التكرار والاستخدام تسطيحه، وبمعنى آخر تنجيمه ان صحّ مثل هذا الاشتقاق، وقرأ فوزي البريكان قراءة غير افقية ترفدها ذاكرة المتلقي ذي المعرفة الواسعة، فأطلّ الشاعر الألماني ريلكة على الفور من نصوص البريكان لكن بشكل وميض وشحنة وعبر التصادي وليس على طريقة ما يسمى التناصّ.
كلاهما كان الموت هاجسه الوجودي وسؤاله غير الموعود بأية اجابة، لأن اسئلة من هذا الطراز تتناسل اسئلة لا آخر لها، ولعلّ ما استوقف فوزي كريم في هذا السياق ليس فقط محاولات تنجيم البريكان وبالتالي تجويفه وتجريف نصوصه لصالح الاحتفاء المهرجاني الشكلي بل تجربة فوزي ذاتها، فهو منذ بواكيره الشعرية واذكر منها ما نشر في مجلة ‘مواقف’ كان مهجوسا بما هو أبعد وأعلى من احلام الشهرة، وخلال عدة عقود برزت اسماء شعراء من جيله بدت مضاءة بسخاء اعلامي واحيانا ايديولوجي، وظل هو بعيدا عن هذه الاضاءة، لسبب واحد هو ان الشاعر ينتج اضاءته من داخله واحيانا يحترق بها بعكس ‘البدعة’ كما يسميه فوزي، وهو شبه الشاعر الذي هو في نهاية المطاف نقيضه، لأنه صناعة خالصة لوسائل اعلام، واساليب دعاية محدودة العمر والصلاحية، بدليل ان الشاعر البدعة او المستولد بأنبوب ايديولوجي يتوارى لمجرد أن يحدث تغيير ما لأن هذا التغيير يُجفّف مصادر الاضاءة .
* * * * * *
قد يكون من المهم التوقف عند كلمة نجم ومن أي مجالات او معاجم غير شعرية تمت استعارتها، فهي متداولة منذ زمن طويل في عالم السينما والغناء، ولم يكن اقحامها الى ملكوت الشعر الا على سبيل الخروج القسري للشعر من جوهره النصّي الى العارض الاعلامي . والنجم بهذا المعنى ينشغل في الاستجابة والتأقلم السّريع مع احداث عامّة، وكأنه يريد ان يكون الناطق باسمها، واللعبة بحد ذاتها يختلط فيها ذكاء شديد من الصيّاد وغباء اشدّ من الطريدة، ولو شئنا الذهاب الى ما هو أبعد وانسجاما مع دعوتنا الى استنطاق قارة المسكوت عنه فإن المقايضة بين الشاعر النجم وجمهوره هي سرخسية بالمعنى البيولوجي، لهذا يقول فوزي ان النجم يفضل على الدوام حاشية من قليلي الذكاء وغير المبدعين كي يسبّحوا بحمده، تماما كما هو الزعيم النجم الذي يدمن الاطراء والمعصومية الوهمية، لهذا كلاهما يعادي الذاكرة ويسرف في الحديث والتبشير بالمسستقبل، وما فعله عشّاق النجم في مثال محمود البريكان هو انهم وضعوه تحت ضوء السياق الحداثي السائد، امتصّوا رحيقه واطفأوا فاعلية المعلم فيه، وبمعنى آخر يعيد عشّاق النجم انتاجه على غرارهم ووفقا لما يرون، وقد يخسر في هذا التهجير القسري جوهره الذي يفوت بصائرهم ولا يصل ادراكهم اليه.
اما المفارقة فهي ان الشاعر والزعيم النجم كما يرى فوزي يضاءان بالحوار من طرف واحد، لأنهما يأنسان لخطابهما وللأذن المصغية فقط، والمشكلة ليست فقط في تحول الشعراء الى نجوم بل في حلم الاخرين بذلك، وهنا تبدأ رحلة التماهي والتقمّص، ما دامت مؤهلات الانتساب الى هذا النادي معروفة، لهذا يشتدّ التنافس ليفوز اخيرا الاكثر ذكاء وليس الأهم شعرية .
* * * * * *
أليست تراجيديا خرساء وتبحث عمن يستنطفها ببلاغة تلك التي انتهى اليها شاعر معلم مثل البريكان، وهي ان يقتل في ظروف غامضة في حرب شبه أهلية ؟
يقول فوزي محيلا القارىء الى احدى قصائد البريكان :
(خطا البريكان خطوته دون رفة جفن كما وعد .. جاءه الرسول واعتلى المهر ورحل!)
ان هذه الاطروحة المضادة للسائد النقدي ولشبه الشعر واشباه الشعراء تدشن مرحلة كشف قد تعيد النّظر في مسلّمات كرّستها الأميّة النقدية وغذّتها اوهام الشهرة لدى افراد نشروا محتوياتهم كلّها على السطح كحبال الغسيل وفي ضوء هذا الاستقراء النقدي قد يعاد الاعتبار لشعراء معلمين انسحبوا من المسرح المضاء مهرجانيا لكنهم لم يسلموا حتى في اقاصي العزلة من الاختطاف سواء كان بسكين أعمى كما حدث للبريكان او بنقد ‘ مؤعلم ‘ نسبة الى الاعلام وداجن في اقفاص الايديولوجيا او المهرجانات !
وقد يتنطع البعض ممن حُرموا من الأمصال الباسلة التي تلقحهم منذ البواكير ضد تغليب الخارج على الداخل والعارض على الجوهر ليقولوا ان مثل هذه المفاضلة بين الشاعر المعلم والشاعر النجم تشي بمرارة من حُرموا من الشهرة المجانية ….
عندئذ نقول لهؤلاء شكرا لكم لأنكم تطوعتم بتقديم الدليل على صدقية هذه الاطروحة، فأدنى مرتبة للضحايا هي تلك التي يحذف منها الوعي، وتزهو فيها الضحية بما ينزف منها دما او دمعا او لعابا بافلوفيا على وجبة طعام منقّعة في الرّنين الكاذب !

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية