لي صديق عزيز جدا، ولنا أخوة طويلة معاً في الحركة الاسلامية، جمعتني به دعوة الاخوان الوسطية، وقيمها الثابتة في السياسة والأخلاق والاجتماع وغيرها، وجمعتني به أيضا الهجرة القسرية في لندن، وقضايا الأمة وفي مقدمتها قضية فلسطين. أرسل لي رسالة أريد أن أناقشها في هذا المقال، لما فيها من مفاهيم تحتاج الى توضيح، وأخطاء في الرؤية تحتاج الى تصويب. الرسالة تقول ‘السلام عليكم. هل بعد 60 سنة من محاربة الظلم، وتحمل التشرد في الفيافي والقفار في سبيل الله ومن أجل الحرية، تكون الخاتمة فردا في فرقة مطبلين ومزمرين لقاتل مجرم وخائن وغادر؟! أليس هذا أمرا عجابا؟’ وصلتني هذه الرسالة على الهاتف يوم 25 يناير/كانون الثاني 2014.
وقفت أمام الرسالة طويلا، وكنا قد تقابلنا قبل ذلك في برنامج في قناة ‘بي بي سي’ العربية، عن مصر عبر الهاتف، ورحبت به كعادتي ولم يرحب بي، كما كنا من قبل. يرى صديقنا العزيز أن ما حدث في مصر بعد 30 يونيو/حزيران هو انقلاب عسكري وله رأيه، ولكن لا يرى أو لم أسمع منه على العلن رأيا واحدا علناً ينتقد فيه أداء الاخوان السيئ المخالف لثوابتنا على اي مستوى، أو انحراف الاخوان عن خط الدعوة الوسطى الأصيل، ربما ينصحهم الرجل في السر حتى لا ننشر ‘الغسيل’ على الملأ، وله رأيه في ذلك، ولكن يبدو أن صديقنا العزيز، لم يقرأ ما كتبته قبل أن يصل الاخوان للسلطة، أو ما كتبته وهم في السلطة، أو ما كتبته بعد الكوارث الفظيعة التي تسببت فيها قيادة الاخوان في مصر، ووقع فيها من وقع، بسبب الاتباع الأعمى والانحراف عن بعض الثوابت وعدم النصيحة او ضعفها، رغم أن الدين النصيحة، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم. وصديقنا متخصص في الدراسات الاسلامية، وله باع طويل في الدعوة، وارتقاء المنابر، وله عقل راجح وصائب، إلا في ما تتحمله هذه الرسالة من معان أخالفه فيها.
أنا سعيد بأنه بدأ رسالته بالســــلام عليكم، على عكس العديد ممن كنت بالنسبة لهم أخا كبيرا، وأستاذا مخلصا، ومعلما فاهما للدعوة، فإذا بهم يرسلون رسائل لا يمكــــن أن نكتب أياً من كلماتها مرة أخرى، ومنها بعض ما يمكن أن يقال هنــــا، كما قيل ويقال على الفيسبوك من اتهام بالخـــيانة والعمــــالة والنذالة وارتماء في أحضان إيران، بل والتشـــيع. صاحـــبنا، وهذه شجاعة منه، وتقدير أعتز به عن تاريخ سابق، رأى فيه بعض الحسنات، من مجابهة للظلم، وتحمل التشرد في الفيافي القفار ‘لعله يقصد أفغانستان وباكستان وفي سبيل الله، ومن اجل الحرية’.
شهادة والله، أعتز بها كثيراً على عكس من أنكروا التاريخ الطويل، ولم يروا فيه حتى إيجابية واحدة، بل أنكروا ارتباطى بالاخوان تنظيميا وفكرا، وتلمذة وتعليما. شطبوا حتى ما كان من حسنات لي في التاريخ الذي تغنوا به من قبل، ولكن الله تعالى يعرفها، وقد قال سبحانه وتعالى ما يجب أن يعلمنا في ذلك الموقف ‘فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره’. والحمد لله تعالى أن سبحانه هو ‘مالك يوم الدين’. والحمد لله تعالى أن ليس له شريك في الملك. وأنا أشكر صديقي العزيز لهذه الشهادة. صديقي يرى في رسالته أن خاتمتي ‘فرد في فرقة مطبلين ومزمرين لقاتل ومجرم وخائن وغادر’.
وهو يعرف يقينا مدى استقلاليتي في الرأي، وفي التحليل السياسي في قضايا كثيرة، ويعرف بعض مواقفي أيام أن كنت عضوا في مكتب الارشاد ومجلس الشورى، ومتحدثا رسميا باسم الاخوان في الغرب، وعضوا في الفريق الاستشاري الاخواني الفلسطيني وقضية فلسطين.
فأنا التزامي الاسلامي الوسطي، وعقلي، الذي تعلمت كيف أستعمله، كل ذلك يحول بينى وبين أن أكون فردا في فرقة مطبلين ومزمرين من اي نوع إسلامي أو غير إسلامي، ويا ليته كان قد أَوضحَ أكثر، ماذا يقصد بذلك؟ هل يقصد قبول عضويتي في لجنة الخمسين التي أخرجت دستورا شهد به كل من له عقل سليم، وكل محب للحرية ومحاربة الظلم، وكل من يقف الى جانب الكرامة الانسانية والعدالة، ومطالب الثوار. للأسف لم يُفعَّل الدستور بعد، ونحن وراء تفعيله، حتى لا يظل حبرا على ورق، ولا تنتهك الفلسفة ولا القيم التي وراء هذا الدستور، ووراء بنائه واخراجه بالشكل الذي أخرج به.
وأقول لصديقي العزيز، أنا لم أشهد تطبيلاً ولا تزميراً، ولم أشترك في اي منهما. أما حديثه عن القاتل والمجرم والخائن والغادر فلا أرى من يقصد. ربما يقصد بذلك الرجل الذي شعر قطاع عريض من الشعب بزعامته بعد وقت طويل من فراغ هذه المكانة، بعد موت الزعيم عبدالناصر وما قدمه ونجح فيه وحاول أن يقدمه ولم ينجح فيه لقضيه فلسطين التي تهم صديقنا العزيز. استطاع ناصر رغم العلاقة السيئة مع الاخوان وما شابها من مظالم، أن يتحدى العالم الغربي في قضية فلسطين وأن يقيم مع معظم العالم العربي اتفاقيه الدفاع العربي المشترك. نسى صديقنا العزيز خطاب المعزول مرسي إلى بيريز، وما أدراك بالصديق العزيز بيريز، نسي خطاب الفضيحة أو وجد له عذراً، لم يجده لي. نسى صديقنا العزيز أن الاخوان عزلوا أنفسهم عن الثورة وعن جموع الشعب الذي حملهم إلى البرلمان والى الرئاسة.
إذا كان صديقنا العزيز يرى مثل بقية معظم الاخوان أن ما حدث في يوليو/تموز 2013 كان انقلابا، فإنهم لم يروا 30 يونيو، وأنكروه، كما قال عنه الاخوان من قبل ‘زوبعة في فنجان’. وإذا كان صديقنا العزيز يرى أن تحالف دعم الشرعية بعاصم عبدالماجد ومن عمل على شاكلته هو الطريق، فليراجع نفسه في ضوء القرآن والسنة ومنهج السلف الصالح ومنهج الاخوان المسلمين، كما وضعه الامام حسن البنا، رحمه الله تعالى، الذي أساء إليه الاخوان الذين يؤمنون بالسرية والعنف واللجوء لكنف الغرب خصوصاً الأمريكان، وأذرعهما في الأمة. وأيضا، بالانحراف والاعتماد على أهل الثقة فقط في إدارة البلاد، فانحرفوا مرة أخرى عن المنهج وأصبحوا كما قال الأمام البنا ‘ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين’ طبعا من دون تكفير. وأود أن يدرك صديقنا العزيز أن مصر تواجه اليوم موجة إرهاب وعنف يريدها أن تكون مثل سوريا، ولن يكون ذلك بإذن الله تعالى، وإذا لم يستطع أهل غزة أن يصبروا على مكفراتي واحد – كما قالوا – هو الامام الشيخ عبداللطيف الذي قتل في مسجده في غزة نتيجه العنف أو التكفير، فكيف يريدون أن تصبر مصر على من يضمر لها شراً وتقسيماً وتفتيتا، وتمهيدا وتمكينا لخريطة الشرق الأوسط الجديد كما يريدها الأمريكان والصهاينة؟
القاتل والمجرم والخائن والغادر هو العنف والارهاب ومن يقف وراءه، فرداً كان أو مجموعة، إسلاميا أو غير إسلامي. وعلى أيه حال، فإنني على أرض صلبة من فهمي للاوضاع في مصر، ومستقبل مصر العظيم بإذن الله تعالى، وهو ما لم يفهمه الاخوان، فحولوا بأدائهم السيئ قطاعا عريضا من الشعب المصرى الثائر الطامح، ليقف ضدهم بالملايين في 30 يونيو ولأول مرة في تاريخ الدعوة، بعد ان كانوا عوناً للاخوان في الانتخابات، ألا يرى صديقنا ذلك؟ يا ليتهم فعلوا مثلما فعل عقلاء تونس؟ ولكن فات الأوان ونحن لا نبكي على اللبن المسكوب أبدا.
أقول للصديق العزيز، أنا لم أترك المشروع الاسلامي، ولكن هدمه الاخوان المسلمون بأخطائهم، وكرهوه لبعضهم، ليس في مصر وحدها ولكن في العالم العربي والاسلامي كله، خوفوا الناس من الحكم الاسلامي الذي تشوقنا إليه. ونصيحتي إن كانت لي نصيحه باقية، هي أن يراجع الاخوان كلهم داخل وخارج مصر مواقفهم، وهم يضعون أمام أعينهم وعقولهم : ‘وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى’، ربما آنئذ مع الانصاف والموضوعية، يتغير حديث ووصف صديقنا العزيز، فيرى من رآه قاتلا ومجرماً وخائنا وغادراً، بطلا وزعيما وقائدا، أنقذ مصر من التفتت والتقسيم أو التنازل عن بعض أجزائها، لتتوسع بذلك إسرائيل المحتلة لأرضنا، وجار حاليا إنقاذ مصر من بقية الارهاب والهيمنة.
أما بالنسبة لي فسأظــــل بمشيئه الله تعالى وفيا لدعوة الاسلام الوسطى كما جعلها الله تعــــالى كبقية المسلمين والعاملين للاسلام الصحيح الوسطي ‘وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ’، وسأظل وفيا لقضية فلسطين والمقاومة الفلسطينية إسلامية وغيـــر إسلامية، والمقاومة اللبنانية، وكل مقاومة للاحتلال وللظلم والاستبداد والتـــخلف المشين إسلامية وغير إسلامية، وسأظل في خدمة دعوة التقـــريب بين المذاهب، وكل ما يرضي الله تعالى، كم دعوت وســـط الركام الهائل، والهجوم الذي أرى بعضه غير مـــبرر على المشروع الاسلامي، وعلى المقاومة للصهينة والأمركة، وكذلك بعض التجاوزات، التي يقع فيها بعض أجهزة الأمن وهي تمكَّن لمصر الاستقرار ومواجهة الارهاب.
أخيرا أقـــــول لصديقي العزيز ومن يريد من القراء، إقرأوا مقال السيناريوهات الأربعة المتوقــــعة في مصــــر الذي شرحته في التلفاز ونشرته في ‘القـــــدس العربي’ و’صــــوت الأمة’ في 15/ 3 /2013، وفي شهر يونيو 2013، مع بعض الايضــــاحات حتى يفهم من لم يفهم في المرة الأولى، وإن كـــنت أشك كثيرا في ذلك.
‘ كاتب مصريعتز أعت