سبق لي أن ساجلت بأنّ شعر بدر شاكر السياب لعب دوراً ملموساً في تشجيع وتحصين الولادات المبكّرة والنماذج الأولى من قصيدة النثر في أواخر الخمسينيات ومطالع الستينيات(1)، وذلك على الرغم من حقائق ثلاث:
ـ أوّلاً، أن السياب لم يجرّب قصيدة النثر، واقتصرت تجربته الشعرية على العمود الخليلي ثم التفعيلة أو الشعر الحرّ حسب المصطلح الذي كان شائعاً آنذاك. ليس هذا فقط، بل يجب القول إن خياراته في التنويع التفعيلي تقوم على هندسة إيقاعية عالية وصلدة ومحْكَمة بما يكفي لدفع أي لبس حول موقفه من تجارب الإبدال الوزني لبحور محددة مثل المديد والمتدارك، هذه التجارب التي حاولت إشاعة مناخ من الارتباك الوزني، وخلخلة التربية الإيقاعية السائدة، فشكّلت بهذا القدر أو ذاك عتبة على طريق الولادة غير العسيرة لقصيدة النثر.
ـ ثانياً، أنّ موقف السياب من قصيدة النثر لم يكن غامضاً، وكان مناوئاً لها صراحة أو مواربة، كما نستدلّ من رسائله. ولدينا نصّ حلي واحد على الأقلّ، جاء ضمن رسالة إلى أدونيس نشرتها مجلة ‘شعر’، يعلّق فيها السياب على قصيدة أدونيس ‘مرثية القرن الأول’، ويقول:
‘أمس كنت عند جبرا. حدّثني عنكم كثيراً، وكانت شاعريتك الضخمة الحية وقصيدتك الأخيرة مدار الكثير من الحديث. كانت قصيدتك رائعة بما احتوته من صور، لا أكثر. ولكن هل غاية الشاعر أن يُري قرّاءه أنه قادر على الإتيان بمئات الصور؟ أين هذه القصيدة من ‘البعث والرماد’ تلك القصيدة العظيمة التي ترى فيها الفكرة وهي تنمو وتتطور، والتي لا تستطيع أن تحذف منها مقطعاً دون أن تفقد القصيدة معناها. أما قصيدتك الأخيرة، فلو لم تُبقِ منها سوى مقطع واحد، لما أحسستَ بنقص فيها. ليس هناك من نموّ للمعنى وتطوّر له. مازلت، أيها الصديق، متأثراً بالشعر الفرنسي الحديث أكثر من تأثرك بالشعر الإنكليزي الحديث، هذا الشعر العظيم، شعر إليوت وستويل ودلن توماس وأودن وسواهم’.(2)
ـ ثالثاً، أن محاولة استكشاف دور النصّ السيابي في الولادات الأولى لقصيدة النثر لا تنطوي على حكم قيمة حول هذا الخيار في الكتابة الشعرية، مثلما لا تشكّل أي مسعى لشَرعنة ذلك الخيار ومنحه ‘شهادة منشأ’ جديدة، تأتي هذه المرّة من شاعر معلّم وعبقرية فذّة صنعت القَسَمات الأبرز للحداثة الشعرية العربية. لقد حسمت الحياة هذه الحكاية في المدى الراهن على الأقل، وينبغي ألا يدور أي نقاش جدّي حول شرعية أو لا شرعية النثر كوسيط في التعبير الشعري، بل حول شعرياته كما هي على الأرض، في النصوص وفي وضح النهار، غثّة كانت أم سمينة.
وفي ضوء العوامل السوسيو ـ أدبية، التي تكتنف أية ثورة أدبية أو أية ولادات أسلوبية وتعبيرية كبرى، يكون السيّاب أحد الآباء الكبار الذين مهّدوا الأرض الوعرة لحركة تجديد معمّقة وراديكالية في السائد الشعري، وشقّوا الطريق العام الأصعب الذي ستتفرع عنه مسالك فرعية عديدة. وفي طليعة هذه العوامل تأتي مسألة الانعطاف الكبير الذي طرأ على مضامين وموضوعات نصوص روّاد الشعر الحرّ، بسبب من هذه الانعطافة السياسية ـ الاجتماعية أو تلك، أوالخيارات الجمالية ـ الفكرية النابعة من هذا الموقف الفلسفي الحداثي أو ذاك. وتكفي الإشارة إلى أن تعاقب الاستقلالات، ونكبة 1948، وإعلان قيام إسرائيل، وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي، وصعود البرامج السياسية للبرجوازية الصغيرة… كانت كفيلة بإحداث ارتجاج عميق في الوجدان العربي، وجَبّت الكثير الذي كان قبلئذ راسخاً وعريقاً. روّاد قصيدة النثر لم يكونوا خارج هذا المخاض، ولم يكن في وسعهم أن يكونوا خارجه حتى حين مالوا إلى التعبير عنه على طريقتهم. لنقرأ ما يقوله أنسي الحاج في مقدّمته لمجموعة ‘لن’:
‘بين القارىء الرجعي والشاعر الرجعي حلف مصيري. هناك إنسان عربي غالب يرفض النهضة والتحرّر النفسي والفكري من الاهتراء والعفن، وإنسان عربي أقليّة يرفض الرجعية والخمول والتعصب الديني والعنصري، ويجد نفسه بين محيطيه غريباً، مقاتلاً، ضحيّة الإرهاب وسيطرة الجهل وغوغائية النخبة والرعاع على السواء. لدى هذا التشبث بالتراث الرسمي ووسط نار الرجعة المندلعة، الصارخة، الضاربة في البلاد العربية والمدارس العربية والكتّاب العرب، أمام أمواج السمّ التي تغرق كل محاولة خروج، وتكسر كل محاولة لكسر هذه الأطواق العريقة الجذور في السخف، وأمام بعث روح التعصّب والانغلاق بعثاً منظّماً شاملاً، هل يمكن لمحاولة أدبية طريّة أن تتنفس؟ إنني أجيب: كلاّ. إن أمام هذه المحاولة إمكانين، فإما الاختناق وإما الجنون’.(2)
وباستثناء النبرة الرسولية المشبوبة في لغة أنسي، بمقدورنا العثور على مثل هذا التشخيص الاحتجاجي لدى عشرات الأدباء العرب، والشعراء بصفة خاصة، في الفترة الزمنية إياها. وكان السياب، في بيروت تحديداً وخلال إحدى ندوات ‘خميس مجلة شعر’، قد وصف علاقة الشعر بمتغيّرات الشارع العربي على النحو التالي:
‘لو أردتُ أن أتمثل الشاعر الحديث، لما وجدت أقرب إلى صورته من الصورة التي انطبعت في ذهني للقديس يوحنا، وقد افترست عينيه رؤياه، وهو يبصر الخطايا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط هائل (…) وقد حاول الشاعر، مرّة تلو المرّة، أن يتملّص من الواجب الضخم الملقى على كتفيه: تفسير العالم وتغييره. ولكنها محاولات لم يُكتب لها ولن يُكتب لها أن تنجح وأن تستمر، فتهاوت مدارس وحركات شعرية بأكملها، غير مخلّفة سوى شاعر هنا وشاعر هناك، لعلّ لهما من القيمة التاريخية أكثر مما لهما من القيمة الفنية (…) إننا نعيش في عالم قاتم كأنه الكابوس المرعب. وإذا كان الشعر انعكاساً من الحياة، فلا بدّ من أن يكون قاتماً مرعباً، لأنه يكشف للروح أذرع الأخطبوط الهائل من الخطايا السبع، الذي يطبق عليها ويوشك أن يخنقها. ولكن ما دامت الحياة مستمرة، فإن الأمل في الخلاص باق مع الحياة. انه الأمل في أن تستيقظ الروح. وهذا ما يحاوله الشعر الحديث’.(3)
تلك كانت حقبة الهزّات الكبرى والتجديدات الأكثر عمقاً، حين ‘يتطلّب العصر صورته’ كما عبّر إزرا باوند، وحين يقع على عاتق الشعر جَسْر الهوّة بين اللغة اليومية وشعرياتها، وبين الشعر وانقلابات النفس… الإنسانية حتى ‘المأساة المنثورة’ بالمعنى الهيغلي. لقد توجّب على القديس يوحنّا أن يبصر الخطايا السبع في اللغة الطبيعية لعالم الكابوس وأفراد ومفردات عالم الكابوس، كانت هذه مختلفة تماماً عن أية ‘لغة طبيعية’ في أية بلاغة غير طبيعية. وتلك كانت أخطر عتبات ما يمكن اعتباره ‘تسوية تاريخية’ بين الوزن والنثر في أنساق التعبير الشعري: تسوية بمعنى التفاعل التبادلي بين الوسيطين، وتاريخية بمعنى وجودها في سياق ثورة شعرية جذرية يشهدها مجتمع (وذائقة جمالية) في حال عالية من الترقّب والتعطّش للجديد.
في هذه الفترة كتب السياب رائعته ‘مدينة بلا مطر’، التي يتخيّل في مقطعها ما قبل الأخير نشيد أطفال بابل وهم يحملون القرابين إلى عشتار:
قبورُ إخوتِنا تنادينا
وتبحثُ عنكِ أيدينا
لأن الخوفَ ملءُ قلوبنا، ورياحَ آذار
تهزّ مهودَنا فنخافُ. والأصواتُ تدعونا.
جياعٌ نحنُ مرتجفونَ في الظُلْمْة
ونبحثُ عن يدٍ في الليل تطعمُنا، تغطّينا،
تشدّ عيونَنا المتلفتاتِ بزندها العاري.
ونبحث عنكِ في الظلماءِ، عن ثديَين، عن حَلْمَهْ
فيامن صدرُها الأفْقُ الكبيرُ وثديُها الغيمه
سمعتِ نشيجَنا ورأيت كيف نموتُ..فاسقينا!
نموتُ، وأنتِ ـ واأسفاهُ ـ قاسيةٌ بلا رحمهْ.
وفي الفترة ذاتها كتب أنسي الحاج قصيدته ‘فَصْل في الجِلد’، التي يقول في مطلعها:
فليذهبْ ملكوتُ القشعريرة. أبا الهول! أبا الهول! خذ صمتيَ ، امنحني. يسوع
ديكك لا يصيح
ديكك لا يصيح
يسوع!
ديكك لا يصيح.
ريّش بسحرك تنديمه، أعتق لسانه، نجّه
يسوع أنقذْ نفسك إنّي
أرضع
ريق التماسيح.
كما كتب محمد الماغوط قصيدته المعروفة ‘أغنية لباب توما’، التي يقول فيها:
ليتني حصاة ملوّنة على الرصيف
أو أغنية طويلة في الزقاق
هناك في تجويف من الوحل الأملس (…)
ليتني وردة جورية في حديقة ما
يقطفني شاعر كئيب في أواخر النهار
أو حانة من الخشب الأحمر
يرتادها المطر والغرباء (…)
أشتهي أن أقبّل طفلاً صغيراً في باب توما
ومن شفتيه الورديتين،
تنبعث رائحة الثدي الذي أرضعه،
فأنا ما زلت وحيداً وقاسياً
أنا غريب يا أمّي.
والحال أنّ مضامين هذه القصائد تخرج من مشكاة واحدة، وجودية واغترابية، أو تموزية بمصطلحات تلك الأحقاب؛ ولكنها تتباين في:
1ـ الوسيط (وهو هنا التفعيلة أو النثر)، إذْ في حين يعتمد السيّاب على جوازات بحر الوافر (مفاعيلن) وهندسة عدد التفعيلات وفق الشحنة الإنشادية في السطر الشعري؛ فإن الحاج يعتمد على التكرار الإيقاعي لعبارة ‘ديكك لا يصيح’، وتنويع الخطاب التكراري بين ‘أبا الهول! أبا الهول!/يسوع! يسوع!’، فضلاً عن التحريك المقصود لأواخر الكلمات في السطر الأول (الطويل على غير عادة نصوص الحاج غير المكتوبة بطريقة التدوير)؛ أما الماغوط فيلجأ إلى التنغيم بين الحدّة والثقل (العلاقة النغمية بين الحروف الأخيرة في نهايات السطور والحروف الأولى في بداياتها) وبين نَفَس التموّج الذي يصنع الصوت وحال التمّوج الذي يقيم اتصال الأجزاء، لكي نقتبس مصطلحات الشيخ الرئيس ابن سينا.
2 ـ طرائق التوجّه إلى العنصر الخارجي، ففي حين يذهب بها السيّاب إلى التضرّع والتعبّد والإنشاد الغنائي الرفيع الذي ينهض على ضمير الجماعة ويكاد يطمس ملامح الأنا لصالح الأنا الجَمْعي؛ يعتمد الحاج على المزج بين التهكّم الخفي، أو المعلن بحيادية إبهامية مقصودة، والتوسّل بالسخرية السوداء؛ والماغوط يتضرّع بدوره، لكنه يسبغ على حال التوجّه الخارجي سياقا داخلياً ذاتياً من التوجّع الرومانتيكي والشكوى.
3 ـ طبيعة العنصر الخارجي كموضوع نداء، فهو عند السيّاب عشتار الكونية، الإلهة ـ الأمّ الرامزة إلى الخصب والنماء، والملجأ الجسدي والروحي، ومكمن الأمل واليأس، الرأفة والقسوة؛ وهو عند الحاج المسيح/أبو الهول (اسم العلم واسم الدلالة في آن معاً)، واهب النجاة والمحتاج إليها، الصامت الحاجب للفجر، المهدد بالكائن المتحرر من القشعريرة؛ وهو عند الماغوط الأمّ الطبيعية، المرضعة، والثدي، والاستعارة الممتدة من باب توما إلى الطفل، مروراً بقسوة الوحدة والغربة. والرضاعة هنا قاسم مشترك في التجسيد الفيزيائي لموضوع التوجّه: من الثدي والحلمة عند السيّاب والماغوط، ومن ريق التماسيح عند الحاج.
4 ـ التنويع في أصوات التوجّه وإنشاء ضمير السرد في النص، بين المخاطب المفرد/المتكلم بالجمع عند السيّاب، والمخاطب/المتكلم بالمفرد عند الحاج والماغوط. وهذا التنويع ينطوي على مغزى فلسفي وسياسي خاص، حين نسترجع سجالات الخمسينيات حول الوجودية والالتزام والذات.
وإذْ يضع المؤرخ الأدبي في الحسبان مقادير الاختلاف في قوّة علاقة هذه النصوص بالذائقة الأدبية السائدة آنذاك، إذ من الواضح أن نص السّياب وفق هذا المعيار تحديداً كان يتفوّق على نصّيْ الحاج والماغوط، فإنه لا يستطيع إلاّ ملاحظة النقاط التالية:
1ـ أنّ هذه النصوص تمثّل قطعاً جذرياً صريحاً مع لغة وتقنيات ومضامين النماذج الكلاسيكية والرومانتيكية والخطابية.
2ـ أنها تحقّق، بطرق مختلفة، درجة متقدّمة من الخطاب الأسطوري والتأمّلي والوجودي المختلف تماماً عن السائد التقليدي والقومي والطبقي.
3 ـ أن نصّ السياب يضفي حصانة فنيّة وفكرية منطقية على نصّيْ الحاج والماغوط، لأنه يتعايش معهما في الزمان وفي المضمون والهمّ والموقف الوجودي، ويؤمّن لنفسه ولهما هذا القدر أو ذاك من التغطية؛ الأمر الذي لا ينفي التوتّر المباشر وغير المباشر بين الوسيطيَن المستخدمين، ولا يبلغ بهما حدّ إعلان الإلغاء والإلغاء المضاد.
وإذا كانت هذه العوامل غير كفيلة بشقّ الطريق أمام قصيدة النثر، فإن من الصعب أن نتخيّل نصوص رامبو وبودلير ومالارميه وسان جون بيرس وهي تقوم وحدها بذلك الاستقلاب السحري وتلك الولادة العجيبة خارج الرحم، أي رحم. ومن العبث الحديث عن ثورة شعرية في الشكل والمحتوى استناداً إلى حفنة بيانات شعرية وتنظيرية اختزلت أو أساءت قراءة كتاب واحد وحيد (عمل سوزان برنار)، هو في الأصل اختزال لظاهرة بالغة التعقيد شملت قامات شعرية فذة من أمثال بودلير ورامبو. وهكذا أجدني أستنتج أنّ علاقة التأثر بين ‘الشعر الحرّ’ كما كتبه السيّاب و’قصيدة النثر’ كما كتبها الحاج والماغوط، كانت في الآن ذاته بمثابة ‘تسوية تاريخية’ بين التفعيلة والنثر في الكتابة الشعرية، الأمر الذي يبرهن على مآل ائتلاف داخل نسقَيْ الاختلاف.
‘ ناقد سوري يقيم في باريس
إشارات:
(1) ضمن دراسة مطوّلة، بعنوان ‘حداثات الشعر العربي المعاصر: أنساق اختلاف أم مآلات ائتلاف؟’.
(2) ‘شعر’، العدد 15، 1960، ص.146.
(3) أنسي الحاج، ‘لن’، دار الجديد، بيروت 1994، (الطبعة الثالثة).
(4) مجلة ‘شعر’، العدد 3،1957. ص.ص. 111-112.