لماذا اغتاظت فرنسا من الاهتمام الأنكلوساكسوني في تونس؟

حجم الخط
1

لم تتمكن الخارجية الفرنسية من كتم غيظها من نجاح التجربة التونسية وخاصة من الاهتمام المتزايد الذي أبدته بعض أهم الدول الأنكلوساكسونية بتونس في الآونة الأخيرة. حيث تزامن التحذير المتسرع الذي أصدرته الخارجية الفرنسية لرعاياها في تونس، مع زيارة وزير الخارجية الأمريكي لتونس والتي وجّه فيها دعوة صريحة لفتح حوار استراتيجي مع بلادنا. كما يأتي هذا التحذير أياما قليلة بعد زيارة كاتب الدولة للخارجية البريطانية والذي أبدى فيه إعجابه بمدى تحضر التونسيين وقدرتهم على حل مشاكلهم بالحوار والتوافق كما جدد استعداد بلاده دعم تونس في أي تحول استراتيجي مستقبلي.
هذا الدعم الأمريكي والبريطاني سبقه دعم واضح وقوي من الجار اللدود لفرنسا وهو ألمانيا والذي لعب دورا محوريا في دعم الحوار الوطني واخراج البلاد من عنق الزجاجة.
من الواضح أن فرنسا تعيش سن اليأس في تونس، فبعد أن استغلت السنوات الأخيرة لحكم بن علي في تشديد قبضتها الاقتصادية والثقافية على الشعب التونسي وذلك بمحاولة السيطرة التامة على مسالك التوزيع من خلال سلسلة الفضاءات التجارية الكبرى والسريعة وأخذ جزء من قطاع الاتصالات في صفقة من الواضح أنها كانت سياسية بامتياز، والحصول على صفقات مشاريع بنية تحتية بالإضافة لمزيد السيطرة على سوق السيارات وغيرها من المشاريع. بعد كل هذه النجاحات الفرنسية في عهد الاستبداد جاءت الثورة بما لا تشتهيه مراكب فرنسا، حيث تعالت صيحات الفزع من قبل أحرار تونس منتقدين التغلغل الفرنسي في اقتصادنا وسياستنا وإدارتنا وأمننا وتعليمنا وإعلامنا وقضائنا، وصار كل ما هو فرنسي موضع شبهة وتخوف.
واليوم نرى أن التلاميذ والطلبة في تونس ينتقدون وبشدة مواصلة تونس الاعتماد على التعليم باللغة الفرنسية بصفة مكثفة في التعليم الثانوي والعالي، وهو ما يراه شباب تونس سيرا في طريق ‘انتحاري’ لمستقبل البلاد ومستقبل هؤلاء التلاميذ والطلبة. فاللغة الفرنسية صارت لغة محلية تستعمل على صعيد ضيق جدا، ولا يعترف بها أسواق المال والأعمال ولا ميادين العلم والمعرفة، وبقيت لغة صالونات ثقافية فحسب.
واذا كانت تونس تصدر حوالي 6000 متعاون فني إلى الخارج سنويا فإنه من المتوقع أن يقفز هذا العدد إلى ما بين 50 ألفا و100 ألف متعاون سنويا في حال حدّثت تونس نظامها التعليمي المتهالك وأقرت توجها استراتيجيا جديدا يعتمد أساسا على اللغة الإنكليزية واللغة العربية، حيث أن سوق الخليج العربي لوحده قادر على استيعاب ما لا يقل عن 40 ألف متعاون تونسي سنويا. هذا ناهيك عن أسواق العمل الناشئة الأخرى وفرص العمل في المنظمات والمؤسسات الدولية والشركات العالمية.
لقد أثبت النموذج الفرنسي فشلا ذريعا داخل فرنسا نفسها، ففرنسا التي بشرت بعهد الأنوار وحقوق الانسان كانت أسوأ مستعمر يسجله التاريخ الحديث من حيث سفك الدماء واستئصال الثقافات المحلية وفرض الهيمنة والاستبداد والأجندات بالقوة. كما أن الانحلال الأخلاقي الذي شهده المجتمع الفرنسي منذ بداية الستينات وإلى اليوم نتيجة اعتماد نموذج علماني معاد تماما للأديان والأخلاق، نتج عنه تفكك اجتماعي بدأت تحس نتائجه في ثمانينات القرن الماضي، وهذا التفكك الاجتماعي والأسري أدى بدوره إلى تراجع اقتصادي وعلمي كبير منذ بداية هذا القرن.
إن انتشار وعي التونسيين بأن لا مستقبل لهم مع النموذج الفرنسي والذي لم ينجح في أي من المستعمرات الفرنسية (تشاد، مالي، النيجر، الجزائر…) حيث أنها الأسوأ في الفساد والاستبداد والفقر والبطالة وسوء التصرف والإدارة، يجعل من فرنسا في موقف الهزيمة المدوية في تونس. وهو ما يفسر ولو جزئيا ردّات فعلها المتشنجة كلما خطت تونس خطوة نحو الانعتاق والخروج من تحت عباءتها وتحقيق مصالحها الاستراتيجية بعيدا عن الهيمنة الفرنسية.

كريم السليتي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية