يستحضر المخرج والممثل اللبناني ناجي صوراتي العمل الشهير (الأم كوراج) للمسرحي الألماني بروتولت بريخت إلى خشبة مسرح المدينة في بيروت، مُشاركاً المسرحية نضال الأشقر بعد غيابها الطويل عن التمثيل. النص الذي عُرض لأكثر من 12 عاماً في النصف الأول من القرن الماضي يُحاكي الحروب التي شهدتها أوروبا بسيرة الأم الشجاعة التي تكافح من أجل تأمين لقمة العيش لأبنائها وإبعاد شبح الحرب عنهم. صوراتي وسّع دلالة الحرب ومآسيها لتغطي الواقع العربي المعاصر حيث أنهكت الحروب المتوالية مجتمعاته ومزقتها.
افتتح صوراتي المسرحية بتركيب سينوغرافيا المسرح المؤلفة من سلالم خشبية توزعت على شكل سكك قطار وما يُشبه النافذة المُعلقة في وسط المسرح، تركيب هندسي بسيط مُترافق مع إضاءة تركز على الأداء وتترك السواد يعم معظم الخلفية. بدا المسرح مُدمر الأبعاد معدوما مكانياً ومفتوح الدلالة على البيت ومحطة القطار وساحة الحرب، توزعت على يمينه ويساره آلات موسيقية وتدلى من أعلاه رؤوس دمى ينتحل شخصياتها الممثل هادي دعيبس ببراعة.
الأم الشجاعة ستكون نضال الأشقر ‘الواوية’ كناية الدهاء، تاجرة البضائع على عربتها الصغيرة في زمن الحرب، أمٌ لثلاثة أبناء، أبكمان وكفيف حملوا أسماء دمشق وبغداد وقدس، مُدنٌ أحبها آباء الأبناء المختلفون وتيمنت بهم الواوية بعد أن هجرتهم واحداً تلو الآخر لتبقى مع ابنائها تجرّ عربتها منهكةً تتاجر بكل ما يمكن أن يُباع ويشترى في زمن الحرب وتصدّ الغرباء والمتطفلين. كما في النسخة البريختية تفتتح الواوية العرض بروي قصتها علاقتها المتناقضة بالحرب، محاولةً فلسفة فكرة الحرب من وجهة نظر التاجر الذي يُصاب بالكساد في زمن السلم ويتمنى عودة الحرب. لكن الحرب أيضاً لا تضمن للأم الشجاعة أن تبقى بعيدةً عن بيتها وأولادها فلا تلبث أن تقطفهم واحداً تلو الآخر من بين أيديها لتبقى وحيدةً مهزومة في نهاية العرض.
معالجة الموضوع البريختي نصياً بإسقاطه عربياً يحتاج إلى حرفيتين عاليتين في الإخراج والإعداد ليس فقط لفرط شيوع الندب على الواقع العربي منذ منتصف القرن الماضي بل لأن تناول الحرب بشكلها المجرد في هذا الوقت يحيل المُشاهد إلى الكليات والعموميات ويساوي محيطه المتحرك والمتغير بالتماثل والواحدية.
إخراجياً نجح صوراتي بإدارة مجدِدة لمكونات مسرحه، لا يكاد المشاهد يتتبع مشهداً في زاوية المسرح حتى يستلبه الضوء والحركة من جديد إلى زاوية أخرى، حيث يعبث الممثلون باستمرار بالسينوغرافيا ويوزعون الأداء على مساحة واسعة بتنسيق متقن. فالنافذة المعلقة تستبطن بيتاً وتنوعاً حيوياً خلفها، كذلك السلم الطويل المعلق في خلفية المسرح يوظًف لأن يكون أعلى نقطة ترتفع إليها أبصار المشهدين حيث يموت دمشق وهو يحاول تحذير أهل القرية من العسكر. التنويع الإخراجي هو سمة صوراتي الفريدة في هذا العرض، استطاع أن يولف بين أساليب أدائية وإخراجية عديدة دون أن يقع في الابتذال. فنرى ممثلين وموسيقيين على الخشبة في ذات الوقت. يغني العبدالله ويعزف كل من الحوت وقبيسي على الإيقاع والوتريات. ثمة حورات غنائية ومونولوجات وشعر، إضافة إلى الماريونيت وتعدد الشخصيات في شخصية واحدة، مع تمرير بعض الرقص الإيمائي على الموسيقى. كل هذا التنوع أعطي العرض طابعاً ابتكارياً وحيوياً وكأنه مركبٌ من عدة عروض ينتمي كل منها إلى مدرسةٍ مختلفة في الإخراج المسرحي.
إعداد إيلي أضباشي للنص البريختي حوله إلى ثلاثية يصعب التوليف بينها إلّأ في أكثر النصوص ضدّية من المسرح المعاصر. الرمزية المفرطة والمباشرة والوعظية خففت من بريق الإخراج. أُثقل النص بدايةً بتحميل الأبناء الثلاثة أسماء عواصم عربية وفتح رمزيتها على زمن ينتمي إلى ما قبل الربيع العربي، أي إلى زمنٍ تعظ فيه دمشق العرب بقصائد بلاغية وتندب الأم خسارة ابنائها- العواصم واحداً تلو الآخر كنايةً عن خسارة العرب لوحدتهم أمام الغريب الذي يزرع الفتن، كما تشير عندما حاول الطباخ أن يفرق بينها وبين ابنها دمشق. وفي الوقت الذي ترمّز الأم حديثها عن أبنائها لتعطيه ربطاً بالواقع كأن تقول ان دمشق يعاني قلقاً في الليل وتراوده أحلام غريبة، تلجأ إلى المباشرة والبداهات عندما تتحدث عن الحرب وفلسفتها. هكذا، النص كان عاجزاً عن تقديم أي معالجة مسرحية مُلفتة للموضوع. علاوةً على أنه اتسم بوتيرةٍ واحدة دون أي انحرافات تثير دهشة الجمهور، إعجابه، تصفيقه أو حتى ضحكه.
في العرض الذي عاد إلى بيروت مجدداً، لمع نجم كل من خالد العبدالله وهادي دعيبس، نظراً لجدّة تجربة الأول وقدرة الثاني على خلق معظم سياق العرض بتنويعات شخصيته مع الدُمى. أما المسرحية نضال الأشقر بعد غيابها الطويل فبدت مجرّدة من طاقاتها الأدائية لا يخدمها جسدها المتقدم في العمر في حركتها. وقد يبدو العرض، بقولٍ آخر، مُباينةً بين إخراج ‘صوراتي’ التجريبي المتنوع والذي ينتمي إلى جيل شاب نسبياً وإرث الأشقر القديم ذي الشأن في المشهد المسرحي. هذه المُباينة بالتأكيد أظهرت بريق صوراتي وسطوع نجمه.
‘ كاتب فلسطيني